<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية عند الجميع .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت { عم يتساءلون } بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

بسم الله الرحمن الرحيم { عم يتساءلون } { عن النبإ العظيم } { الذي هم فيه مختلفون } { كلا سيعلمون } { ثم كلا سيعلمون } { ألم نجعل الأرض مهادا } { والجبال أوتادا } { وخلقناكم أزواجا } { وجعلنا نومكم سباتا } { وجعلنا الليل لباسا } { وجعلنا النهار معاشا } { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } { وجعلنا سراجا وهاجا } { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } { لنخرج به حبا ونباتا } { وجنات ألفافا } { إن يوم الفصل كان ميقاتا } { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا } { وفتحت السماء فكانت أبوابا } { وسيرت الجبال فكانت سرابا } { إن جهنم كانت مرصادا } { للطاغين مآبا } { لابثين فيها أحقابا } { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } { إلا حميما وغساقا } { جزاء وفاقا } { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } { وكذبوا بآياتنا كذابا } { وكل شيء أحصيناه كتابا } { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } قوله : { عم يتساءلون } أصله " عن ما " فأدغمت النون في الميم ؛ لأن الميم تشاركها في الغنة ، كذا قال الزجاج .

وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام ، وكذلك فيم ومم ونحو ذلك ، والمعنى : عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا .

قرأ الجمهور ( عم ) بحذف الألف لما ذكرنا ، وقرأ أبي ، وابن مسعود ، وعكرمة ، وعيسى بإثباتها ، ومنه قول الشاعر : علاما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في دمان ولكنه قليل لا يجوز إلا للضرورة ، وقرأ البزي بهاء السكت عوضا عن الألف ، وروي ذلك عن ابن كثير .

قال الزجاج : اللفظ لفظ استفهام ، والمعنى تفخيم القصة كما تقول : أي شيء تريد : إذا عظمت شأنه .

قال الواحدي : قال المفسرون : لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم بتوحيد الله والبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن ، جعلوا يتساءلون بينهم يقولون : ماذا جاء به محمد وما الذي أتى به ؟ فأنزل الله { عم يتساءلون } قال الفراء : التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل : وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به وإن لم يكن بينهم سؤال .

قال الله تعالى : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } { قال قائل منهم إني كان لي قرين } [ الصافات : 51 ، 50 ] الآية ، وهذا يدل على أنه التحدث ، ولفظ " ما " موضوع لطلب حقائق الأشياء وذلك يقتضي كون المطلوب مجهولا ، فجعل الشيء العظيم الذي يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول ، ولهذا جاء سبحانه بلفظ ( ما ) .

ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا وبينه فقال : { عن النبإ العظيم } فأورده سبحانه أولا على طريقة الاستفهام مبهما لتتوجه إليه أذهانهم وتلتفت إليه أفهامهم ، ثم بينه بما يفيد تعظيمه وتفخيمه كأنه قيل : عن أي شيء يتساءلون هل أخبركم به ؟ ثم قيل بطريق الجواب { عن النبإ العظيم } على منهاج قوله : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } [ غافر : 16 ] فالجار والمجرور متعلق بالفعل الذي قبله ، أو بما يدل عليه .

قال ابن عطية : قال أكثر النحاة : عن النبإ العظيم متعلق بيتساءلون الظاهر ، كأنه قال : لم يتساءلون عن النبإ العظيم ، وقيل ليس بمتعلق بالفعل المذكور ؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون التقدير أعن النبإ العظيم ؟ فلزم أن يتعلق بيتساءلون آخر مقدر ، وإنما كان ذلك النبأ - أي القرآن - عظيما ؛ لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول ووقوع البعث والنشور .

قال الضحاك : يعني نبأ يوم القيامة ، وكذا قال قتادة .

وقد استدل على أن النبأ العظيم هو القرآن بقوله : { الذي هم فيه مختلفون } فإنهم اختلفوا في القرآن ، فجعله بعضهم سحرا وبعضهم شعرا وبعضهم كهانة وبعضهم قال هو أساطير الأولين .

وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره .

ويمكن أن يقال إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة ، فصدق به المؤمنون وكذب به الكافرون ، فقد وقع الاختلاف فيه من هذه الحيثية ، وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل ، ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه { قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } ومما يدل على أنه البعث ؛ أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة .

وأيضا فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث ، فأثبت النصارى المعاد الروحاني ، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني ، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ " جنعيذا " بجيم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم عين مكسورة مهملة ثم تحتية ساكنة ثم ذال معجمة بعدها ألف .

وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد ، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين والعذاب للعاصين ، وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنهم بقوله : { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين } [ المؤمنون : 37 ] وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه ، بل شاكة فيه كما حكى الله عنهم بقوله : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } [ الجاثية : 32 ] وما حكاه عنهم بقوله : { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } [ فصلت : 50 ] فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة .

وقد قيل إن الضمير في قوله { يتساءلون } يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعا كانوا يتساءلون عنه ، فأما المسلم فيزداد يقينا واستعدادا وبصيرة في دينه .

وأما الكافر فاستهزاء وسخرية .

قال الرازي : ويحتمل أنهم يسألون الرسول ويقولون : ما هذا الذي يعدنا به من أمر الآخرة ، والموصول في محل جر صفة للنبإ بعد وصفه بكونه عظيما فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه .

{ كلا سيعلمون } ردع لهم وزجر ، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم الكفار ، وبه يندفع ما قيل إن الخلاف بينهم وبين المؤمنين ، فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط ، وقيل كلا بمعنى حقا ، ثم كرر الردع والزجر فقال : { ثم كلا سيعلمون } للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد .

قرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة .

وقرأ الحسن ، وأبو العالية ، وابن دينار ، وابن عامر في رواية عنه بالفوقية على الخطاب .

وقرأ الضحاك الأول بالفوقية والثاني بالتحتية .

قال الضحاك : أيضا { كلا سيعلمون } يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم { ثم كلا سيعلمون } يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم ، وقيل بالعكس ، وقيل هو وعيد بعده وعيد ، وقيل المعنى { كلا سيعلمون } عند النزع ، { ثم كلا سيعلمون } عند البعث .

ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال : { ألم نجعل الأرض مهادا } .

ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال : { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا } أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث . والمهاد الوطاء والفراش كما في قوله : { الذي جعل لكم الأرض فراشا } قرأ الجمهور مهادا وقرأ مجاهد ، وعيسى وبعض الكوفيين " مهدا " والمعنى : أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه .

والأوتاد جمع وتد : أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرسي الخيام بالأوتاد ، وفي هذا دليل على أن التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث ، لا عن القرآن ، ولا عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل ؛ لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث .

{ وخلقناكم أزواجا } معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه ، فهو في قوة أما خلقناكم ، والمراد بالأزواج هنا الأصناف : أي الذكور والإناث ، وقيل المراد بالأزواج الألوان ، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات من قبيح وحسن وطويل وقصير .

{ وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة لأبدانكم .

قال الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه : أي جعلنا نومكم راحة لكم .

قال ابن الأنباري : جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم ؛ لأن أصل السبت القطع ، وقيل أصله التمدد ، يقال سبتت المرأة شعرها : إذا حلته وأرسلته ، ورجل مسبوت الخلق : أي ممدوده ، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد ، فسمي النوم سباتا ، وقيل المعنى : وجعلنا نومكم موتا ، والنوم أحد الموتتين ، فالمسبوت يشبه الميت ولكنه لم تفارقه الروح ، ومنه قول الشاعر : ومطوية الأقراب أما نهارها فسبت وأما ليلها فذميل ومن هذا قوله : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } [ الزمر : 42 ] الآية ، وقوله : { وهو الذي يتوفاكم بالليل } [ الأنعام : 60 ] .

{ وجعلنا الليل لباسا } أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس .

وقال سعيد بن جبير ، والسدي : أي سكنا لكم ، وقيل المراد به ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه ، وهو بعيد ؛ لأن الجعل وقع على الليل ، لا على ما يستتر به النائم عند نومه .

{ وجعلنا النهار معاشا } أي وقت معاش ، والمعاش العيش ، وكل شيء يعاش به فهو معاش ، والمعنى : أن الله جعل لهم النهار مضيئا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم وما قسمه الله لهم من الرزق .

{ وبنينا فوقكم سبعا شدادا } يريد سبع سموات قوية الخلق محكمة البناء ، ولهذا وصفها بالشدة وغلظ كل واحدة منها مسيرة خمسمائة عام كما ورد ذلك .

{ وجعلنا سراجا وهاجا } المراد به الشمس ، وجعل هنا بمعنى خلق ، وهكذا قوله : { وجعلنا نومكم سباتا } وما بعده ؛ لأن هذه الأفعال قد تعدت إلى مفعولين فلا بد من تضمينها معنى فعل يتعدى إليهما كالخلق والتصيير ونحو ذلك .

وقيل إن الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع في جميع هذه المواضع ، والمراد به الإنشاء التكويني الذي بمعنى التقدير والتسوية .

قال الزجاج : الوهاج : الوقاد وهو الذي وهج ، يقال وهجت النار تهج وهجا ووهجانا .

قال مقاتل : جعل فيه نورا حرا ، والوهج يجمع النور والحرارة .

{ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } المعصرات هي السحاب التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد ، كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها ، كذا قال سفيان ، والربيع ، وأبو العالية ، والضحاك .

وقال مجاهد ، ومقاتل ، وقتادة ، والكلبي : هي الرياح ، والرياح تسمى معصرات ، يقال أعصرت الريح تعصر إعصارا : إذا أثارت العجاج .

قال الأزهري : هي الرياح ذوات الأعاصير وذلك أن الرياح تستدر المطر .

وقال الفراء : المعصرات : السحاب التي يتحلب منها المطر .

قال النحاس : وهذه الأقوال صحاح ، يقال للريح التي تأتي بالمطر معصرات ، والرياح تلقح السحاب فيكون المطر .

ويجوز أن تكون هذه الأقوال قولا واحدا ، ويكون المعنى : وأنزلنا من ذوات المعصرات ماء ثجاجا .

قال في الصحاح : والمعصرات : السحاب تعتصر بالمطر ، وعصر القوم ، أي : مطروا .

قال المبرد : يقال سحاب معصر : أي ممسك للماء يعتصر منه شيئا بعد شيء .

وقال أبي بن كعب ، والحسن ، وابن جبير ، وزيد بن أسلم ، ومقاتل بن حيان : المعصرات : السماوات والثجاج : المنصب بكثرة على جهة التتابع ، يقال ثج الماء : أي سال بكثرة ، وثجه أي : أساله .

قال الزجاج : الثجاج الصباب .

قال ابن زيد : ثجاجا كثيرا .

{ لنخرج به حبا ونباتا } أي لنخرج بذلك الماء حبا يقتات : كالحنطة والشعير ونحوهما ، والنبات ما تأكله الدواب من الحشيش وسائر النبات .

{ وجنات ألفافا } أي بساتين ملتف بعضها ببعض لتشعب أغصانها . ولا واحد للألفاف : كالأوزاع والأخياف ، وقيل واحدها لف بكسر اللام وضمها ، ذكره الكسائي .

وقال أبو عبيدة : واحدها لفيف كشريف وأشراف ، وروي عن الكسائي أنها جمع الجمع يقال جنة لفاء ونبت لف ، والجمع لف بضم اللام مثل حمر ، ثم يجمع هذا الجمع على ألفاف ، وقيل هو جمع ملتفة بحذف الزوائد .

قال الفراء : الجنة ما فيه النخيل ، والفردوس ما فيه الكرم .

{ إن يوم الفصل كان ميقاتا } أي وقتا ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين يصلون فيه إلى ما وعدوا به من الثواب والعقاب ، وسمي يوم الفصل لأن الله يفصل فيه بين خلقه ، وهذا شروع في بيان ما يتساءلون عنه من البعث ، وقيل معنى ميقاتا : أنه حد توقت به الدنيا وتنتهي عنده ، وقيل حد للخلائق ينتهون إليه .

{ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا } أي يوم ينفخ في الصور وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ، والمراد هنا النفخة الثانية التي تكون للبعث { فتأتون } أي إلى موضع العرض { أفواجا } أي زمرا زمرا ، وجماعات جماعات ، وهي جمع فوج ، وانتصاب { يوم ينفخ } على أنه بدل من يوم الفصل ، أو بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله وإن كان الفصل متأخرا عن النفخ ، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار ( أعني ) ، وانتصاب ( أفواجا ) على الحال من فاعل تأتون ، والفاء في { فتأتون } فصيحة تدل على محذوف : أي فتأتون إلى موضع العرض عقيب ذلك أفواجا .

{ وفتحت السماء فكانت أبوابا } معطوف على { ينفخ } وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي فتحت لنزول الملائكة { فكانت أبوابا } كما في قوله : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } [ الفرقان : 25 ] وقيل معنى فتحت قطعت فصارت قطعا كالأبواب ، وقيل أبوابها طرقها ، وقيل تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب ، وقيل إن لكل عبد بابين في السماء : باب لرزقه وباب لعمله ، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب وظاهر قوله : { فكانت أبوابا } أنها صارت كلها أبوابا ، وليس المراد ذلك ، بل المراد أنها صارت ذات أبواب كثيرة .

قرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي فتحت مخففا .

وقرأ الباقون بالتشديد .

{ وسيرت الجبال فكانت سرابا } أي سيرت عن أماكنها في الهواء ، وقلعت عن مقارها ، فكانت هباء منبثا يظن الناظر أنها سراب ، والمعنى : أن الجبال صارت كلا شيء كما أن السراب يظن الناظر أنه ماء ، وليس بماء ، وقيل معنى ( سيرت ) : أنها نسفت من أصولها .

ومثل هذا قوله : { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } وقد ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة ، ولكن الجمع بينها أن تقول : أول أحوالها الاندكاك ، وهو قوله : { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } [ الحاقة : 14 ] وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله : { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } [ القارعة : 5 ] . وثالث أحوالها أن تصير كالهباء ، وهو قوله : { وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا } [ الواقعة : 6 ، 5 ] ورابع أحوالها أن تنسف وتحملها الرياح كما في قوله : { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } [ النمل : 88 ] وخامس أحوالها أن تصير سرابا أي : لا شيء كما في هذه الآية .

ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال : { إن جهنم كانت مرصادا } قال الأزهري : المرصاد : المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو .

قال المبرد : مرصادا يرصدون به أي : هو معد لهم يرصد به خزنتها الكفار .

قال الحسن : إن على الباب رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم ، فمن جاء بجواز جاز ، ومن لم يجئ بجواز حبس .

وقال مقاتل : محبسا ، وقيل طريقا وممرا .

قال في الصحاح : الراصد للشيء : الراقب له يقال رصده يرصده رصدا ، والرصد : الترقب ، والمرصد : موضع الرصد .

قال الأصمعي : رصدته أرصده : ترقبته ، ومعنى الآية : أن جهنم كانت في حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها ، أو هي في نفسها متطلعة لمن يأتي إليها من الكفار كما يتطلع الرصد لمن يمر به ويأتي إليهم . والمرصاد : مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار ، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار .

ثم ذكر من هي مرصد له فقال : { للطاغين مآبا } أي مرجعا يرجعون إليه ، والمآب : المرجع ، يقال آب يئوب : إذا رجع ، والطاغي هو من طغى بالكفر ، وللطاغين نعت ل { مرصادا } متعلق بمحذوف ، و مآبا بدل من { مرصادا } ويجوز أين يكون { للطاغين } في محل نصب على الحال من { مآبا } قدمت عليه لكونه نكرة .

وانتصاب { لابثين فيها } على الحال المقدرة من الضمير المستكن في الطاغين .

قرأ الجمهور { لابثين } بالألف .

وقرأ حمزة ، والكسائي " لبثين " بدون ألف ، وانتصاب { أحقابا } على الظرفية : أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب ، وهي لا تنقطع ، وكلما مضى حقب جاء حقب ، وهي جمع حقب بضمتين ، وهو الدهر ، والأحقاب الدهور ، والحقب بضم الحاء وسكون القاف ، قيل هو ثمانون سنة ، وحكى الواحدي عن المفسرين أنه بضع وثمانون سنة ، السنة ثلاثمائة وستون يوما ، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا .

وقيل الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق ، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب .

وقال السدي : الحقب سبعون سنة .

وقال بشير بن كعب : ثلاثمائة سنة .

وقال ابن عمر : أربعون سنة ، وقيل ثلاثون ألف سنة .

قال الحسن : الأحقاب لا يدري أحدكم هي ، ولكن ذكروا أنها مائة حقب ، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة ، اليوم منها كألف سنة .

وقيل الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار ، والأولى ما ذكرناه أولا من أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد .

وحكى الواحدي عن الحسن أنه قال : والله ما هي إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ، ثم آخر ، ثم كذلك إلى الأبد .

وجملة { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا } مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب بردا ينفعهم من حرها ولا شرابا ينفعهم من عطشها إلا حميما ، وهو الماء الحار ، وغساقا وهو صديد أهل النار .

ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير الطاغين ، أو صفة للأحقاب ، والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم ، ويجوز أن يكون متصلا من قوله : { شرابا } وقال مجاهد ، والسدي ، وأبو عبيدة ، والكسائي ، والفضل بن خالد ، وأبو معاذ النحوي : البرد المذكور في هذه الآية هو النوم ، ومنه قول الكندي : بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن تقبيلها البرد أي النوم .

قال الزجاج : أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم ، فجعل البرد يشمل هذه الأمور .

وقال الحسن ، وعطاء ، وابن زيد : بردا : أي روحا ورواحة .

قرأ الجمهور " غساقا " بالتخفيف .

وقرأ حمزة ، والكسائي بتشديد السين ، وقد تقدم تفسيره وتفسير الحميم والخلاف فيهما في سورة ص .

{ جزاء وفاقا } أي موافقا لأعمالهم ، و جزاء منتصب على المصدر ، و { وفاقا } نعت له .

قال الفراء ، والأخفش : جازيناهم جزاء وافق أعمالهم ، قال الزجاج : جوزوا جزاء وافق أعمالهم .

قال الفراء : الوفاق جمع الوفق ، والوفق والموافق واحد .

قال مقاتل : وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشر ولا عذاب أعظم من النار .

وقال الحسن ، وعكرمة : كانت أعمالهم سيئة ، فأتاهم الله بما يسوءهم .

{ إنهم كانوا لا يرجون حسابا } أي لا يرجون ثواب حساب .

قال الزجاج : كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم ، والجملة تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور .

{ وكذبوا بآياتنا كذابا } أي كذبوا بالآيات القرآنية ، أو كذبوا بما هو أعم منها تكذيبا شديدا ، و ( فعال ) من مصادر التفعل .

قال الفراء : هي لغة فصيحة يمانية ، تقول كذبت كذابا وخرقت القميص خراقا .

قال في الصحاح : وكذبوا بآياتنا كذابا هو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجيء على تفعيل مثل التكليم ، وعلى فعال مثل كذاب ، وعلى تفعلة مثل توصية ، وعلى مفعل مثل { ومزقناهم كل ممزق } [ سبأ : 19 ] قرأ الجمهور كذابا بالتشديد .

وقرأ علي بن أبي طالب بالتخفيف .

وقال أبو علي الفارسي التخفيف والتشديد جميعا مصدر المكاذبة .

وقرأ ابن عمر " كذابا " بضم الكاف والتشديد ، جمع كاذب .

قال أبو حاتم ونصبه على الحال .

قال الزمخشري : وقد يكون - يعني على هذه القراءة - بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، تقول : رجل كذاب كقولك حسان وبخال .

{ وكل شيء أحصيناه كتابا } قرأ الجمهور وكل بالنصب على الاشتغال : أي وأحصينا كل شيء أحصيناه .

وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء ، وما بعده خبره ، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب ، وانتصاب كتابا على المصدرية لأحصيناه لأن أحصيناه في معنى كتبناه ، وقيل هو منتصب على الحال : أي مكتوبا ، قيل المراد كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة ، وقيل أراد ما كتبه الحفظة على العباد من أعمالهم ، وقيل المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد من النسيان ، والأول أولى لقوله : { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } [ يس : 12 ] .

{ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } هذه الجملة مسببة عن كفرهم وتكذيبهم بالآيات .

قال الرازي : هذه الفاء للجزاء ، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ، ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم جلودا غيرها ، وكلما خبت النار زادهم الله سعيرا .

وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس { عن النبإ العظيم } قال : القرآن : وهذا مروي عن جماعة من التابعين .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه في قوله : { وجعلنا سراجا وهاجا } قال : مضيئا { وأنزلنا من المعصرات } قال : السحاب { ماء ثجاجا } قال : منصبا .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر عنه أيضا { ثجاجا } قال : منصبا .

وأخرج الشافعي ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله : { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } قال : يبعث الله الريح ، فتحمل الماء فيمر به السحاب ، فتدر كما تدر اللقحة ، والثجاج ينزل من السماء أمثال الغزالي فتصرفه الرياح فينزل متفرقا .

وأخرج ابن جرير ، وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال : في قراءة ابن عباس وأنزلنا من المعصرات بالرياح .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه في قوله : { وجنات ألفافا } قال : ملتفة .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال : يقول : التف بعضها ببعض .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله : { وسيرت الجبال فكانت سرابا } قال : سراب الشمس الآل .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { لابثين فيها أحقابا } قال : سنين .

وأخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وهناد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال : سأل علي بن أبي طالب ، هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله ؟ قال : نجده ثمانين سنة كل سنة منها اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة .

وأخرج سعيد بن منصور ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال : الحقب الواحد ثمانون سنة .

وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه قال : ( الحقب ثمانون سنة ، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، واليوم كألف سنة مما تعدون ) .

وأخرج عبد بن حميد عنه قال : الحقب ثمانون عاما اليوم منها كسدس الدنيا .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه .

قال السيوطي : بسند ضعيف عن أبي أمامة ( عن النبي صلى الله عليه وسلم { لابثين فيها أحقابا } قال : الحقب ألف شهر ، والشهر ثلاثون يوما ، والسنة اثنا عشر شهرا ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ، فالحقب ثلاثون ألف سنة ) .

وأخرج البزار ، وابن مردويه ، والديلمي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا ، والحقب بضع وثمانون سنة ، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما ، واليوم ألف سنة مما تعدون ) .

قال ابن عمر : فلا يتكلن أحد أنه يخرج من النار .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال : الحقب الواحد ثمانون سنة .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله .

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحقب أربعون سنة وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله : { لابثين فيها أحقابا } وقوله : { إلا ما شاء ربك } إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب ؛ لأن الله يقول : { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة ( عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما } قال : قد انتهى حره { وغساقا } قد انتهى حره ، وإن الرجل إذا أدنى الإناء من فيه سقط فروة وجهه ، حتى يبقى عظاما تقعقع ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { جزاء وفاقا } قال : وافق أعمالهم .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال : ما أنزلت على أهل النار آية قط أشد منها { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } فهم في مزيد من عذاب الله أبدا .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1574 - 1577
counter free hit invisible