<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( { لا أقسم بيوم القيامة } { ولا أقسم بالنفس اللوامة } { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } { بلى قادرين على أن نسوي بنانه }

افتتاح السورة بالقسم مؤذن بأن ما سيذكر بعده أمر مهم لتستشرف له نفس السامع كما تقدم في عدة مواضع من أقسام القرآن .

وكون القسم بيوم القيامة براعة استهلال لأن غرض السورة وصف يوم القيامة .

وفيه أيضا كون المقسم به هو المقسم على أحواله تنبيها على زيادة مكانته عند المقسم في قول أبي تمام : وثناياك إنهـا إغـريض ولئال تؤم وبرق وميض كما تقدم عند قوله تعالى ( { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا } ) في سورة الزخرف .

وصيغة ( لا أقسم ) صيغة قسم ، أدخل حرف النفي على فعل ( أقسم ) لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أي ولا أقسم بأعز منه عندي ، وذلك كناية عن تأكيد القسم ، وتقدم عند قوله تعالى ( { فلا أقسم بمواقع النجوم } ) في سورة الواقعة .

وفيه محسن بديعي من قبيل ما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم . وهذا لم نذكره فيما مضى ولم يذكره أحد .

والقسم ( { بيوم القيامة } ) باعتباره ظرفا لما يجري فيه من عدل الله وإفاضة فضله وما يحضره من الملائكة والنفوس المباركة .

وتقدم الكلام على ( يوم القيامة ) غير مرة ، منها قوله تعالى ( { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ) في سورة البقرة .

وجواب القسم يؤخذ من قوله ( { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ) لأنه دليل الجواب إذ التقدير : لنجمعن عظام الإنسان أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه .

وفي الكشاف : قالوا إنه ( أي لا أقسم ) في الإمام بغير ألف وتبرأ منه بلفظ ( قالوا ) لأنه مخالف للموجود في المصاحف . وقد نسب إلى البزي عن ابن كثير أنه قرأ ( لأقسم ) الأول دون ألف وهي رواية عنه ذكرها الشيخ علي النوري في غيث النفع ولم يذكرها الشاطبي . واقتصر ابن عطية على نسبتها إلى ابن كثير دون تقييد ، فتكون اللام لام قسم . والمشهور عن ابن كثير خلاف ذلك ، وعطف قوله ( ولا أقسم ) تأكيدا للجملة المعطوف عليها ، وتعريف ( النفس ) تعريف الجنس ، أي الأنفس اللوامة . والمراد نفوس المؤمنين . ووصف اللوامة مبالغة لأنها تكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة . وهذا اللوم هو المعبر عنه في الاصطلاح بالمحاسبة ، ولومها يكون بتفكيرها وحديثها النفسي . قال الحسن : ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه على ما فات ويندم ، يلوم نفسه على الشر لم فعله وعلى الخير لم لم يستكثر منه ، فهذه نفوس خيرة حقيقة أن تشرف بالقسم بها وما كان يوم القيامة إلا لكرامتها .

والمراد اللوامة في الدنيا لوما تنشأ عنه التوبة والتقوى وليس المراد لوم الآخرة إذ يقول ( { يا ليتني قدمت لحياتي } ) .

ومناسبة القسم بها مع يوم القيامة أنها النفوس ذات الفوز في ذلك اليوم . وعن بعض المفسرين أن ( لا أقسم ) مراد منه عدم القسم ففسر النفس اللوامة بالتي تلوم على فعل الخير .

وقوله ( { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ) إلخ دليل على جواب القسم إذ تقدير الجواب لنجمعن عظامكم ونبعثكم للحساب .

وتعريف ( الإنسان ) تعريف الجنس ، ووقوعه في سياق الإنكار الذي هو في معنى النفي يقتضي العموم ، وهو عموم عرفي منظور فيه إلى غالب الناس يومئذ إذ كان المؤمنون قليلا . فالمعنى : أيحسب الإنسان الكافر .

وجملة ( { أن لن نجمع عظامه } ) مركبة من حرف ( أن ) المفتوحة الهمزة المخففة النون التي هي أخت ( إن ) المكسورة .

واسم ( أن ) ضمير شأن محذوف .

والجملة الواقعة بعد ( أن ) خبر عن ضمير الشأن ، فسيبويه يجعل ( أن ) مع اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي فعل الظن . والأخفش يجعل ( أن ) مع جزءيها في مقام المفعول الأول - أي لأنه مصدر - ويقدر مفعولا ثانيا . وذلك أن من خواص أفعال القلوب جواز دخول ( أن ) المفتوحة المهمزة بعدها فيستغني الفعل بـ ( أن ) واسمها وخبرها عن مفعوليه .

وجيء بحرف ( لن ) الدال على تأكيد النفي لحكاية اعتقاد المشركين استحالة جمع العظام بعد رمامها وتشتتها .

قال القرطبي : نزلت في عدي بن ربيعة - الصواب ابن أبي ربيعة - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا محمد حدثني عن يوم القيامة ، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال عدي : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك أو يجمع الله العظام ، فنزلت هذه الآية ، ألا قلت : إن سبب النزول لا يخصص الإنسان بهذا السائل . والعظام : كناية عن الجسد كله ، وإنما خصت بالذكر لحكاية أقواله ( { من يحيي العظام وهي رميم } ( { أإذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون } ) ( { إذا كنا عظاما نخرة } ) فهم احتجوا باستحالة قبول العظام للإعادة بعد البلى ، على أن استحالة إعادة اللحم والعصب والفؤاد بالأولى . فإثبات إعادة العظام اقتضى أن إعادة بقية الجسم مساو لإعادة العظم وفي ذلك كفاية من الاستدلال مع الإيجاز .

ثم إن كانت إعادة الخلق بجمع أجزاء أجسامهم المتفرقة من ذرات الله أعلم بها ، وهو أحد قولين لعلمائنا ، ففعل ( نجمع ) محمول على حقيقته . وإن كان البعث بخلق أجسام أخرى على صور الأجسام الفانية سواء كان خلقا مستأنفا أو مبتدأ من أعجاب الأذناب على ما ورد في بعض الأخبار وهما قولان لعلمائنا . ففعل ( نجمع ) مستعار للخلق الذي هو على صورة الجسم الذي بلي . ومناسبة استعارته مشاكلة أقوال المشركين التي أريد إبطالها لتجنب الدخول معهم في تصوير كيفية البعث ، ولذلك لا ترى في آيات القرآن إلا إجمالها ومن ثم اختلف علماء الإسلام في كيفية إعادة الأجسام عند البعث . واختار إمام الحرمين التوقف ، وآيات القرآن ورد فيها ما يصلح للأمرين .

و ( بلى ) حرف إبطال للنفي الذي دل عليه لن نجمع عظامه فمعناه بل تجمع عظامه على اختلاف المحملين في معنى الجمع .

و ( قادرين ) حال من الضمير في الفعل المحذوف بعد ( بلى ) الذي يدل عليه قوله ( { أن لن نجمع } ) ، أي بل نجمعها في حال قدرتنا على أن نسوي بنانه .

ويجوز أن يكون ( بلى ) إبطالا للنفيين : النفي الذي أفاده الاستفهام الإنكاري من قوله ( { أيحسب الإنسان } ) ، والنفي الذي في مفعول ( يحسب ) ، وهو إبطال بزجر ، أي بل ليحسبنا قادرين ، لأن مفاد ( { أن لن نجمع عظامه } ) أن لا نقدر على جمع عظامه فيكون ( قادرين ) مفعولا ثانيا ليحسبنا المقدر ، وعدل في متعلق ( قادرين ) عن أن يقال : قادرين على جمع عظامه إلى قادرين على أن نسوي بنانه لأنه أوفر معنى وأوفق بإرادة إجمال كيفية البعث والإعادة .

ولمراعاة هذه المعاني عدل عن رفع : " قادرون " ، بتقدير : نحن قادرون فلم يقرأ بالرفع . والتسوية : تقويم الشيء وإتقان الخلق قال تعالى ( { ونفس وما سواها } ) وقال في هذه السورة ( { فخلق فسوى } ) . وأريد بالتسوية إعادة خلق البنان مقومة متقنة ، فالتسوية كناية عن الخلق لأنها تستلزمه فإنه ما سوي إلا وقد أعيد خلقه قال تعالى ( { الذي خلق فسوى } ) .

والبنان أصابع اليدين والرجلين أو أطراف تلك الأصابع . وهو اسم جمع بنانة .

وإذ كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن تسوية جميع الجسد لظهور أن تسوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها كما تقول : قلعت الريح أوتاد الخيمة كناية عن قلعها الخيمة كلها فإنه قد يكنى بأطراف الشيء عن جميعه .

ومنه قولهم : لك هذا الشيء بأسره ، أي مع الحبل الذي يشد به ، كناية عن جميع الشيء . وكذلك قولهم : هو لك برمته ، أي بحبله الذي يشد به .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 30-30 , الصفحة 338 - 341
counter free hit invisible