<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ عبس وتولى } { أن جاءه الأعمى } { وما يدريك لعله يزكى } { أو يذكر فتنفعه الذكرى } .

افتتاح هذه السورة بفعلين متحملين لضمير لا معاد له في الكلام تشويق لما سيورد بعدهما ، والفعلان يشعران بأن المحكي حادث عظيم ، فأما الضمائر فيبين إبهامها قوله : { فأنت له تصدى } وأما الحادث فيتبين من ذكر الأعمى ومن استغنى .

وهذا الحادث سبب نزول هذه الآية من أولها إلى قوله : ( { بررة } ) . وهو ما رواه مالك في الموطأ مرسلا ( عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : أنزلت ( { عبس وتولى } ) في ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقول : يا محمد استدنني ، وعند النبيء - صلى الله عليه وسلم - رجال من عظماء المشركين ، فجعل النبيء - صلى الله عليه وسلم - يعرض عنه ( أي عن ابن أم مكتوم ) ويقبل على الآخر ، ويقول : يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا ؟ فيقول : لا والدماء ما أرى بما تقول بأسا . فأنزلت { عبس وتولى } ) .

ورواه الترمذي مسندا عن عروة عن عائشة بقريب من هذا ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .

وروى الطبري عن ابن عباس ( أن ابن أم مكتوم جاء يستقرئ النبيء - صلى الله عليه وسلم - آية من القرآن ، ومثله عن قتادة .

وقال الواحدي وغيره : كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - حينئذ يناجي عتبة بن ربيعة ، وأبا جهل ، ، والعباس بن عبد المطلب ، ، وأبي بن خلف ، ، وشيبة بن ربيعة ، ، والوليد بن المغيرة ، والنبيء - صلى الله عليه وسلم - يقبل على الوليد بن المغيرة يعرض عليهم الإسلام . ولا خلاف في أن المراد بـ ( الأعمى ) هو ابن أم مكتوم . قيل : اسمه عبد الله وقيل : اسمه عمرو ، وهو الذي اعتمده في الإصابة ، وهو ابن قيس بن زائدة من بني عامر بن لؤي من قريش .

وأمه عاتكة ، وكنيت أم مكتوم لأن ابنها عبد الله ولد أعمى ، والأعمى يكنى عنه بمكتوم . ونسب إلى أمه لأنها أشرف بيتا من بيت أبيه ; لأن بني مخزوم من أهل بيوتات قريش فوق بني عامر بن لؤي . وهذا كما نسب عمرو بن المنذر ملك الحيرة إلى أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار زيادة في تشريفه بوارثة الملك من قبل أبيه وأمه .

ووقع في الكشاف أن أم مكتوم هي أم أبيه . وقال الطيبي : إنه وهم ، وأسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبيء - صلى الله عليه وسلم - إليها ، وتوفي بالقادسية في خلافة عمر بعد سنة أربع عشرة أو خمس عشرة .

وفيه نزلت هذه السورة وآية { غير أولي الضرر } من سورة النساء .

وكان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يحبه ويكرمه وقد استخلفه على المدينة في خروجه إلى الغزوات ثلاث عشرة مرة ، وكان مؤذن النبيء - صلى الله عليه وسلم - هو وبلال بن رباح .

والعبوس بضم العين : تقطيب الوجه وإظهار الغضب . ويقال : رجل عبوس بفتح العين ، أي : متقطب ، قال تعالى : { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } . وعبس من باب ضرب .

والتولي أصله تحول الذات من مكانها ، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام يلقى إليه أو جليس يحل عنده ، وهو هنا مستعار لعدم الاشتغال بسؤال سائل ولعدم الإقبال على الزائر .

وحذف متعلق ( تولى ) لظهور أنه تول عن الذي مجيئه كان سبب التولي .

وعبر عن ابن أم مكتوم ب ( الأعمى ) ترقيقا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ليكون العتاب ملحوظا فيه أنه لما كان صاحب ضرارة فهو أجدر بالعناية به ; لأن مثله يكون سريعا إلى انكسار خاطره .

و { أن جاءه الأعمى } مجرور بلام الجر محذوف مع ( أن ) وهو حذف مطرد وهو متعلق بفعلي { عبس وتولى } على طريقة التنازع .

والعلم بالحادثة يدل على أن المراد مجيء خاص وأعمى معهود .

وصيغة الخبر مستعملة في العتاب على الغفلة عن المقصود الذي تضمنه الخبر وهو اقتصار النبيء - صلى الله عليه وسلم - على الاعتناء بالحرص على تبليغ الدعوة إلى من يرجو منه قبولها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك من تعليم من يرغب في علم الدين ممن آمن ، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام ، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثا على أن يترقب المعني من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب ، وهذا تلطف من الله برسوله - صلى الله عليه وسلم - ليقع العتاب في نفسه مدرجا ، وذلك أهون وقعا ، ونظير هذا قوله : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } .

قال عياض : قال عون بن عبد الله ، والسمرقندي : أخبره الله بالعفو قبل أن يخبره بالذنب حتى سكن قلبه اهـ . فكذلك توجيه العتاب إليه مسندا إلى ضمير الغائب ثم جيء بضمائر الغيبة ، فذكر الأعمى تظهر المراد من القصة واتضح المراد من ضمير الغيبة .

ثم جيء بضمائر الخطاب على طريقة الالتفات .

ويظهر أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - رجا من ذلك المجلس أن يسلموا فيسلم بإسلامهم جمهور قريش أو جميعهم ، فكان دخول ابن أم مكتوم قطعا لسلك الحديث ، وجعل يقول للنبيء - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله استدنني ، علمني ، أرشدني ، ويناديه ويكثر النداء والإلحاح ، فظهرت الكراهية في وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعله لقطعه عليه كلامه وخشيته أن يفترق النفر المجتمعون ، وفي رواية الطبري أنه استقرأ النبيء - صلى الله عليه وسلم - آية من القرآن .

وجملة ( وما يدريك ) إلخ في موضع الحال .

وما يدريك مركبة من ( ما ) الاستفهامية وفعل الدراية المقترن بهمزة التعدية ، أي : ما يجعلك داريا أي : عالما . ومثله ( ما أدراك ) كقوله : { وما أدراك ما الحاقة } . ومنه { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } في سورة الأنعام .

والاستفهام في هذه التراكيب مراد منه التنبيه على مغفول عنه ثم تقع بعده جملة نحو { وما أدراك ما القارعة } ونحو قوله هنا { وما يدريك لعله يزكى } . والمعنى : أي شيء يجعلك داريا . وإنما يستعمل مثله لقصد الإجمال ثم التفصيل .

قال الراغب : ما ذكر ما أدراك في القرآن إلا وذكر بيانه بعده اهـ . قلت : فقد يبينه تفصيل مثل قوله هنا { وما يدريك لعله يزكى } وقوله : { وما أدراك ما ليلة القدر } { ليلة القدر خير من ألف شهر } وقد يقع بعده ما فيه تهويل نحو { وما أدراك ما هيه } ، أي : ما يعلمك حقيقتها وقوله : { وما أدراك ما الحاقة } أي : أي شيء أعلمك جواب ما الحاقة .

وفعل ( يدريك ) معلق عن العمل في مفعوليه لورود حرف ( لعل ) بعده ؛ فإن ( لعل ) من موجبات تعليق أفعال القلوب على ما أثبته أبو علي الفارسي في التذكرة إلحاقا للترجي بالاستفهام في أنه طلب . فلما علق فعل ( يدريك ) عن العمل صار غير متعد إلى ثلاثة مفاعيل وبقي متعديا إلى مفعول واحد بهمزة التعدية التي فيها ، فصار ما بعده جملة مستأنفة .

والتذكر : حصول أثر التذكير ، فهو خطور أمر معلوم في الذهن بعد نسيانه ؛ إذ هو مشتق من الذكر بضم الذال .

والمعنى : انظر فقد يكون تزكيه مرجوا ، أي : إذا أقبلت عليه بالإرشاد زاد الإيمان رسوخا في نفسه وفعل خيرات كثيرة مما ترشده إليه فزاد تزكيه ، فالمراد بـ ( يتزكى ) تزكية زائدة على تزكية الإيمان بالتحلي بفضائل شرائعه ومكارم أخلاقه مما يفيضه هديك عليه ، كما قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : ( لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة ) ؛ إذ الهدى الذي يزداد به المؤمنون رفعة وكمالا في درجات الإيمان هو كاهتداء الكافر إلى الإيمان ، لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة .

و ( يزكى ) أصله : يتزكى ، قلبت التاء زايا لتقارب مخرجيهما قصدا ليتأتى الإدغام وكذلك فعل في ( يذكر ) من الإدغام .

والتزكي : مطاوع زكاه ، أي : يحصل أثر التزكية في نفسه . وتقدم في سورة النازعات . وجملة أو ( يذكر ) عطف على ( يزكى ) ، أي : ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين وكلاهما مهم ، أي : تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه أو تذكر لما كان في غفلة عنه .

والذكرى : اسم مصدر التذكير .

وفي قوله تعالى : { فتنفعه الذكرى } اكتفاء عن أن يقول : فينفعه التزكي وتنفعه الذكرى لظهور أن كليهما نفع له .

والذكرى : هو القرآن لأنه يذكر الناس بما يغفلون عنه ، قال تعالى : { وما هو إلا ذكر للعالمين } فقد كان فيما سأل عنه ابن أم مكتوم آيات من القرآن .

وقرأ الجمهور ( فتنفعه ) بالرفع عطفا على ( يذكر ) . وقرأه عاصم بالنصب في جواب ( لعله يزكى ) .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 103 - 107
counter free hit invisible