<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة النازعات وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والنازعات غرقا } ( 1 ) { والناشطات نشطا } ( 2 ) { والسابحات سبحا } ( 3 ) { فالسابقات سبقا } ( 4 ) { فالمدبرات أمرا } ( 5 ) { يوم ترجف الراجفة } ( 6 ) { تتبعها الرادفة } ( 7 ) { قلوب يومئذ واجفة } ( 8 ) { أبصارها خاشعة } ( 9 ) { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة } ( 10 ) { أئذا كنا عظاما نخرة } ( 11 ) { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } ( 12 ) { فإنما هي زجرة واحدة } ( 13 ) { فإذا هم بالساهرة } ( 14 ) )

قال ابن مسعود وابن عباس ، ومسروق ، وسعيد بن جبير ، وأبو صالح ، وأبو الضحى ، والسدي : ( { والنازعات غرقا } ) الملائكة ، يعنون حين تنزع أرواح بني آدم ، فمنهم من تأخذ روحه بعنف فتغرق في نزعها ، و [ منهم ] من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط ، وهو قوله : ( { والناشطات نشطا } ) قاله ابن عباس .

وعن ابن عباس : ( { والنازعات } ) هي أنفس الكفار ، تنزع ثم تنشط ، ثم تغرق في النار . رواه ابن أبي حاتم .

وقال مجاهد : ( { والنازعات غرقا } ) الموت . وقال الحسن ، وقتادة : ( { والنازعات غرقا والناشطات نشطا } ) هي النجوم .

وقال عطاء بن أبي رباح في قوله : ( { والنازعات } ) و ) الناشطات ) هي القسي في القتال . والصحيح الأول ، وعليه الأكثرون .

وأما قوله : ( { والسابحات سبحا } ) فقال ابن مسعود : هي الملائكة . وروي عن علي ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي صالح مثل ذلك .

وعن مجاهد : ( { والسابحات سبحا } ) الموت . وقال قتادة : هي النجوم . وقال عطاء بن أبي رباح : هي السفن .

وقوله : ( { فالسابقات سبقا } ) روي عن علي ، ومسروق ، ومجاهد ، وأبي صالح ، والحسن البصري : يعني الملائكة ; قال الحسن : سبقت إلى الإيمان والتصديق به . وعن مجاهد : الموت . وقال قتادة : هي النجوم وقال عطاء : هي الخيل في سبيل الله .

وقوله : ( { فالمدبرات أمرا } ) قال علي ، ومجاهد ، وعطاء ، وأبو صالح ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي : هي الملائكة ، زاد الحسن : تدبر الأمر من السماء إلى الأرض . يعني : بأمر ربها - عز وجل - . ولم يختلفوا في هذا ، ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك ، إلا أنه حكى في ( { فالمدبرات أمرا } ) أنها الملائكة ، ولا أثبت ولا نفى .

وقوله : ( { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة } ) قال ابن عباس هما النفختان الأولى والثانية . وهكذا قال مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وغير واحد .

وعن مجاهد : أما الأولى - وهي قوله : ( { يوم ترجف الراجفة } ) - فكقوله جلت عظمته : ( { يوم ترجف الأرض والجبال } ) [ المزمل : 14 ] ، والثانية - وهي الرادفة - فهي كقوله : ( { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } ) [ الحاقة : 14 ] .

وقد قال الإمام أحمد حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " جاءت الراجفة ، تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه " . فقال رجل : يا رسول الله ، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟ قال : " إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك " ) .

وقد رواه الترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، من حديث سفيان الثوري ، بإسناده مثله ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب ثلث الليل قام فقال : " يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه " ) .

وقوله : ( { قلوب يومئذ واجفة } ) قال ابن عباس : يعني خائفة . وكذا قال مجاهد ، وقتادة .

( { أبصارها خاشعة } ) أي : أبصار أصحابها . وإنما أضيف إليها ; للملابسة ، أي : ذليلة حقيرة ; مما عاينت من الأهوال .

وقوله : ( { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة } ) ؟ يعني : مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد ، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة ، وهي القبور ، قاله مجاهد . وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها ; ولهذا قالوا : ( { أئذا كنا عظاما نخرة } ) ؟ وقرئ : " ناخرة " .

وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : أي بالية . قال ابن عباس : وهو العظم إذا بلي ودخلت

الريح فيه . ( { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } )

وعن ابن عباس ، ومحمد بن كعب ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبي مالك ، والسدي ، وقتادة : الحافرة : الحياة بعد الموت . وقال ابن زيد : الحافرة : النار . وما أكثر أسمائها ! هي النار ، والجحيم ، وسقر ، وجهنم ، والهاوية ، والحافرة ، ولظى ، والحطمة .

وأما قولهم : ( { تلك إذا كرة خاسرة } ) فقال محمد بن كعب : قالت قريش : لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن .

قال الله تعالى : ( { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ) أي : فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد ، فإذا الناس قيام ينظرون ، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث ، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب - عز وجل - ينظرون ، كما قال : ( { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } ) [ الإسراء : 52 ] وقال تعالى : ( { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } ) [ القمر : 50 ] وقال تعالى : ( { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } ) [ النحل : 77 ] .

قال مجاهد : ( { فإنما هي زجرة واحدة } ) صيحة واحدة .

وقال إبراهيم التيمي : أشد ما يكون الرب غضبا على خلقه يوم يبعثهم .

وقال الحسن البصري : زجرة من الغضب . وقال أبو مالك ، والربيع بن أنس : زجرة واحدة : هي النفخة الآخرة .

وقوله : ( { فإذا هم بالساهرة } ) قال ابن عباس : ( { بالساهرة } ) الأرض كلها . وكذا قال سعيد بن جبير ، وقتادة ، وأبو صالح .

وقال عكرمة ، والحسن ، والضحاك ، وابن زيد : ( { بالساهرة } ) وجه الأرض .

وقال مجاهد : كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها . قال : و ( { بالساهرة } ) المكان المستوي .

وقال الثوري : ( { بالساهرة } ) أرض الشام ، وقال عثمان بن أبي العاتكة : ( { بالساهرة } ) أرض بيت المقدس . وقال وهب بن منبه : ( الساهرة ) جبل إلى جانب بيت المقدس . وقال قتادة أيضا : ( { بالساهرة } ) جهنم .

وهذه أقوال كلها غريبة ، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا خزر بن المبارك الشيخ الصالح ، حدثنا بشر بن السري ، حدثنا مصعب بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي : ( { فإذا هم بالساهرة } ) قال : أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي .

وقال الربيع بن أنس : ( { فإذا هم بالساهرة } ) ويقول الله - عز وجل - : ( { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار } ) [ إبراهيم : 48 ] ، ويقول : ( { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ) [ طه : 105 ، 106 ] . وقال : ( { ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة } ) [ الكهف : 47 ] : وبرزت الأرض التي عليها الجبال ، وهي لا تعد من هذه الأرض ، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ، ولم يهراق عليها دم .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 312 - 314
counter free hit invisible