<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { إذا السماء انشقت } { وأذنت لربها وحقت } { وإذا الأرض مدت } { وألقت ما فيها وتخلت } { وأذنت لربها وحقت } ) .

يقول تعالى ذكره : إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبوابا .

وقوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) يقول : وسمعت السماوات في تصدعها وتشققها لربها وأطاعت له في أمره إياها ، والعرب تقول : أذن لك في هذا الأمر أذنا بمعنى : استمع لك ، ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " ) يعني بذلك : ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن ، ومنه قول الشاعر : صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

وأصل قولهم في الطاعة سمع له من الاستماع ، يقال منه : سمعت لك ، بمعنى سمعت قولك ، وأطعت فيما قلت وأمرت .

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : ( { وأذنت لربها } ) قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) قال : سمعت لربها .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) قال : سمعت وأطاعت .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) قال : سمعت .

حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) قال : سمعت وأطاعت .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) أي : سمعت وأطاعت .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) قال : سمعت وأطاعت .

وقوله : ( وحقت ) يقول : وحقق الله عليها الاستماع بالانشقاق والانتهاء إلى طاعته في ذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وحقت ) قال : حققت لطاعة ربها .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ( وحقت ) وحق لها .

وقوله : ( { وإذا الأرض مدت } ) يقول تعالى ذكره : وإذا الأرض بسطت ، فزيدت في سعتها .

كالذي حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن علي بن حسين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ( إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه ، فأكون أول من يدعى ، وجبريل عن يمين الرحمن ، والله ما رآه قبلها ، فأقول : يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي ، فيقول : صدق ، ثم أشفع فأقول : يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض . - قال - : وهو المقام المحمود" . )

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( مدت ) قال : يوم القيامة .

وقوله : ( { وألقت ما فيها وتخلت } ) يقول جل ثناؤه : وألقت الأرض ما في بطنها من الموتى إلى ظهرها وتخلت منهم إلى الله .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( { وألقت ما فيها وتخلت } ) قال : أخرجت ما فيها من الموتى .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { وألقت ما فيها وتخلت } ) قال : أخرجت أثقالها وما فيها .

وقوله : ( { وأذنت لربها وحقت } ) يقول : وسمعت الأرض في إلقائها ما في بطنها من الموتى إلى ظهرها أحياء أمر ربها وأطاعت ( وحقت ) يقول : وحققها الله للاستماع لأمره في ذلك ، والانتهاء إلى طاعته .

واختلف أهل العربية في موقع جواب قوله : ( { إذا السماء انشقت } ) ، وقوله : ( { وإذا الأرض مدت } ) فقال بعض نحويي البصرة : ( { إذا السماء انشقت } ) على معنى قوله : ( { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ) إذا السماء انشقت ، على التقديم والتأخير .

وقال بعض نحويي الكوفة : قال بعض المفسرين : جواب ( { إذا السماء انشقت } ) قوله : ( وأذنت ) قال : ونرى أنه رأي ارتآه المفسر ، وشبهه بقول الله تعالى : ( { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } ) لأنا لم نسمع جوابا بالواو في إذا مبتدأة ، ولا كلام قبلها ، ولا في إذا ، إذا ابتدئت . قال : وإنما تجيب العرب بالواو في قوله : حتى إذا كان ، وفلما أن كان ، لم يجاوزوا ذلك ; قال : والجواب في ( { إذا السماء انشقت } ) وفي ( { إذا الأرض مدت } ) كالمتروك ; لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن معناه ، فعرف وإن شئت كان جوابه : يأيها الإنسان ، كقول القائل : إذا كان كذا وكذا ، فيا أيها الناس ترون ما عملتم من خير أو شر ، تجعل ( { يا أيها الإنسان } ) هو الجواب ، وتضمر فيه الفاء ، وقد فسر جواب ( { إذا السماء انشقت } ) فيما يلقى الإنسان من ثواب وعقاب ، فكأن المعنى : ترى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت .

والصواب من القول في ذلك عندنا : أن جوابه محذوف ترك استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه . ومعنى الكلام : ( { إذا السماء انشقت } ) رأى الإنسان ما قدم من خير أو شر ، وقد بين ذلك قوله : ( { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ) والآيات بعدها .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 24-24 , الصفحة 306 - 312
counter free hit invisible