<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية في قول الحسن ، وعكرمة ، وعطاء ، وجابر .

قال قتادة : إلا آية منها وهي قوله : { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } فإنها مدنية ، وروي هذا عن ابن عباس .

وأخرج النحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة المرسلات بمكة .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : ( بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت سورة المرسلات عرفا ، فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتلوها ، فابتدرناها فذهبت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وقيت شركم كما وقيتم شرها ) .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ( أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ : { والمرسلات عرفا } فقالت : يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها آخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { والمرسلات عرفا } { فالعاصفات عصفا } { والناشرات نشرا } { فالفارقات فرقا } { فالملقيات ذكرا } { عذرا أو نذرا } { إنما توعدون لواقع } { فإذا النجوم طمست } { وإذا السماء فرجت } { وإذا الجبال نسفت } { وإذا الرسل أقتت } { لأي يوم أجلت } { ليوم الفصل } { وما أدراك ما يوم الفصل } { ويل يومئذ للمكذبين } { ألم نهلك الأولين } { ثم نتبعهم الآخرين } { كذلك نفعل بالمجرمين } { ويل يومئذ للمكذبين } { ألم نخلقكم من ماء مهين } { فجعلناه في قرار مكين } { إلى قدر معلوم } { فقدرنا فنعم القادرون } { ويل يومئذ للمكذبين } { ألم نجعل الأرض كفاتا } { أحياء وأمواتا } { وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا } { ويل يومئذ للمكذبين } قوله : { والمرسلات عرفا } قال جمهور المفسرين : هي الرياح ، وقيل هي الملائكة ، وبه قال مقاتل ، وأبو صالح ، والكلبي ، وقيل هم الأنبياء ، فعلى الأول أقسم سبحانه بالرياح المرسلة لما يأمرها به كما في قوله : { وأرسلنا الرياح لواقح } [ الحجر : 22 ] وقوله : يرسل الرياح وغير ذلك .

وعلى الثاني أقسم سبحانه بالملائكة المرسلة بوحيه وأمره ونهيه .

وعلى الثالث أقسم سبحانه برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ شرائعه . وانتصاب ( عرفا ) إما على أنه مفعول لأجله أي : المرسلات لأجل العرف وهو ضد النكر ، ومنه قول الشاعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس أو على أنه حال بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس ، تقول العرب : سار الناس إلى فلان عرفا واحدا : إذا توجهوا إليه ، وهم على فلان كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه ، أو على أنه مصدر كأنه قال : والمرسلات إرسالا : أي متتابعة ، أو على أنه منصوب بنزع الخافض : أي والمرسلات بالعرف .

قرأ الجمهور عرفا بسكون الراء : وقرأ عيسى بن عمر بضمها ، وقيل المراد بالمرسلات السحاب لما فيها من نعمة ونقمة .

{ فالعاصفات عصفا } وهي الرياح الشديدة الهبوب .

قال القرطبي بغير اختلاف : يقال عصف بالشيء : إذا أباده وأهلكه ، وناقة عصوف : أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، ويقال عصفت الحرب بالقوم إذا ذهبت بهم ، وقيل هي الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها ، وقيل يعصفون بروح الكافر ، وقيل هي الآيات المهلكة كالزلازل ونحوها .

{ والناشرات نشرا } يعني الرياح تأتي بالمطر وهي تنشر السحاب نشرا ، أو الملائكة الموكلون بالسحاب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجو عند النزول بالوحي ، أو هي الأمطار لأنها تنشر النبات .

وقال الضحاك : يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم .

وقال الربيع : إنه البعث للقيامة بنشر الأرواح ، وجاء بالواو هنا لأنه استئناف قسم آخر .

{ فالفارقات فرقا } يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام .

وقال مجاهد : هي الريح تفرق بين السحاب فتبدده .

وروي عنه أنها آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل ، وقيل هي الرسل فرقوا ما بين ما أمر الله به ونهى عنه . وبه قال الحسن .

{ فالملقيات ذكرا } هي الملائكة .

قال القرطبي : بإجماع ؛ أي تلقي الوحي إلى الأنبياء ، وقيل هو جبريل ، وسمي باسم الجمع تعظيما له ، وقيل هي الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم ، قال قطرب .

قرأ الجمهور ( فالملقيات ) بسكون اللام وتخفيف القاف اسم فاعل ، وقرأ ابن عباس بفتح اللام وتشديد القاف من التلقية وهي إيصال الكلام إلى المخاطب ، والراجح أن الثلاثة الأول للرياح ، والرابع والخامس للملائكة ، وهو الذي اختاره الزجاج ، والقاضي وغيرهما .

{ عذرا أو نذرا } انتصابهما على البدل من ذكرا أو على المفعولية ، والعامل فيهما المصدر المنون ، كما في قوله : { أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما } [ البلد : 15 ، 14 ] أو على المفعول لأجله : أي للإعذار والإنذار ، أو على الحال بالتأويل المعروف : أي معذرين أو منذرين .

قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما .

وقرأ زيد بن ثابت وابنه خارجة بن زيد ، وطلحة بضمهما .

وقرأ الحرميان وابن عامر ، وأبو بكر بسكونها في ( عذرا ) وضمها في ( نذرا ) .

وقرأ الجمهور { عذرا أو نذرا } على العطف بأو .

وقرأ إبراهيم التيمي ، وقتادة على العطف بالواو بدون ألف ، والمعنى : أن الملائكة تلقي الوحي إعذارا من الله إلى خلقه وإنذارا من عذابه ، كذا قال الفراء ، وقيل عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين .

قال أبو علي الفارسي : يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله : { هذا نذير من النذر الأولى } [ النجم : 56 ] فيكون نصبا على الحال من الإلقاء : أي يلقون الذكر في حال العذر والإنذار ، أو مفعولان ل ( ذكرا ) : أي تذكر عذرا أو نذرا .

قال المبرد : هما بالتثقيل جمع ، والواحد عذير ونذير .

ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال : { إنما توعدون لواقع } أي إن الذي توعدونه من مجيء الساعة والبعث كائن لا محالة .

ثم بين سبحانه متى يقع ذلك فقال : { فإذا النجوم طمست } أي محي نورها وذهب ضوؤها ، يقال طمس الشيء : إذا درس وذهب أثره .

{ وإذا السماء فرجت } أي فتحت وشقت ، ومثله قوله : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } [ النبأ : 19 ] .

{ وإذا الجبال نسفت } أي قلعت من مكانها بسرعة ، يقال نسفت الشيء وأنسفته : إذا أخذته بسرعة .

وقال الكلبي : سويت بالأرض ، والعرب تقول : نسفت الناقة الكلأ : إذا رعته ، وقيل جعلت كالحب الذي ينسف بالمنسف ، ومنه قوله : { وبست الجبال بسا } [ الواقعة : 5 ] والأول أولى .

قال المبرد : نسفت قلعت من مواضعها .

{ وإذا الرسل أقتت } الهمزة في أقتت بدل من الواو المضمومة ، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة يجوز إبدالها بالهمزة ، وقد قرأ بالواو أبو عمرو ، وشيبة ، والأعرج وقرأ الباقون بالهمزة . والوقت : الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه ، والمعنى : جعل لها وقتا للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كما في قوله سبحانه { يوم يجمع الله الرسل } [ المائدة : 109 ] وقيل هذا في الدنيا : أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبها ، والأول أولى ، قال أبو علي الفارسي : أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا ، وقيل أقتت : أرسلت لأوقات معلومة على ما علم الله به .

{ لأي يوم أجلت } هذا الاستفهام للتعظيم والتعجيب : أي لأي يوم عظيم يعجب العباد منه لشدته ومزيد أهواله ضرب لهم الأجل لجمعهم ، والجملة مقول قول مقدر هو جواب ل ( إذا ) ، أو في محل نصب على الحال من الضمير في أقتت قال الزجاج : المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم .

ثم بين هذا اليوم فقال : { ليوم الفصل } قال قتادة : يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار .

ثم عظم ذلك اليوم فقال : { وما أدراك ما يوم الفصل } أي وما أعلمك بيوم الفصل يعني أنه أمر بديع هائل لا يقادر قدره ، و " ما " مبتدأ و " أدراك " خبره ، أو العكس كما اختاره سيبويه .

ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال : { ويل يومئذ للمكذبين } أي ويل لهم في ذلك اليوم الهائل ، وويل أصل مصدر ساد مسد فعله ، وعدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات . والويل الهلاك ، أو هو اسم واد في جهنم ، وكرر هذه الآية في هذه السورة لأنه قسم الويل بينهم على قدر تكذيبهم ، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر ، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره ، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب .

ثم ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال : { ألم نهلك الأولين } أخبر سبحانه بإهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم .

قال مقاتل : يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم .

{ ثم نتبعهم الآخرين } يعني كفار مكة ، ومن وافقهم حين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم .

قرأ الجمهور ( نتبعهم ) بالرفع على الاستئناف أي ثم نحن نتبعهم .

قال أبو البقاء ليس بمعطوف لأن العطف يوجب أن يكون المعنى : أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الإهلاك .

وليس كذلك لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد .

ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود " ثم سنتبعهم " . وقرأ الأعرج ، والعباس عن أبي عمرو " نتبعهم " بالجزم عطفا على " نهلك " قال شهاب الدين : على جعل الفعل معطوفا على مجموع الجملة من قوله : ( ألم نهلك ) .

{ كذلك نفعل بالمجرمين } أي مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم ، يريد من يهلكه فيما بعد ، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف : أي مثل ذلك الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في الدنيا أو في الآخرة .

{ ويل يومئذ للمكذبين } أي ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب الله ورسله ، قيل الويل الأول لعذاب الآخرة ، وهذا لعذاب الدنيا .

{ ألم نخلقكم من ماء مهين } أي ضعيف حقير ، وهو النطفة .

{ فجعلناه في قرار مكين } أي مكان حريز ، وهو الرحم .

{ إلى قدر معلوم } أي إلى مقدار معلوم ، وهو مدة الحمل ، وقيل إلى أن يصور .

( فقدرنا ) قرأ الجمهور فقدرنا بالتخفيف .

وقرأ نافع ، والكسائي بالتشديد من التقدير .

قال الكسائي ، والفراء : وهما لغتان بمعنى . تقول : قدرت كذا ، وقدرته . { فنعم القادرون } أي نعم المقدرون نحن ، قيل المعنى : قدرناه قصيرا أو طويلا ، وقيل معنى قدرنا ملكنا .

{ ويل يومئذ للمكذبين } بقدرتنا على ذلك .

ثم بين لهم بديع صنعه وعظيم قدرته ليعتبروا فقال : { ألم نجعل الأرض كفاتا } معنى الكفت في اللغة : الضم والجمع ، يقال كفت الشيء : إذا ضمه وجمعه ، ومن هذا يقال للجراب والقدر كفت ، والمعنى : ألم نجعل الأرض ضامة للأحياء على ظهرها والأموات في باطنها تضمهم وتجمعهم .

قال الفراء : يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم .

وتكفتهم أمواتا في بطنها : أي تحوزهم وهو معنى قوله : { أحياء ‎وأمواتا } وأنشد سيبويه : كرام حين تنكفت الأفاعي إلى أجحارهن من الصقيع قال أبو عبيدة : كفاتا : أوعية ، ومنه قول الشاعر : فأنت اليوم فوق الأرض حي وأنت غدا تضمن في كفات أي في قبر ، وقيل معنى جعلها كفاتا : أنه يدفن فيها ما يخرج من الإنسان من الفضلات .

وقال الأخفش ، وأبو عبيدة : الأحياء والأموات وصفان للأرض : أي الأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت ، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت .

قال الفراء : انتصاب { أحياء ‎وأمواتا } بوقوع الكفات عليه : أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات ، فإذا نون نصب ما بعده ، وقيل نصبا على الحال من الأرض : أي منها كذا ومنها كذا ، وقيل هو مصدر نعت به للمبالغة .

وقال الأخفش : كفاتا جمع كافتة ، والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع .

وقال الخليل : التكفت : تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر ، ويقال انكفت القوم إلى منازلهم : أي ذهبوا .

{ وجعلنا فيها رواسي شامخات } أي جبالا طوالا ، والرواسي : الثوابت ، والشامخات : الطوال ، وكل عال فهو شامخ { وأسقيناكم ماء فراتا } أي عذبا ، والفرات الماء العذب يشرب منه ويسقى به .

قال مقاتل : وهذا كله أعجب من البعث .

{ ويل يومئذ للمكذبين } بما أنعمنا عليهم من نعمنا التي هذه من جملتها .

وقد أخرج ابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عن أبي هريرة { والمرسلات عرفا } قال : هي الملائكة أرسلت بالعرف .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { والمرسلات عرفا } قال الريح { فالعاصفات عصفا } قال : الريح { والناشرات نشرا } قال : الريح .

وأخرج ابن راهويه ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب أنه جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ، فقال ما العاصفات عصفا ؟ قال الرياح .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { والمرسلات عرفا } قال : الريح { فالعاصفات عصفا } قال : الريح { فالفارقات فرقا } قال : الملائكة { فالملقيات ذكرا } قال : الملائكة .

وأخرج ابن المنذر عنه { والمرسلات عرفا } قال : الملائكة { فالفارقات فرقا } قال : الملائكة ، فرقت بين الحق والباطل { فالملقيات ذكرا } قال : بالتنزيل .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر عن ابن مسعود قال : ( ويل ) واد في جنهم يسيل فيه صديد أهل النار ، فجعل للمكذبين .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { من ماء مهين } قال : ضعيف .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه كفاتا قال : كنا .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا { رواسي شامخات } قال : جبالا مشرفات ، وفي قوله : فراتا قال : عذبا .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1570 - 1571
counter free hit invisible