<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ ويل للمطففين } { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } افتتاح السورة باسم الويل مؤذن بأنها تشتمل على وعيد بلفظ ويل من براعة الاستهلال ، ومثله قوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب } . وقد أخذ أبو بكر بن الخازن من عكسه قوله في طالع قصيدة بتهنئته بمولود : بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا

والتطفيف : النقص عن حق المقدار في الموزون أو المكيل ، وهو مصدر طفف إذ بلغ الطفافة . والطفاف بضم الطاء وتخفيف الفاء ما قصر عن ملء الإناء من شراب أو طعام ، ويقال : الطف بفتح الطاء دون هاء تأنيث ، وتطلق هذه الثلاثة على ما تجاوز حرف المكيال مما يملأ به ، وإنما يكون شيئا قليلا زائدا على ما ملأ الإناء ، فمن ثم سميت طفافة ، أي : قليل زيادة .

ولا نعرف له فعلا مجردا إذ لم ينقل إلا بصيغة التفعيل ، وفعله : طفف ، كأنهم راعوا في صيغة التفعيل معنى التكلف والمحاولة ; لأن المطفف يحاول أن ينقص الكيل دون أن يشعر به المكتال ، ويقابله الوفاء .

و ( ويل ) كلمة دعاء بسوء الحال ، وهي في القرآن وعيد بالعقاب وتقريع ، والويل : اسم وليس بمصدر لعدم وجود فعل له ، وتقدم عند قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } في سورة البقرة .

وهو من عمل المتصدين للتجر يغتنمون حاجة الناس إلى الابتياع منهم وإلى البيع لهم ; لأن التجار هم أصحاب رءوس الأموال وبيدهم المكاييل والموازين ، وكان أهل مكة تجارا ، وكان في يثرب تجار أيضا وفيهم اليهود مثل : أبي رافع وكعب بن الأشرف تاجري أهل الحجاز ، وكانت تجارتهم في التمر والحبوب ، وكان أهل مكة يتعاملون بالوزن ; لأنهم يتجرون في أصناف السلع ويزنون الذهب والفضة وأهل يثرب يتعاملون بالكيل .

والآية تؤذن بأن التطفيف كان متفشيا في المدينة في أول مدة الهجرة ، واختلاط المسلمين بالمنافقين يسبب ذلك .

واجتمعت كلمة المفسرين على أن أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كيلا فقال جماعة من المفسرين : إن هذه الآية نزلت فيهم فأحسنوا الكيل بعد ذلك . رواه ابن ماجه عن ابن عباس .

وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنى أبا جهينة واسمه عمرو ، كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر .

فجملة { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } إدماج ، مسوقة لكشف عادة ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه ، والمقصود الجملة المعطوفة عليها وهي جملة { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } فهم مذمومون بمجموع ضمن الجملتين .

والاكتيال : افتعال من الكيل ، وهو يستعمل في تسلم ما يكال على طريقة استعمال أفعال : ابتاع ، وارتهن ، واشترى ، في معنى أخذ المبيع ، وأخذ الشيء المرهون وأخذ السلعة المشتراة ، فهو مطاوع كال ، كما أن ابتاع مطاوع باع ، وارتهن مطاوع رهن ، واشترى مطاوع شرى ، قال تعالى : { فأرسل معنا أخانا نكتل } أي : نأخذ طعاما مكيلا ، ثم تنوسي منه معنى المطاوعة .

وحق فعل اكتال أن يتعدى إلى مفعول واحد هو المكيل ، فيقال : اكتال فلان طعاما مثل ابتاع ، ويعدى إلى ما زاد على المفعول بحرف الجر مثل من الابتدائية فيقال : اكتال طعاما من فلان ، وإنما عدي في الآية بحرف على لتضمين اكتالوا معنى التحامل ، أي : إلقاء المشقة على الغير وظلمه ، ذلك أن شأن التاجر وخلقه أن يتطلب توفير الربح وأنه مظنة السعة ووجود المال بيده فهو يستعمل حاجة من يأتيه بالسلعة ، وعن الفراء من وعلى يتعاقبان في هذا الموضع ; لأنه حق عليه فإذا قال اكتلت عليك ، فكأنه قال : أخذت ما عليك ، وإذا قال : اكتلت منك فكقوله : استوفيت منك .

فمعنى { اكتالوا على الناس } اشتروا من الناس ما يباع بالكيل ، فحذف المفعول لأنه معلوم في فعل اكتالوا أي : اكتالوا مكيلا ، ومعنى كالوهم باعوا للناس مكيلا فحذف المفعول لأنه معلوم .

فالواوان من { كالوهم أو وزنوهم } عائدان إلى اسم الموصول والضميران المنفصلان عائدان إلى الناس .

وتعدية كالوا ، ووزنوا إلى الضميرين على حذف لام الجر . وأصله : كالوا لهم ووزنوا لهم ، كما حذفت اللام في قوله تعالى في سورة البقرة { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } أي : تسترضعوا لأولادكم ، وقولهم في المثل : " الحريص يصيدك لا الجواد " أي : الحريص يصيد لك . وهو حذف كثير مثل قولهم : نصحتك وشكرتك ، أصلهما نصحت لك وشكرت لك ; لأن فعل كال وفعل وزن لا يتعديان بأنفسهما إلا إلى الشيء المكيل أو الموزون يقال : كال له طعاما ووزن له فضة ، ولكثرة دورانه على اللسان خففوه فقالوا : كاله ووزنه طعاما على الحذف والإيصال .

قال الفراء : هو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس يقولون : يكيلنا ، يعني : ويقولون أيضا : كال له ووزن له . وهو يريد أن غير أهل الحجاز وقيس لا يقولون : كال له ووزن له ، ولا يقولون إلا : كاله ووزنه ، فيكون فعل كال عندهم مثل باع .

والاقتصار على قوله : { إذا اكتالوا } دون أن يقول : وإذا اتزنوا كما قال : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } اكتفاء بذكر الوزن في الثاني تجنبا لفعل اتزنوا لقلة دورانه في الكلام فكان فيه شيء من الثقل . ولنكتة أخرى وهي أن المطففين هم أهل التجر وهم يأخذون السلع من الجالبين في الغالب بالكيل ; لأن الجالبين يجلبون التمر والحنطة ونحوهما مما يكال ويدفعون لهم الأثمان عينا بما يوزن من ذهب أو فضة مسكوكين أو غير مسكوكين ، فلذلك اقتصر في ابتياعهم من الجالبين على الاكتيال نظرا إلى الغالب ، وذكر في بيعهم للمبتاعين الكيل والوزن لأنهم يبيعون الأشياء كيلا ويقبضون الأثمان وزنا ، وفي هذا إشارة إلى أن التطفيف من عمل تجارهم .

و ( يستوفون ) جواب إذا والاستيفاء أخذ الشيء وافيا ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الفعل مثل : استجاب .

ومعنى يخسرون يوقعون الذين كالوا لهم أو وزنوا لهم في الخسارة ، والخسارة النقص من المال في التبايع .

وهذه الآية تحذير للمسلمين من التساهل في التطفيف إذ وجدوه فاشيا في المدينة في أول هجرتهم وذم للمشركين من أهل المدينة وأهل مكة .

وحسبهم أن التطفيف يجمع ظلما واختلاسا ولؤما ، والعرب كانوا يتعيرون بكل واحد من هذه الخلال متفرقة ويتبرئون منها ، ثم يأتونها مجتمعة ، وناهيك بذلك أفنا .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 190 - 192
counter free hit invisible