<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين }

الأنفال جمع نفل محركا ، وهو الغنيمة ، ومنه قول عنترة : إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ونعف عند مقاسم الأنفال أي الغنائم ، وأصل النفل : الزيادة ، وسميت الغنيمة به لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرهم ، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهد من أجر الجهاد ، ويطلق النفل على معان أخر منها اليمين ، والابتغاء ونبت معروف .

والنافلة التطوع لكونها زائدة على الواجب ، والنافلة : ولد الولد ؛ لأنه زيادة على الولد .

وكان سبب نزول الآية : اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في يوم بدر كما سيأتي بيانه فنزع الله ما غنموه من أيديهم وجعله لله والرسول ، فقال : { قل الأنفال لله والرسول } أي : حكمها مختص بهما يقسمها بينكم رسول الله عن أمر الله - سبحانه - وليس لكم حكم في ذلك .

وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ليس لأحد فيها شيء حتى نزل قوله - تعالى - : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } ( الأنفال : 41 ) .

ثم أمرهم بالتقوى ، وإصلاح ذات البين ، وطاعة الله والرسول بالتسليم لأمرهما ، وترك الاختلاف الذي وقع بينهم ، ثم قال : { إن كنتم مؤمنين } أي امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة إن كنتم مؤمنين بالله ، وفيه من التهييج والإلهاب ما لا يخفى ، مع كونهم في تلك الحال على الإيمان فكأنه قال : إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله ؛ لأن هذه الثلاثة الأمور التي هي تقوى الله ، وإصلاح ذات البين ، وطاعة الله والرسول ، لا يكمل الإيمان بدونها ، بل لا يثبت أصلا لمن لم يمتثلها ، فإن من ليس بمتق وليس بمطيع لله ورسوله ليس بمؤمن .

وقد أخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، والحاكم وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن أبي أمامة قال : ( سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بواء ، يقول عن سواء ) .

وأخرج سعيد بن منصور ، وأحمد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، والحاكم وصححه وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن عبادة بن الصامت قال : ( خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرا ، فالتقى الناس فهزم الله العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون ، وأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصيب العدو منه غرة ، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق بها منا نحن نفينا عنه العدو وهزمناهم ، وقال الذين أحدقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به ، فنزلت : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أغار في أرض العدو نفل الربع ، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ويقول : ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم ) .

وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : ( بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فنصرها الله وفتح عليها ، فكان من آتاه بشيء نفله من الخمس ، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلون ويأسرون وتركوا الغنائم خلفهم ، فلم ينالوا من الغنائم شيئا ، فقالوا : يا رسول الله ما بال رجال منا يستقدمون ويأسرون ، وتخلف رجال لم يصلوا بالقتال فنفلتهم بالغنيمة ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل : { يسألونك عن الأنفال } الآية ، فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ردوا ما أخذتم واقتسموا بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك ، فقالوا : قد أنفقنا وأكلنا ، فقال : احتسبوا ذلك ) .

وأخرج أحمد ، وأبو داود والترمذي ، وصححه والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو نعيم في الحلية والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في سننه ( عن سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين ، فهب لي هذا السيف ، فقال : إن هذا السيف لا لك ولا لي ، ضعه ، فوضعته ، ثم رجعت قلت : عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي إذا رجل يدعوني من ورائي ، قلت : قد أنزل الله في شيئا ؟ قال : كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي ، وإنه قد وهب لي فهو لك وأنزل الله هذه الآية { يسألونك عن الأنفال } ) وفي لفظ لأحمد ، ( أن سعدا قال : لما قتل أخي يوم بدر وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه ، وكان يسمى ذا الكنيفة فأتيت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) - ، ثم ذكر نحو ما تقدم وقد روي هذا الحديث عن سعد من وجوه أخر .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ( أن الناس سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغنائم يوم بدر فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } ) . .

وأخرج ابن مروديه عنه قال : ( لم ينفل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد إذ نزلت عليه { يسألونك عن الأنفال } إلا من الخمس فإنه نفل يوم خيبر من الخمس ) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأبو داود والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن حبان ، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ، قال ( لما كان يوم بدر قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا ، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات ، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم ، فقالت المشيخة للشبان : أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردءا ، ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا ، فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } الآية ، فقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنائم بينهم بالسوية ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن ابن عباس ، في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : الأنفال المغانم ، كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة ليس لأحد منها شيء ما أصاب من سرايا المسلمين من شيء أتوه به ، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول ، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيهم منها شيئا فأنزل الله : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال } لي جعلتها ولرسولي ليس لكم فيها شيء { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } إلى قوله : { إن كنتم مؤمنين } ثم أنزل الله { واعلموا أنما غنمتم من شيء } ( الأنفال : 41 ) الآية ، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذي القربى واليتامى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء ، للفرس سهمان ، ولصاحبه سهم ، وللراجل سهم .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر ، عن ابن عباس ، في قوله { يسألونك عن الأنفال } قال : هي المغانم ، ثم نسخها { واعلموا أنما غنمتم من شيء } الآية .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة ، وأبو عبيد وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن القاسم بن محمد قال : سمعت رجلا يسأل ابن عباس ، عن الأنفال فقال : الفرس من النفل ، والسلب من النفل ، فأعاد المسألة فقال ابن عباس : هذا مثل ضبيع الذي ضربه عمر ، وفي لفظ : فقال ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بضبيع العراقي ، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عنه قال : الأنفال المغانم ، أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها فيرد القوي على الضعيف .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والنحاس ، وأبو الشيخ ، عن عطاء في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : هو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال ، من عبد أو دابة أو متاع فذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع به ما شاء .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، عن محمد بن عمرو قال : أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن الأنفال فقال : تسألوني عن الأنفال وإنه لا نفل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

وأخرج عبد الرزاق ، عن سعيد أيضا قال : ما كانوا ينفلون إلا من الخمس وروى عبد الرزاق ، عنه أنه قال : لا نفل في غنائم المسلمين إلا في خمس الخمس .

وأخرج عبد الرزاق ، عن أنس أن أميرا من الأمراء أراد أن ينفله قبل أن يخمسه فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن الشعبي ، في قوله : { يسألونك عن الأنفال } قال : ما أصابت السرايا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، والنحاس ، في ناسخه عن مجاهد وعكرمة قال : كانت الأنفال لله والرسول حتى نسخها آية الخمس { واعلموا أنما غنمتم من شيء } ( الأنفال : 41 ) الآية .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، في الأدب المفرد ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ، في قوله : { وأصلحوا ذات بينكم } قال : هذا تخريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم حيث اختلفوا في الأنفال .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مكحول ، قال : كان صلاح ذات بينهم أن ردت الغنائم ، فقسمت بين من ثبت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين من قاتل وغنم .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عطاء في قوله : { وأطيعوا الله ورسوله } قال : طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 524 - 525
counter free hit invisible