<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية بلا خلاف .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال : نزلت سورة القيامة - وفي لفظ : سورة لا أقسم - بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال : أنزلت سورة لا أقسم بمكة . بسم الله الرحمن الرحيم { لا أقسم بيوم القيامة } { ولا أقسم بالنفس اللوامة } { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } { يسأل أيان يوم القيامة } { فإذا برق البصر } { وخسف القمر } { وجمع الشمس والقمر } { يقول الإنسان يومئذ أين المفر } { كلا لا وزر } { إلى ربك يومئذ المستقر } { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } { بل الإنسان على نفسه بصيرة } { ولو ألقى معاذيره } { لا تحرك به لسانك لتعجل به } { إن علينا جمعه وقرآنه } { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } { ثم إن علينا بيانه } { كلا بل تحبون العاجلة } { وتذرون الآخرة } { وجوه يومئذ ناضرة } { إلى ربها ناظرة } { ووجوه يومئذ باسرة } { تظن أن يفعل بها فاقرة } قوله : { لا أقسم بيوم القيامة } قال أبو عبيدة وجماعة من المفسرين : إن " لا " زائدة ، والتقدير : أقسم .

قال السمرقندي : أجمع المفسرون أن معنى { لا أقسم } : أقسم ، واختلفوا في تفسير " لا " فقال : بعضهم : هي زائدة ، وزيادتها جارية في كلام العرب كما في قوله : { ما منعك ألا تسجد } [ الأعراف : 12 ] يعني أن تسجد ، و { لئلا يعلم أهل الكتاب } [ الحديد : 29 ] ومن هذا قول الشاعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع وقال بعضهم : هي رد لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال : ليس الأمر كما ذكرتم ( أقسم بيوم القيامة ) ، وهذا قول الفراء وكثير من النحويين ، كقول القائل : الله لا والله ، ف " لا " رد لكلام قد تقدمها ، ومنه قول الشاعر : فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر وقيل هي للنفي ، لكن لا لنفي الإقسام ، بل لنفي ما ينبئ عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه .

كأن معنى " لا أقسم بكذا " : لا أعظمه بإقسامي به حق إعظامه ، فإنه حقيق بأكثر من ذلك .

وقيل إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر ، وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير قوله : { فلا أقسم بمواقع النجوم } [ الواقعة : 75 ] وقرأ الحسن ، وابن كثير في رواية عنه والزهري ، وابن هرمز " لأقسم " بدون ألف على أن اللام لام الابتداء ، والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال ، وقد اعترض عليه الرازي بما لا يقدح في قوته ولا يفت في عضد رجحانه ، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه ، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته .

{ ولا أقسم بالنفس اللوامة } ذهب قوم إلى أنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة ، فيكون الكلام في " لا " هذه كالكلام في الأولى ، وهذا قول الجمهور . وقال الحسن : أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة .

قال الثعلبي : والصحيح أنه أقسم بهما جميعا ، ومعنى النفس اللوامة : النفس التي تلوم صاحبها على تقصيره ، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها .

قال الحسن : هي والله نفس المؤمن ، لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكذا ما أردت بكذا ، والفاجر لا يعاتب نفسه .

قال مجاهد : هي التي تلوم على ما فات وتندم ، فتلوم نفسها على الشر لم تعمله ؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه ؟ قال الفراء : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها ، إن كانت عملت خيرا قالت : هلا ازددت ، وإن كانت عملت سوءا قالت : ليتني لم أفعل .

وعلى هذا فالكلام خارج مخرج المدح للنفس ، فيكون الإقسام بها حسنا سائغا .

وقيل اللوامة هي الملومة المذمومة ، فهي صفة ذم ، وبهذا احتج من نفى أن يكون قسما ، إذ ليس لنفس العاصي خطر يقسم به .

قال مقاتل : هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله ، والأول أولى .

{ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } المراد بالإنسان الجنس ، وقيل الإنسان الكافر ، والهمزة للإنكار ، وأن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، والمعنى : أيحسب الإنسان أن الشأن أن لن نجمع عظامه بعد أن صارت رفاتا ، فنعيدها خلقا جديدا ، وذلك حسبان باطل ، فإنا نجمعها ، وما يدل عليه هذا الكلام هو جواب القسم .

قال الزجاج : أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعن العظام للبعث ، فهذا جواب القسم .

وقال النحاس : جواب القسم محذوف : أي ليبعثن ، والمعنى : أن الله سبحانه يبعث جميع أجزاء الإنسان ، وإنما خص العظام لأنها قالب الخلق .

{ بلى قادرين على أن نسوي بنانه } بلى إيجاب لما بعد النفي المنسحب إليه الاستفهام ، والوقف على هذا اللفظ وقف حسن ، ثم يبتدئ الكلام بقوله قادرين وانتصاب قادرين على الحال أي : بلى نجمعها قادرين ، فالحال من ضمير الفعل المقدر ، وقيل المعنى : بلى نجمعها نقدر قادرين .

قال الفراء : أي نقدر ، ونقوى قادرين على أكثر من ذلك .

وقال أيضا : إنه يصلح نصبه على التكرير : أي بلى فليحسبنا قادرين . وقيل التقدير : بلى كنا قادرين .

وقرأ ابن أبي عبلة ، وابن السميفع " بلى قادرون " على تقدير مبتدأ : أي بلى نحن قادرون ، ومعنى { على أن نسوي بنانه } على أن نجمع بعضها إلى بعض ، فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها ، فكيف بكبار الأعضاء ؟ فنبه سبحانه بالبنان ، وهي الأصابع على بقية الأعضاء ، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق ، فهذا وجه تخصيصها بالذكر ، وبهذا قال الزجاج ، وابن قتيبة .

وقال جمهور المفسرين : إن معنى الآية أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا شقوق فيها ، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة ونحوهما ، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها .

وقيل المعنى : بل نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم ، فكيف في صورته التي كان عليها ، والأول أولى ، ومنه قول عنترة : وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانها بالهندوان فنبه بالبنان على بقية الأعضاء .

{ بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } هو عطف على أيحسب إما على أنه استفهام مثله وأضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا ، أو على أنه إيجاب انتقل إليه من الاستفهام .

والمعنى : بل يريد الإنسان أن يقدم فجوره فيما بين يديه من الأوقات ، وما يستقبله من الزمان ، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة .

قال ابن الأنباري : يريد أن يفجر ما امتد عمره ، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه .

قال مجاهد ، والحسن ، وعكرمة ، والسدي ، وسعيد بن جبير : يقول : سوف أتوب ولا يتوب حتى يأتيه الموت وهو على أشر أحواله .

قال الضحاك : هو الأمل ، يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا ، ولا يذكر الموت ، والفجور : أصله الميل عن الحق ، فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل ، ومنه قول الشاعر : أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر اغفر له اللهم إن كان فجر وجملة { يسأل أيان يوم القيامة } مستأنفة لبيان معنى يفجر ، والمعنى : يسأل متى يوم القيامة سؤال استبعاد واستهزاء .

{ فإذا برق البصر } أي فزع وتحير من برق الرجل : إذا نظر إلى البرق فدهش بصره .

قرأ الجمهور برق بكسر الراء .

قال أبو عمرو بن العلاء ، والزجاج وغيرهما : المعنى تحير فلم يطرف ، ومنه قول ذي الرمة : ولو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه مي سافرا كاد يبرق وقال الخليل والفراء : برق بالكسر : فزع وبهت وتحير ، والعرب تقول للإنسان المبهوت : قد برق فهو بارق ، وأنشد الفراء : ونفسك فانع ولا تنعني وداو الكلوم ولا تبرق أي لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك .

وقرأ نافع ، وأبان عن عاصم " برق " بفتح الراء : أي لمع بصره من شدة شخوصه للموت .

قال مجاهد وغيره : هذا عند الموت ، وقيل برق يبرق شق عينيه وفتحهما .

وقال أبو عبيدة : فتح الراء وكسرها لغتان بمعنى .

{ وخسف القمر } قرأ الجمهور خسف بفتح الخاء والسين مبنيا للفاعل .

وقرأ ابن أبي إسحاق ، وعيسى ، والأعرج ، وابن أبي عبلة ، وأبو حيوة بضم الخاء وكسر السين مبنيا للمفعول ، ومعنى خسف القمر : ذهب ضوؤه ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا ، ويقال خسف : إذا ذهب جميع ضوئه ، وكسف : إذا ذهب بعض ضوئه .

{ وجمع الشمس والقمر } أي ذهب ضوؤهما جميعا ، ولم يقل جمعت لأن التأنيث مجازي . قاله المبرد .

وقال أبو عبيدة : هو لتغليب المذكر على المؤنث .

وقال الكسائي : حمل على معنى جمع النيران .

وقال الزجاج ، والفراء : ولم يقل جمعت لأن المعنى بينهما في ذهاب نورهما ، وقيل : جمع بينهما في طلوعهما من الغرب أسودين مكورين مظلمين .

قال عطاء : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى .

وقيل : تجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار .

وقرأ ابن مسعود " وجمع بين الشمس والقمر " .

{ يقول الإنسان يومئذ أين المفر } أي يقول عند وقوع هذه الأمور أين المفر : أي الفرار ، والمفر مصدر بمعنى الفرار .

قال الفراء : يجوز أن يكون موضع الفرار ، ومنه قول الشاعر : أين المفر والكباش تنتطح وكل كبش فر منها يفتضح قال الماوردي : يحتمل وجهين : أحدهما أين المفر من الله سبحانه استحياء منه .

والثاني أين المفر من جهنم حذرا منها .

قرأ الجمهور { أين المفر } بفتح الميم والفاء مصدرا كما تقدم .

وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة بفتح الميم وكسر الفاء على أنه اسم مكان : أي أين مكان الفرار .

وقال الكسائي : هما لغتان مثل مدب ومدب ومصح ومصح ، وقرأ الزهري بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار ، ومنه قول امرئ القيس : مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل أي جيد الفر والكر .

{ كلا لا وزر } أي لا جبل ولا حصن ولا ملجأ من الله .

وقال ابن جبير : لا محيص ولا منعة .

والوزر في اللغة : ما يلجأ إليه الإنسان من حصن ، أو جبل أو غيرهما ، ومنه قول طرفة : ولقد تعلم بكر أننا فاضلوا الرأي وفي الروع وزر وقال آخر : لعمري ما للفتى من وزر من الموت يدرك والكبر قال السدي : كانوا إذا فزعوا في الدنيا تحصنوا بالجبال ، فقال لهم الله : لا وزر يعصمكم مني يومئذ ، و ( كلا ) للردع ، أو لنفي ما قبلها ، أو بمعنى حقا .

{ إلى ربك يومئذ المستقر } أي المرجع والمنتهى والمصير لا إلى غيره ، وقيل إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره ، وقيل المستقر : الاستقرار حيث يقره الله .

{ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } أي يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر .

وقال قتادة : بما عمل من طاعة ، وما أخر من طاعة فلم يعمل بها .

وقال زيد بن أسلم : بما قدم من أمواله وما خلف للورثة .

وقال مجاهد : بأول عمله وآخره .

وقال الضحاك : بما قدم من فرض وأخر من فرض .

قال القشيري : هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال ، ويجوز أن يكون عند الموت .

قال القرطبي : والأول أظهر .

{ بل الإنسان على نفسه بصيرة } ارتفاع ( بصيرة ) على أنها خبر الإنسان ، ( على نفسه ) متعلق بـ ( بصيرة ) .

قال الأخفش : جعله هو البصيرة كما تقول للرجل : أنت حجة على نفسك ، وقيل المعنى : إن جوارحه تشهد عليه بما عمل كما في قوله : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } [ النور : 24 ] وأنشد الفراء : كأن على ذي العقل عينا بصيرة بمقعده أو منظر هو ناظر فيكون المعنى : بل جوارح الإنسان عليه شاهدة .

قال أبو عبيدة ، والقتيبي : إن هذه الهاء في بصيرة هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة كما في قولهم : علامة .

وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير وشر ، والتاء على هذا للتأنيث .

وقال الحسن : أي بصير بعيوب نفسه .

{ ولو ألقى معاذيره } أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك .

يقال معذرة ومعاذير .

قال الفراء : أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره .

وقال الزجاج : المعاذير : الستور ، والواحد معذار : أي وإن أرخى الستور يريد أن يخفي نفسه فنفسه شاهدة عليه ، كذا قال الضحاك ، والسدي : والستر بلغة اليمن يقال له معذار ، كذا قال المبرد ، ومنه قول الشاعر : ولكنها ضنت بمنزل ساعة علينا وأطت يومها بالمعاذر والأول أولى ، وبه قال مجاهد ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، وابن زيد ، وأبو العالية ، ومقاتل ، ومثله قوله : { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } [ غافر : 52 ] وقوله : { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } [ المرسلات : 36 ] وقول الشاعر : فما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر { لا تحرك به لسانك لتعجل به } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي حرصا على أن يحفظه صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية : أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك ، ومثل هذا قوله : { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } [ طه : 114 ] الآية .

{ إن علينا جمعه } في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء وقرآنه أي إثبات قراءته في لسانك .

قال الفراء : القراءة والقرآن مصدران . وقال قتادة فاتبع قرآنه : أي شرائعه وأحكامه .

{ فإذا قرأناه } أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل { فاتبع قرآنه } أي قراءته .

{ ثم إن علينا بيانه } أي تفسير ما فيه من الحلال والحرام وبيان ما أشكل منه .

قال الزجاج : المعنى علينا أن ننزله عليك قرآنا عربيا فيه بيان للناس .

وقيل المعنى : إن علينا أن نبينه بلسانك .

{ كلا بل تحبون العاجلة } ( كلا ) للردع عن العجلة والترغيب في الأناة ، وقيل هي ردع لمن لا يؤمن بالقرآن وبكونه بينا من الكفار .

قال عطاء : أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه .

قرأ أهل المدينة والكوفيون { بل تحبون } وتذرون بالفوقية في الفعلين جميعا .

وقرأ الباقون بالتحتية فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون الخطاب لهم تقريعا وتوبيخا ، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام عائدا إلى الإنسان لأنه بمعنى الناس ، والمعنى : تحبون الدنيا وتتركون الآخرة ، فلا تعملون لها .

{ وجوه يومئذ ناضرة } أي ناعمة غضة حسنة ، يقال : شجر ناضر وروض ناضر : أي حسن ناعم ، ونضارة العيش حسنه وبهجته .

قال الواحدي : والمفسرون : يقولون مضيئة مفسرة مشرقة .

{ إلى ربها ناظرة } هذا من النظر : أي إلى خالقها ومالك أمرها ، ناظرة : أي تنظر إليه ، هكذا قال جمهور أهل العلم ، والمراد به ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون ربهم يوم القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر .

قال ابن كثير : وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام .

وقال مجاهد : إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب ، وروي نحوه عن عكرمة .

وقيل لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده .

وإن قول القائل : نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين ، إذا أرادوا الانتظار قالوا : نظرته كما في قول الشاعر : فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب فإذا أرادوا نظر العين قالوا : نظرت إليه كما قال الشاعر : نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لفعال وقول الآخر : إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر أي أنظر إليك نظر ذل كما ينظر الفقير إلى الغني ، وأشعار العرب وكلماتهم في هذا كثيرة جدا .

و ( وجوه ) مبتدأ ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة لأن المقام مقام تفصيل ، و ( ناضرة ) صفة لوجوه ، و ( يومئذ ) ظرف لناضرة ، ولو لم يكن المقام مقام تفصيل لكان وصف النكرة بقوله : ناضرة مسوغا للابتداء بها ، ولكن مقام التفصيل بمجرده مسوغ للابتداء بالنكرة .

{ ووجوه يومئذ باسرة } أي كالحة عابسة كئيبة .

قال في الصحاح : بسر الرجل وجهه بسورا : أي كلح .

قال السدي : باسرة : أي متغيرة ، وقيل مصفرة ، والمراد بالوجوه هنا وجوه الكفار .

{ تظن أن يفعل بها فاقرة } الفاقرة : الداهية العظيمة ، يقال فقرته الفاقرة : أي كسرت فقار ظهره . قال قتادة : الفاقرة الشر ، وقال السدي : الهلاك ، وقال ابن زيد : دخول النار .

وأصل الفاقرة : الوشم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى تخلص إلى العظم ، كذا قال الأصمعي ، ومن هذا قولهم : قد عمل به الفاقرة .

قال النابغة : أبا لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقره وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس عن قوله : { لا أقسم بيوم القيامة } قال : يقسم ربك بما شاء من خلقه ، قلت : { ولا أقسم بالنفس اللوامة } قال النفس اللؤوم ، قلت : { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } قال : لو شاء لجعله خفا أو حافرا .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه اللوامة قال : المذمومة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر عنه أيضا قال : التي تلوم على الخير والشر تقول : لو فعلت كذا وكذا .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال : تندم على ما فات وتلوم عليه .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } قال : يمضي قدما .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : هو الكافر الذي يكذب بالحساب .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال : يعني الأمل يقول : أعمل ثم أتوب .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل والبيهقي في الشعب عنه أيضا في الآية قال : يقدم الذنب ويؤخر التوبة .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه أيضا { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } يقول : سوف أتوب { يسأل أيان يوم القيامة } قال : يقول متى يوم القيامة ، قال فبين له إذا برق البصر وأخرج ابن جرير عنه قال إذا برق البصر يعني الموت .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : { لا وزر } قال : لا حصن .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس فيقوله : { لا وزر } قال : لا حصن ولا ملجأ ، وفي لفظ : لا حرز ، وفي لفظ : لا جبل .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } قال : بما قدم من عمل ، وأخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة فينبأ بذلك .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر من طرق عنه في قوله : { بل الإنسان على نفسه بصيرة } قال : شهد على نفسه وحده { ولو ألقى معاذيره } قال : ولو اعتذر .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { بل الإنسان على نفسه بصيرة } قال : سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه { ولو ألقى معاذيره } قال : ولو تجرد من ثيابه .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما ( عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه يريد أن يحفظه ، فأنزل الله { لا تحرك به لسانك لتعجل به } { إن علينا جمعه وقرآنه } قال : يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه { فإذا قرأناه } يقول : إذا أنزلناه عليك { فاتبع قرآنه } فاستمع له وأنصت { ثم إن علينا بيانه } أن نبينه بلسانك ، وفي لفظ : علينا أن نقرأه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق - وفي لفظ : استمع - فإذا ذهب قرأه كما وعده الله ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { فإذا قرأناه } قال : بيناه { فاتبع قرآنه } يقول : اعمل به . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن مسعود في قوله : { كلا بل تحبون العاجلة } قال : عجلت لهم الدنيا شرها وخيرها وغيبت الآخرة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وجوه يومئذ ناضرة } قال : ناعمة .

وأخرج ابن المنذر ، والآجري في الشريعة واللكائي في السنة والبيهقي في الرؤية عنه { وجوه يومئذ ناضرة } قال : يعني حسنها { إلى ربها ناظرة } قال : نظرت إلى الخالق .

وأخرج ابن مردويه عنه أيضا { إلى ربها ناظرة } قال تنظر إلى وجه ربها .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وجوه يومئذ ناضرة } { إلى ربها ناظرة } قال : ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة ) وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : ( قال الناس : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك ) .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه .

وقد قدمنا أن أحاديث الرؤية متواترة فلا نطيل بذكرها ، وهي تأتي في مصنف مستقل ، ولم يتمسك من نفاها واستبعدها بشيء يصلح للتمسك به لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله .

وقد أخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، والدارقطني ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة } { إلى ربها ناظرة } ) وأخرج أحمد في المسند من حديثه بلفظ ( إن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين ) .

وأخرج النسائي ، والدارقطني وصححه وأبو نعيم عن أبي هريرة قال : ( قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا ، قال : هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه ، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها ؟ قلنا نعم ، قال : فإنكم سترون ربكم عز وجل ، حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة ، فيقول : عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا ؟ فيقول : ألم تغفر لي ؟ فيقول : بمغفرتي صرت إلى هذا ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1557 - 1560
counter free hit invisible