<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ يا أيها المدثر } { قم فأنذر } نودي النبيء - صلى الله عليه وسلم - بوصفه في حالة خاصة تلبس بها حين نزول السورة وهي أنه لما رأى الملك بين السماء والأرض فرق من رؤيته فرجع إلى خديجة فقال : دثروني دثروني ، أو قال زملوني ، أو قال : زملوني فدثروني ، على اختلاف الروايات ، والجمع بينها ظاهر فدثرته فنزلت { يا أيها المدثر } .

وقد مضى عند قوله تعالى { يا أيها المزمل } ما في هذا النداء من التكرمة والتلطف .

والمدثر : اسم فاعل من تدثر ، إذا لبس الدثار ، فأصله المتدثر ، أدغمت التاء في الدال لتقاربهما في النطق كما وقع في فعل ( ادعى ) .

والدثار : بكسر الدال : الثوب الذي يلبس فوق الثوب الذي يلبس مباشرا للجسد الذي يسمى شعارا . وفي الحديث " ( الأنصار شعار والناس دثار ) " .

فالوصف بـ ( المدثر ) حقيقة ، وقيل هو مجاز على معنى : المدثر بالنبوءة ، كما يقال ارتدى بالمجد وتأزر به على نحو ما قيل في قوله تعالى { يا أيها المزمل } ، أي : يا أيها اللابس خلعة النبوءة ودثارها .

والقيام المأمور به ليس مستعملا في حقيقته ؛ لأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حين أوحي إليه بهذا نائما ولا مضطجعا ولا هو مأمور بأن ينهض على قدميه وإنما هو مستعمل في الأمر بالمبادرة والإقبال والتهمم بالإنذار مجازا أو كناية .

وشاع هذا الاستعمال في فعل القيام حتى صار معنى الشروع في العمل من معاني مادة القيام مساويا للحقيقة وجاء بهذا المعنى في كثير من كلامهم ، وعد ابن مالك في التسهيل فعل قام من أفعال الشروع . فاستعمال فعل القيام في معنى الشروع قد يكون كناية عن لازم القيام من العزم والتهمم كما في الآية ، قال في الكشاف : قم قيام عزم وتصميم .

وقد يراد المعنى الصريح مع المعنى الكنائي نحو قول مرة بن محكان التميمي من شعراء الحماسة : يا ربة البيت قومي غير صاغرة ضمي إليك رجال الحي والغربا فإذا اتصلت بفعل القيام الذي هو بهذا المعنى الاستعمال جملة حصل من مجموعهما معنى الشروع في الفعل بجد ، وأنشدوا قول حسان بن المنذر : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد وقول الشاعر ، وهو من شواهد النحو ولم يعرف قائله : فقام يذود الناس عنها بسيفه وقال ألا لا من سبيل إلى هند وأفادت فاء ( فأنذر ) تعقيب إفادة التحفز والشروع بالأمر بإيقاع الإنذار .

ففعل ( قم ) منزل منزلة اللازم ، وتفريع ( فأنذر ) عليه يبين المراد من الأمر بالقيام .

والمعنى : يا أيها المدثر من الرعب لرؤية ملك الوحي لا تخف وأقبل على الإنذار .

والظاهر : أن هذه الآية أول ما نزل في الأمر بالدعوة ؛ لأن سورة العلق لم تتضمن أمرا بالدعوة . وصدر سورة المزمل تضمن أنه مسبوق بالدعوة لقوله فيه { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم } ، وقوله { وذرني والمكذبين } . وإنما كان تكذيبهم بعد أن أبلغهم أنه رسول من الله إليهم وابتدئ بالأمر بالإنذار ؛ لأن الإنذار يجمع معاني التحذير من فعل شيء لا يليق وعواقبه ، فالإنذار حقيق بالتقديم قبل الأمر بمحامد الفعال ؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية ، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، ولأن غالب أحوال الناس يومئذ محتاجة إلى الإنذار والتحذير .

ومفعول ( أنذر ) محذوف لإفادة العموم ، أي : أنذر الناس كلهم وهم يومئذ جميع الناس ما عدا خديجة - رضي الله عنها - فإنها آمنت فهي جديرة بالبشارة .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 30-30 , الصفحة 294 - 295
counter free hit invisible