<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ والنازعات غرقا } { والناشطات نشطا } { والسابحات سبحا } { فالسابقات سبقا } { فالمدبرات أمرا } { يوم ترجف الراجفة } { تتبعها الرادفة } { قلوب يومئذ واجفة } { أبصارها خاشعة } .

ابتدئت بالقسم بمخلوقات ذات صفات عظيمة قسما مرادا منه تحقيق ما بعده من الخبر ، وفي هذا القسم تهويل المقسم به .

وهذه الأمور الخمسة المقسم بها جموع جرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء ; لأنها في تأويل جماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة ، فهي جماعات : نازعات ، ناشطات ، سابحات ، سابقات ، مدبرات ، فتلك صفات لموصوفات محذوفة تدل عليها الأوصاف الصالحة لها .

فيجوز أن تكون صفات لموصوفات من نوع واحد له أصناف تميزها تلك الصفات .

ويجوز أن تكون صفات لموصوفات مختلفة الأنواع بأن تكون كل صفة خاصية من خواص نوع من الموجودات العظيمة قوامه بتلك الصفة .

والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة أنواع أو أصناف ، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة ، وأن المعطوفات بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عطفت عليه بالفاء ، فهي صفات متعددة متفرع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قسما بتلك الأحوال العظيمة باعتبار موصوفاتها .

وللسلف من المفسرين أقوال في تعيين موصوفات هذه الأوصاف وفي تفسير معاني الأوصاف ، وأحسن الوجوه على الجملة أن كل صفة مما عطف بالواو مرادا بها موصوف غير المراد بموصوف الصفة الأخرى ، وأن كل صفة عطفت بالفاء أن تكون حالة أخرى للموصوف المعطوف بالواو كما تقدم ، وسنعتمد في ذلك أظهر الوجوه وأنظمها ونذكر ما في ذلك من الاختلاف ليكون الناظر على سعة بصيرة .

وهذا الإجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كل مذهب ممكن ، فتكثر خطور المعاني في الأذهان ، وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقع كل معنى في نفس له فيها أشد وقع وذلك من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ .

فالنازعات : وصف مشتق من النزع ، ومعاني النزع كثيرة كلها ترجع إلى الإخراج والجذب ، فمنه حقيقة ومنه مجاز .

فيحتمل أن يكون النازعات جماعة من الملائكة وهم الموكلون بقبض الأرواح ، فالنزع هو إخراج الروح من الجسد ، شبه بنزع الدلو من البئر أو الركية ، ومنه قولهم في المحتضر : هو في النزع . وأجريت صفتهم على صيغة التأنيث بتأويل الجماعة أو الطوائف كقوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا } . وروي هذا عن علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، ومسروق ، وابن جبير ، والسدي ، فأقسم الله بالملائكة لأنها من أشرف المخلوقات ، وخصها بهذا الوصف الذي هو من تصرفاتها تذكيرا للمشركين ؛ إذ هم في غفلة عن الآخرة وما بعد الموت ، ولأنهم شديد تعلقهم بالحياة كما قال تعالى لما ذكر اليهود : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } فالمشركون مثل في حب الحياة ، ففي القسم بملائكة قبض الأرواح عظة لهم وعبرة .

والقسم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث ; لأن الموت أول منازل الآخرة ، فهذا من براعة الاستهلال .

وغرقا : اسم مصدر أغرق ، وأصله إغراقا ، جيء به مجردا عن الهمزة فعومل معاملة المصدر الثلاثي المتعدي مع أنه لا يوجد غرق متعديا ، ولا أن مصدره مفتوح عين الكلمة لكنه لما جعل عوضا عن مصدر أغرق وحذفت منه الزوائد قدر فعله بعد حذف الزوائد متعديا .

ولو قلنا : إنه سكنت عينه تخفيفا ورعيا للمزاوجة مع ( نشطا ، وسبحا ، وسبقا ، وأمرا ) لكان أرقب ; لأن متحرك الوسط يخفف بالسكون ، وهذا مصدر وصف به مصدر محذوف هو مفعول مطلق للنازعات ، أي : نزعا غرقا ، أي : مغرقا ، أي : تنزع الأرواح من أقاصي الأجساد .

ويجوز أن تكون النازعات صفة للنجوم ، أي : تنزع من أفق إلى أفق ، أي : تسير ، يقال : ينزع إلى الأمر الفلاني ، أي : يميل ويشتاق .

وغرقا : تشبيه لغروب النجوم بالغرق في الماء ، وقاله الحسن ، وقتادة ، وأبو عبيدة ، وابن كيسان ، والأخفش ، وهو على هذا متعين لأن يكون مصدر غرق وأن تسكين عينه تخفيف .

والقسم بالنجوم في هذه الحالة لأنها مظهر من مظاهر القدرة الربانية ، كقوله تعالى : { والنجم إذا هوى } .

ويحتمل أن تكون النازعات جماعات الرماة بالسهام في الغزو ، يقال : نزع في القوس ، إذا مدها عند وضع السهم فيها . وروي هذا عن عكرمة ، وعطاء . والغرق : الإغراق ، أي : استيفاء مد القوس بإغراق السهم فيها فيكون قسما بالرماة من المسلمين الغزاة لشرفهم بأن غزوهم لتأييد دين الله ، ولم تكن للمسلمين وهم بمكة يومئذ غزوات ولا كانوا يرجونها ، فالقسم بها إنذار للمشركين بغزوة بدر التي كان فيها خضد شوكتهم ، فيكون من دلائل النبوءة ووعد وعده الله رسوله - صلى الله عليه وسلم .

والناشطات : يجوز أن تكون الموصوفات بالنشاط ، وهو قوة الانطلاق للعمل كالسير السريع . ويطلق النشاط على سير الثور الوحشي وسير البعير لقوة ذلك ، فيكون الموصوف إما الكواكب السيارة على وجه التشبيه لدوام تنقلها في دوائرها ، وإما إبل الغزو ، وإما الملائكة التي تسرع إلى تنفيذ ما أمر الله به من أمر التكوين ، وكلاهما على وجه الحقيقة ، وأيا ما كان فعطفها على النازعات عطف نوع على نوع أو عطف صنف على صنف .

و ( نشطا ) مصدر جاء على مصدر فعل المتعدي من باب نصر فتعين أن ( الناشطات ) فاعلات النشط فهو متعد .

وقد يكون مفضيا لإرادة النشاط الحقيقي لا المجازي . ويجوز أن يكون التأكيد لتحقيق الوصف لا لرفع احتمال المجاز .

وعن ابن عباس : الناشطات الملائكة تنشط نفوس المؤمنين ، وعنه هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج .

و ( السابحات ) صفة من السبح المجازي ، وأصل السبح العوم وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة ، وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال ، فيجوز أن يكون المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض ، وروي عن علي بن أبي طالب .

ويجوز أن يراد خيل الغزاة حين هجومها على العدو سريعة كسرعة السابح في الماء ، كالسابحات في قول امرئ القيس يصف فرسا : مسح إذا ما السابحات على الوغى أثرن الغبار بالكديد المركل وقيل : ( السابحات ) النجوم ، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم . ( وسبحا ) مصدر مؤكد لإفادة التحقيق من التوسل إلى تنويه للتعظيم . وعطف ( فالسابقات ) بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها ; لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي من شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى : { والصافات صفا } { فالزاجرات زجرا } { فالتاليات ذكرا } وقول ابن زيابة : يا لهف زيابة للحارث الص ابح فالغائم فالآيب

فلذلك ( فالسابقات ) هي السابقات من السابحات .

والسبق : تجاوز السائر من يسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله . ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق ، قال تعالى : فاستبقوا الخيرات وقال : { أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } .

ويطلق السبق على الغلب والقهر ، ومنه قوله تعالى : { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } وقول مرة بن عداء الفقعسي : كأنك لم تسبق من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب

فقوله تعالى : { فالسابقات سبقا } يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حياله ؛ بأن يراد السائرات سيرا سريعا فيما تعلمه ، أو المبادرات . وإذا كان ( السابحات ) بمعنى الخيل كان ( السابقات ) إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدو ، أو على معنى غلبهم أعداءهم .

وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو ( سبقا ) للتأكيد ولدلالة التنكير على عظم ذلك السبق .

والمدبرات : الموصوفة بالتدبير . والتدبير : جولان الفكر في عواقب الأشياء ، وبإجراء الأعمال على ما يليق بما توجد له ، فإن كانت السابحات جماعات الملائكة ، فمعنى تدبيرها تنفيذ ما نيط بعهدتها على أكمل ما أذنت به فعبر عن ذلك بالتدبير للأمور لأنه يشبه فعل المدبر المتثبت .

وإن كانت السابحات خيل الغزاة فالمراد بالتدبير : تدبير مكائد الحرب من كر ، وفر ، وغارة ، وقتل ، وأسر ، ولحاق للفارين ، أو ثبات بالمكان . وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي ; لأن التدبير للفرسان ، وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير ، كما قال تعالى : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ، فأسند الإتيان إلى ضمير { كل ضامر } من الإبل ; لأن إتيان الحجيج من الفجاج العميقة يكون بسير الإبل .

وفي هذا المجاز إيماء إلى حذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها هي المدبرة لما دبره فرسانها .

والأمر : الشأن والغرض المهم ، وتنوينه للتعظيم ، وإفراده لإرادة الجنس أي : أمورا .

وينتظم من مجموع صفات ( النازعات ، والناشطات ، والسابحات ) إذا فهم منها جماعات الرماة والجمالة والفرسان أن يكون إشارة إلى أصناف المقاتلين من مشاة وهم الرماة بالقسي ، وفرسان على الخيل ، وكانت الرماة تمشي قدام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة . قال أنيف بن زبان الطائي : وتحت نحور الخيل حرشف رجلة تتاح لغرات القلوب نبالها

ولتحمل الآية لهذه الاحتمالات كانت تعريضا بتهديد المشركين بحرب تشن عليهم وهي غزوة فتح مكة أو غزوة بدر مثل سورة ( والعاديات ) وأضرابها ، وهي من دلائل نبوءة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كانت هذه التهديدات صريحها وتعريضها في مدة مقامه - صلى الله عليه وسلم - بمكة والمسلمون في ضعف ، فحصل من هذا القسم تعريض بعذاب في الدنيا .

وجملة { يوم ترجف الراجفة } إلى ( خاشعة ) جواب القسم وصريح الكلام موعظة . والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث ; لأن القلوب لا تكون إلا في أجسام . وقد علم أن المراد بـ { يوم ترجف الراجفة } هو يوم القيامة ; لأنه قد عرف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله ، مثل قوله : { إذا رجت الأرض } فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه .

و { يوم ترجف الراجفة } ظرف متعلق ب ( واجفة ) فآل إلى أن المقسم عليه المراد تحقيقه هو وقوع البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من أسلوب التصريح بجواب القسم ، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من أهواله فكان في جواب القسم إنذار .

ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم بطول جملة القسم ، فيظهر لي من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب ، ومن ذلك قوله تعالى : { والسماء ذات البروج } إلى { قتل أصحاب الأخدود } ومثله كثير في القرآن ، فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب مواليا لجملة القسم نحو { وتالله لأكيدن أصنامكم } ، { فوربك لنسألنهم أجمعين } ولأن جواب القسم إذا كان جملة اسمية لم يكثر اقترانه بلام الجواب ، ولم أر التصريح بجوازه ولا بمنعه ، وإن كان صاحب المغني استظهر في مبحث لام الجواب في قوله تعالى : { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير } أن اللام لام جواب قسم محذوف وليست لام جواب ( لو ) بدليل كون الجملة اسمية ، والاسمية قليلة من جواب ( لو ) فلم ير جملة الجواب إذا كانت اسمية أن تقترن باللام . وجعل صاحب الكشاف تبعا للفراء وغيره جواب القسم محذوفا تقديره : لتبعثن .

وقدم الظرف على متعلقه ; لأن ذلك الظرف هو الأهم في جواب القسم ; لأنه المقصود إثبات وقوعه ، فتقديم الظرف للاهتمام به والعناية به ، فإنه لما أكد الكلام بالقسم شمل التأكيد متعلقات الخبر التي منها ذلك الظرف ، والتأكيد اهتمام ، ثم أكد ذلك الظرف في الأثناء بقوله : ( يومئذ ) الذي هو ( { يوم ترجف الراجفة } ) فحصلت عناية عظيمة بهذا الخبر . والرجف : الاضطراب والاهتزاز وفعله من باب نصر . وظاهر كلام أهل اللغة أنه فعل قاصر ولم أر من قال : إنه يستعمل متعديا ، فلذلك يجوز أن يكون إسناد ( ترجف ) إلى ( الراجفة ) حقيقيا ، فالمراد بـ ( الراجفة ) : الأرض ; لأنها تضطرب وتهتز بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى العالم الأخروي ، قال تعالى : { يوم ترجف الأرض والجبال } وقال : { إذا رجت الأرض رجا } وتأنيث ( الراجفة ) لأنها الأرض ، وحينئذ فمعنى { تتبعها الرادفة } أن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة ; لأن صفة الراجفة تقتضي وقوع رجفة ، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة الأولى .

ويجوز أن يكون إسناد ( ترجف ) إلى ( الراجفة ) مجازا عقليا ، أطلق الراجفة على سبب الرجف .

فالمراد بـ ( الراجفة ) : الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي الراجفة مبالغة ، كقولهم : عيشة راضية ، وهذا هو المناسب لقوله : { تتبعها الرادفة } أي : تتبع تلك الراجفة ، أي : مسببة الرجف رادفة ، أي : واقعة بعدها .

ويجوز أن يكون الرجف مستعارا لشدة الصوت فشبه الصوت الشديد بالرجف وهو التزلزل .

وتأنيث ( الراجفة ) على هذا لتأويلها بالواقعة أو الحادثة .

و { تتبعها الرادفة } : التالية ، يقال : ردف بمعنى تبع ، والرديف : التابع لغيره ، قال تعالى : { أني ممدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مردفين } ، أي : تتبع الرجفة الأولى ثانية ، فالمراد : رادفة من جنسها وهما النفختان اللتان في قوله تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } .

وجملة { تتبعها الرادفة } حال من الراجفة .

وتنكير ( قلوب ) للتكثير ، أي : قلوب كثيرة ولذلك وقع مبتدأ وهو نكرة لإرادة النوعية . والمراد : قلوب المشركين الذين كانوا يجحدون البعث ، فإنهم إذا قاموا فعلموا أن ما وعدهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - به حق توقعوا ما كان يحذرهم منه من عقاب إنكار البعث والشرك وغير ذلك من أحوالهم .

فأما قلوب المؤمنين فإن فيها اطمئنانا متفاوتا بحسب تفاوتهم في التقوى .

والخوف يومئذ وإن كان لا يخلو منه أحد إلا أن أشده خوف الذين يوقنون بسوء المصير ويعلمون أنهم كانوا ضالين في الحياة الدنيا .

والواجفة : المضطربة من الخوف ، يقال : وجف كضرب وجفا ووجيفا ووجوفا ، إذا اضطرب .

و ( واجفة ) خبر ( قلوب ) .

وجملة { أبصارها خاشعة } خبر ثان عن ( قلوب ) وقد زاد المراد من الوجيف بيانا قوله : { أبصارها خاشعة } ، أي : أبصار أصحاب القلوب . والخشوع حقيقته : الخضوع والتذلل ، وهو هيئة للإنسان ، ووصف الأبصار به مجاز في الانخفاض والنظر من طرف خفي من شدة الهلع والخوف من فظيع ما تشاهده من سوء المعاملة ، قال تعالى : { خشعا أبصارهم } في سورة ( { اقتربت الساعة } ) . ومثله قوله تعالى : { ووجوه يومئذ باسرة } .

وإضافة ( أبصار ) إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة ; لأن الأبصار لأصحاب القلوب وكلاهما من جوارح الأجساد مثل قوله : { إلا عشية أو ضحاها } .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 61 - 68
counter free hit invisible