<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية في قول الجميع .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة عبس بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

بسم الله الرحمن الرحيم { عبس وتولى } { أن جاءه الأعمى } { وما يدريك لعله يزكى } { أو يذكر فتنفعه الذكرى } { أما من استغنى } { فأنت له تصدى } { وما عليك ألا يزكى } { وأما من جاءك يسعى } { وهو يخشى } { فأنت عنه تلهى } { كلا إنها تذكرة } { فمن شاء ذكره } { في صحف مكرمة } { مرفوعة مطهرة } { بأيدي سفرة } { كرام بررة } { قتل الإنسان ما أكفره } { من أي شيء خلقه } { من نطفة خلقه فقدره } { ثم السبيل يسره } { ثم أماته فأقبره } { ثم إذا شاء أنشره } { كلا لما يقض ما أمره } { فلينظر الإنسان إلى طعامه } { أنا صببنا الماء صبا } { ثم شققنا الأرض شقا } { فأنبتنا فيها حبا } { وعنبا وقضبا } { وزيتونا ونخلا } { وحدائق غلبا } { وفاكهة وأبا } { متاعا لكم ولأنعامكم } { فإذا جاءت الصاخة } { يوم يفر المرء من أخيه } { وأمه وأبيه } { وصاحبته وبنيه } { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } { وجوه يومئذ مسفرة } { ضاحكة مستبشرة } { ووجوه يومئذ عليها غبرة } { ترهقها قترة } { أولئك هم الكفرة الفجرة } قوله : { عبس وتولى } أي كلح وجهه وأعرض .

وقرئ " عبس " بالتشديد .

{ أن جاءه الأعمى } مفعول لأجله : أي لأن جاءه الأعمى ، والعامل فيه إما ( عبس ) أو تولى على الاختلاف بين البصريين والكوفيين في التنازع هل المختار إعمال الأول أو الثاني ؟ .

وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية : ( أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد طمع في إسلامهم ، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه ، فأعرض عنه فنزلت ) ، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله .

{ وما يدريك لعله يزكى } التفت سبحانه إلى خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن المشافهة أدخل في العتاب : أي أي شيء يجعلك داريا بحاله حتى تعرض عنه . وجملة { لعله يزكى } مستأنفة لبيان أن له شأنا ينافي الإعراض عنه : أي لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك ، فالضمير في " لعله " راجع إلى الأعمى ، وقيل هو راجع إلى الكافر : أي وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى أو يذكر ، والأول أولى .

وكلمة الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز . قرأ الجمهور { أن جاءه الأعمى } على الخبر بدون استفهام ، ووجهه ما تقدم .

وقرأ الحسن أن جاءه بالمد على الاستفهام ، فهو على هذه القراءة متعلق بفعل محذوف دل عليه { عبس وتولى } والتقدير : أن جاءه الأعمى تولى وأعرض ، ومثل هذه الآية قوله في سورة الأنعام { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } [ الأنعام : 52 ] وكذلك قوله : في سورة الكهف { ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } [ الكهف : 28 ] .

وقوله : { أو يذكر } عطف على يزكى داخل معه في حكم الترجي : أي أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ { فتنفعه الذكرى } أي الموعظة .

قرأ الجمهور " فتنفعه " بالرفع ، وقرأ عاصم وابن أبي إسحاق ، وعيسى ، والسلمي ، وزر بن حبيش بالنصب على جواب الترجي .

{ أما من استغنى } أي كان ذا ثروة وغنى ، أو استغنى عن الإيمان وعما عندك من العلم .

{ فأنت له تصدى } أي تصغي لكلامه ، والتصدي الإصغاء .

قرأ الجمهور تصدى بالتخفيف على طرح إحدى التاءين تخفيفا ، وقرأ نافع ، وابن محيصن بالتشديد على الإدغام ، وفي هذا مزيد تنفير له صلى الله عليه وسلم عن الإقبال عليهم والإصغاء إلى كلامهم .

{ وما عليك ألا يزكى } أي أي شيء عليك في أن لا يسلم ولا يهتدي ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار . ويجوز أن تكون " ما " نافية : أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى من تصديت له وأقبلت عليه ، وتكون الجملة في محل نصب على الحال من ضمير " تصدى " .

ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : { وأما من جاءك يسعى } أي وصل إليك حال كونه مسرعا في المجيء إليك طالبا منك أن ترشده إلى الخير وتعظه بمواعظ الله .

وجملة { وهو يخشى } حال من فاعل ( يسعى ) على التداخل ، أو من فاعل ( جاءك ) على الترادف .

{ فأنت عنه تلهى } أي تتشاغل عنه وتعرض عن الإقبال عليه عنه ، والتلهي : التشاغل والتغافل ، يقال لهيت عن الأمر ألهى : أي تشاغلت عنه ، وكذا تلهيت .

وقوله : كلا ردع له صلى الله عليه وسلم عما عوتب عليه : أي لا تفعل بعد هذا الواقع منك مثله من الإعراض عن الفقير ، والتصدي للغني والتشاغل به ، مع كونه ليس ممن يتزكى عن إرشاد ما جاءك من أهل التزكي والقبول للموعظة ، وهذا الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم هو من باب ترك الأولى فأرشده الله سبحانه إلى ما هو الأولى به . { إنها تذكرة } أي أن هذه الآيات أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها وتقبلها وتعمل بموجبها ويعمل بها كل أمتك { فمن شاء ذكره } أي فمن رغب فيها اتعظ بها وحفظها وعمل بموجبها ، ومن رغب عنها كما فعله من استغنى فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره .

قيل الضميران في ( إنها ) وفي ( ذكره ) : للقرآن ، وتأنيث الأول لتأنيث خبره .

وقيل الأول للسورة ، أو للآيات السابقة .

والثاني للتذكرة لأنها في معنى الذكر .

وقيل إن معنى { فمن شاء ذكره } فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به ، والأول أولى .

ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة وجلالتها فقال : في صحف أي إنها تذكرة كائنة في صحف ، فالجار والمجرور صفة ل ( تذكرة ) ، وما بينهما اعتراض ، والصحف جمع صحيفة ، ومعنى { مكرمة } أنها مكرمة عند الله لما فيها من العلم والحكمة ، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ ، وقيل المراد بالصحف كتب الأنبياء ، كما في قوله : { إن هذا لفي الصحف الأولى } { صحف إبراهيم وموسى } [ الأعلى : 19 ، 18 ] .

ومعنى مرفوعة أنها رفيعة القدر عند الله ، وقيل مرفوعة في السماء السابعة .

قال الواحدي : قال المفسرون : { مكرمة } يعني اللوح المحفوظ مرفوعة يعني في السماء السابعة .

قال ابن جرير : مرفوعة القدر والذكر ، وقيل مرفوعة عن الشبه والتناقض مطهرة أي منزهة لا يمسها إلا المطهرون .

قال الحسن : مطهرة من كل دنس .

قال السدي : مصانة عن الكفار لا ينالونها .

{ بأيدي سفرة } السفرة جمع سافر ككتبة وكاتب ، والمعنى : أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ .

قال الفراء : السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله ، من السفارة وهو السعي بين القوم ، وأنشد : فما أدع السفارة بين قومي ولا أمشي بغير أب نسيب قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر بكسر السين ، والكتاب سافر ؛ لأن معناه أنه بين ، يقال أسفر الصبح : إذا أضاء ، وأسفرت المرأة : إذا كشفت النقاب عن وجهها ، ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة : أي أصلحت بينهم .

قال مجاهد : هم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد .

وقال قتادة : السفرة هنا هم القراء لأنهم يقرءون الأسفار .

وقال وهب بن منبه : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

ثم أثنى سبحانه على السفرة فقال : { كرام بررة } أي كرام على ربهم كذا قال الكلبي .

وقال الحسن : كرام عن المعاصي ، فهم يرفعون أنفسهم عنها .

وقيل يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته ، أو قضى حاجته .

وقيل يؤثرون منافع غيرهم على منافعهم .

وقيل يتكرمون على المؤمنين بالاستغفار لهم .

والبررة جمع بار مثل كفرة وكافر : أي أتقياء مطيعون لربهم صادقون في إيمانهم ، وقد تقدم تفسيره .

{ قتل الإنسان ما أكفره } أي لعن الإنسان الكافر ما أشد كفره ، وقيل عذب ، قيل : والمراد به عتبة بن أبي لهب ، ومعنى { ما أكفره } التعجب من إفراط كفره .

قال الزجاج : معناه اعجبوا أنتم من كفره ، وقيل المراد بالإنسان من تقدم ذكره في قوله : { أما من استغنى } وقيل المراد به الجنس ، وهذا هو الأولى ، فيدخل تحته كل كافر شديد الكفر ، ويدخل تحته من كان سببا لنزول الآية دخولا أوليا .

ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره ويكف عن طغيانه فقال : { من أي شيء خلقه } أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر والاستفهام للتقرير .

ثم فسر ذلك فقال : { من نطفة خلقه } أي من ماء مهين ، وهذا تحقير له .

قال الحسن : كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين ، ومعنى فقدره أي فسواه وهيأه لمصالح نفسه ، وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات والحواس ، وقيل قدره أطوارا من حال إلى حال ؛ نطفة ثم علقة إلى أن تم خلقه .

{ ثم السبيل يسره } أي يسر له الطريق إلى الخير والشر .

وقال السدي ، ومقاتل ، وعطاء ، وقتادة .

يسره للخروج من بطن أمه ، والأول أولى .

ومثله قوله : { وهديناه النجدين } [ البلد : 10 ] وانتصاب السبيل بمضمر يدل عليه الفعل المذكور : أي يسر السبيل يسره .

{ ثم أماته فأقبره } أي جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراما له ، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير ، كذا قال الفراء : وقال أبو عبيدة : جعل له قبرا وأمر أن يقبر فيه .

ولم يقل قبره ؛ لأن القابر هو الدافن بيده ، ومنه قول الأعشى : لو أسندت ميتا إلى صدرها عاش ولم ينقل إلى قابر { ثم إذا شاء أنشره } أي ثم إذا شاء إنشاره أنشره : أي أحياه بعد موته ، وعلق الإنشار بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين ، بل هو تابع للمشيئة ، قرأ الجمهور أنشره بالألف ، وروى أبو حيوة عن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ( نشره ) بغير ألف ، وهما لغتان فصيحتان .

{ كلا لما يقض ما أمره } كلا ردع وزجر للإنسان الكافر : أي ليس الأمر كما يقول .

ومعنى : لما يقض ما أمره ، لم يقض ما أمره الله به من العمل بطاعته واجتناب معاصيه ، وقيل المراد الإنسان على العموم ، وأنه لم يفعل ما أمره الله به مع طول المدة لأنه لا يخلو من تقصير .

قال الحسن : أي حقا لم يعمل ما أمر به .

قال ابن فورك : أي كلا لما يقض لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان ، بل أمره بما لم يقض له .

قال ابن الأنباري : الوقف على ( كلا ) قبيح والوقف على ( أمره ) جيد ، و ( كلا ) على هذا بمعنى حقا .

وقيل المعنى : لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره ، بل أخل به : بعضها بالكفر ، وبعضها بالعصيان ، وما قضى ما أمره الله إلا القليل .

ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه على عباده ليشكروها ، وينزجروا عن كفرانها بعد ذكر النعم المتعلقة بحدوثه فقال : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } أي ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته ؟ وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية ؟ قال مجاهد : معناه فلينظر الإنسان إلى طعامه : أي إلى مدخله ومخرجه ، والأول أولى .

ثم بين ذلك سبحانه فقال : { أنا صببنا الماء صبا } قرأ الجمهور " إنا " بالكسر على الاستئناف .

وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من طعامه بدل اشتمال لكون نزول المطر سببا لحصول الطعام ، فهو كالمشتمل عليه ، أو بتقدير لام العلة .

قال الزجاج : الكسر على الابتداء والاستئناف ، والفتح على معنى البدل من الطعام .

المعنى : فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا ، وأراد بصب الماء المطر .

وقرأ الحسن بن علي بالفتح والإمالة .

{ ثم شققنا الأرض شقا } أي شققناها بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر شقا بديعا بما يخرج منه في الصغر والكبر والشكل والهيئة .

ثم بين سبب هذا الشق وما وقع لأجله فقال { فأنبتنا فيها حبا } يعني الحبوب التي يتغذى بها ، والمعنى : أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبا .

وقوله : { وعنبا } معطوف على حبا : أي وأنبتنا فيها عنبا ، قيل وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيد به المعطوف عليه فلا ضير في خلو إنبات العنب عن شق الأرض . والقضب : هو القت الرطب الذي يقضب مرة بعد أخرى تعلف به الدواب ، ولهذا سمي قضبا على مصدر قضبه : أي قطعه كأنه لتكرر قطعها نفس القطع .

قال الخليل : القضب : الفصفصة الرطبة ، فإذا يبست فهي القت .

قال في الصحاح : والقضبة والقضب الرطبة ، قال : والموضع الذي ينبت فيه مقضبة .

قال القتيبي ، وثعلب : وأهل مكة يسمون العنب : القضب .

والزيتون هو ما يعصر منه الزيت ، وهو شجرة الزيتون المعروفة ، والنخل هو جمع نخلة .

{ وحدائق غلبا } جمع حديقة ، وهي البستان ، والغلب العظام الغلاظ الرقاب .

وقال قتادة ، ومقاتل : الغلب الملتف بعضها ببعض ، يقال : رجل أغلب : إذا كان عظيم الرقبة ، ويقال للأسد أغلب لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعا .

قال العجاج : ما زلت يوم البين ألوي صلبي والرأس حتى صرت مثل الأغلب وجمع أغلب وغلباء غلب كما جمع أحمر وحمراء على حمر .

وقال قتادة ، وابن زيد : الغلب النخل الكرام .

وعن ابن زيد أيضا وعكرمة : هي غلاظ الأوساط والجذوع .

والفاكهة ما يأكله الإنسان من ثمار الأشجار كالعنب والتين والخوخ ونحوها .

والأب كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع الري ، ومنه قول الشاعر : جدنا قيس ونجد دارنا ولنا الأب بها والمكرع قال الضحاك : الأب كل شيء ينبت على وجه الأرض .

وقال ابن أبي طلحة : هو الثمار الرطبة .

وروي عن الضحاك أيضا أنه قال : هو التين خاصة ، والأول أولى .

ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال : { فإذا جاءت الصاخة } يعني صيحة يوم القيامة ، وسميت صاخة لشدة صوتها لأنها تصخ الآذان : أي تصمها فلا تسمع ، وقيل سميت صاخة لأنها يصيخ لها الأسماع ، من قولك أصاخ إلى كذا أي استمع إليه ، والأول أصح .

قال الخليل : الصاخة : صيحة تصخ الآذان حتى تصمها بشدة وقعها ، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذة من الصك الشديد ، يقال صخه بالحجر : إذا صكه بها ، وجواب ( إذا ) محذوف يدل عليه قوله : { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } أي فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه .

والظرف في قوله : { يوم يفر المرء من أخيه } { وأمه وأبيه } { وصاحبته وبنيه } إما بدل من { إذا جاءت } أو منصوب بمقدر : أي أعني ، ويكون تفسيرا للصاخة ، أو بدلا منها مبني على الفتح ، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة ، وأولادهم بالحنو والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم ، وخطب فظيع .

{ لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } أي لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم .

وقيل إنما يفر عنهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينهم ، وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من الشدة ، وقيل لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنوه عنه شيئا كما قال تعالى : { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الفرار .

قال ابن قتيبة : يغنيه : أي يصرفه عن قرابته ، ومنه يقال أغن عني وجهك : أي اصرفه .

قرأ الجمهور يغنيه بالغين المعجمة .

وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء : أي يهمه ، من عناه الأمر إذا أهمه .

{ وجوه يومئذ مسفرة } وجوه مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في مقام التفصيل ، وهو من مسوغات الابتداء بالنكرة ، و يومئذ متعلق به ، و { مسفرة } خبره ، ومعنى مسفرة : مشرقة مضيئة ، وهي وجوه المؤمنين لأنهم قد علموا إذا ذاك ما لهم من النعيم والكرامة ، يقال أسفر الصبح : إذا أضاء .

قال الضحاك : مسفرة من آثار الوضوء ، وقيل من قيام الليل .

{ ضاحكة مستبشرة } أي فرحة بما نالته من الثواب الجزيل .

ثم لما فرغ من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار فقال : { ووجوه يومئذ عليها غبرة } أي غبار وكدورة لما تراه مما أعده الله لها من العذاب .

{ ترهقها قترة } أي يغشاها ويعلوها سواد وكسوف ، وقيل ذلة ، وقيل شدة ، والقتر في كلام العرب الغبار ، كذا قال أبو عبيدة ، وأنشد قول الفرزدق : متوج برداء الملك يتبعه فوج ترى فوقه الرايات والقترا ويدفع ما قاله أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة فإنها واحدة الغبار .

وقال زيد بن أسلم : القترة ما ارتفعت إلى السماء ، والغبرة ما انحطت إلى الأرض .

أولئك يعني أصحاب الوجوه { هم الكفرة الفجرة } أي الجامعون بين الكفر بالله والفجور ، يقال فجر : أي فسق ، وفجر : أي كذب ، وأصله الميل ، والفاجر المائل عن الحق .

وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر ، وابن حبان ، والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت : ( أنزلت " عبس وتولى " في ابن أم مكتوم الأعمى ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا رسول الله أرشدني . وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول : أترى بما أقول بأسا ؟ فيقول لا ، ففي هذا أنزلت ) .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وأبو يعلى عن أنس قال : ( جاء عبد الله ابن أم مكتوم ، وهو يكلم أبي بن خلف ، فأعرض عنه ، فأنزل الله { عبس وتولى } { أن جاءه الأعمى } فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : ( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة ، والعباس بن عبد المطلب ، وأبا جهل بن هشام وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا ، فأقبل عليهم رجل أعمى يقال له عبد الله ابن أم مكتوم يمشي ، وهو يناجيهم ، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن قال : يا رسول الله علمني مما علمك الله ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه وأقبل على الآخرين ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه ، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره ، ثم خفق برأسه ، ثم أنزل الله { عبس وتولى } الآية ، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال له : ما حاجتك ؟ هل تريد من شيء ؟ وإذا ذهب من عنده قال : هل لك حاجة في شيء ؟ ) قال ابن كثير : فيه غرابة ، وقد تكلم في إسناده .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { بأيدي سفرة } قال : كتبة .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { بأيدي سفرة } قال : هم بالنبطية القراء .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا { كرام بررة } قال : الملائكة : وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران ) .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ثم السبيل يسره } قال : يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسره له .

وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير في قوله : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } قال : إلى مدخله ومخرجه .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس { فلينظر الإنسان إلى طعامه } قال : إلى خرئه .

وأخرج ابن المنذر عنه { أنا صببنا الماء صبا } قال : المطر { ثم شققنا الأرض شقا } قال : عن النبات .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { وقضبا } قال : الفصفصة يعني القت { وحدائق غلبا } قال : طوالا { وفاكهة وأبا } قال : الثمار الرطبة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : الحدائق كل ملتف ، والغلب ما غلظ ، والأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر عنه أيضا { وحدائق غلبا } قال : شجر في الجنة يستظل به لا يحمل شيئا .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : الأب : الكلأ والمرعى .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال : سئل أبو بكر الصديق عن الأب ما هو ؟ فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ؟ .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد : أن رجلا سأل عمر عن قوله : { وأبا } فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة .

وأخرج ابن سعد ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب والخطيب عن أنس أن عمر قرأ على المنبر { فأنبتنا فيها } { حبا وعنبا } إلى قوله : { وأبا } قال : كل هذا قد عرفناه ، فما الأب ؟ ثم رفض عصا كانت في يده فقال : هذا لعمر الله هو التكلف ، فما عليك أن لا تدري ما الأب ، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب فاعملوا عليه ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس قال الصاخة من أسماء يوم القيامة .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مسفرة قال : مشرقة ، وفي قوله : { ترهقها قترة } قال : تغشاها شدة وذلة .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه قترة قال : سواد الوجه .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1586 - 1589
counter free hit invisible