<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية بلا خلاف .

وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة الانشقاق بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي رافع قال : ( صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ { إذا السماء انشقت } فسجد ، فقلت له ، فقال : سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه ) .

وأخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة قال : ( سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في { إذا السماء انشقت } و { اقرأ باسم ربك } ) [ أي سورة العلق ] .

وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده ، والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر { إذا السماء انشقت } ونحوها ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { إذا السماء انشقت } { وأذنت لربها وحقت } { وإذا الأرض مدت } { وألقت ما فيها وتخلت } { وأذنت لربها وحقت } { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } { فأما من أوتي كتابه بيمينه } { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } { وينقلب إلى أهله مسرورا } { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } { فسوف يدعو ثبورا } { ويصلى سعيرا } { إنه كان في أهله مسرورا } { إنه ظن أن لن يحور } { بلى إن ربه كان به بصيرا } { فلا أقسم بالشفق } { والليل وما وسق } { والقمر إذا اتسق } { لتركبن طبقا عن طبق } { فما لهم لا يؤمنون } { وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } { بل الذين كفروا يكذبون } { والله أعلم بما يوعون } { فبشرهم بعذاب أليم } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون }

قوله : { إذا السماء انشقت } هو كقوله : { إذا الشمس كورت } [ التكوير : 1 ] في إضمار الفعل وعدمه .

قال الواحدي : قال المفسرون : انشقاقها من علامات القيامة ، ومعنى انشقاقها : انفطارها بالغمام الأبيض كما في قوله : { ويوم تشقق السماء بالغمام } [ الفرقان : 25 ] وقيل تنشق من المجرة ، والمجرة باب السماء .

واختلف في جواب ( إذا ) ، فقال الفراء : إنه " أذنت " والواو زائدة ، وكذلك ( ألقت ) .

قال ابن الأنباري : هذا غلط ؛ لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع " حتى إذا " كقوله : { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } [ الزمر : 73 ] ومع " لما " كقوله : { فلما أسلما وتله للجبين } { وناديناه } [ الصافات : 173 ، 174 ] ولا تقحم مع غير هذين .

وقيل إن الجواب قوله : فملاقيه أي فأنت ملاقيه ، وبه قال الأخفش .

وقال المبرد : إن في الكلام تقديما وتأخيرا : أي { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } { إذا السماء انشقت } .

وقال المبرد أيضا : إن الجواب قوله : { فأما من أوتي كتابه بيمينه } وبه قال الكسائي ، والتقدير : { إذا السماء انشقت } فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا ، وقيل هو يا أيها الإنسان على إضمار الفاء ، وقيل إنه يا أيها الإنسان على إضمار القول : أي يقال له يا أيها الإنسان وقيل الجواب محذوف تقديره ( بعثتم ) ، أو لاقى كل إنسان عمله ، وقيل هو ما صرح به في سورة التكوير : أي علمت نفس هذا ، على تقدير أن ( إذا ) شرطية ، وقيل ليست بشرطية وهي منصوبة بفعل محذوف : أي اذكر ، أو هي مبتدأ وخبرها ( إذا ) الثانية والواو مزيدة وتقديره : وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض .

ومعنى وأذنت لربها أنها أطاعته في الانشقاق من الإذن ، وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه وحقت أي وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع ، ومن استعمال الإذن في الاستماع قول الشاعر : صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وقول الآخر : إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما أذنوا من صالح دفنوا وقيل المعنى : وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق : أي جعلها حقيقة بذلك . قال الضحاك : حقت أطاعت ، وحق لها أن تطيع ربها لأنه خلقها ، يقال فلان محقوق بكذا ، ومعنى طاعتها : أنها لا تمتنع مما أراده الله بها . قال قتادة : حق لها أن تفعل ذلك ، ومن هذا قول كثير : فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا وحقت لها العتبى لدينا وقلت وإذا الأرض مدت أي بسطت كما تبسط الأدم ، ودكت جبالها حتى صارت قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا . قال مقاتل : سويت كمد الأديم فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها ، وقيل مدت زيد في سعتها من المدد ، وهو الزيادة .

وألقت ما فيها أي أخرجت ما فيها من الأموات والكنوز وطرحتهم إلى ظهرها وتخلت من ذلك . قال سعيد بن جبير : ألقت ما في بطنها من الموتى وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء ، ومثل هذا قوله : { وأخرجت الأرض أثقالها } [ الزلزلة : 2 ] .

وأذنت لربها أي سمعت وأطاعت لما أمرها به من الإلقاء والتخلي وحقت أي وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد له ، وقد تقدم بيان معنى الفعلين قبل هذا .

يا أيها الإنسان المراد جنس الإنسان فيشمل المؤمن والكافر ، وقيل هو الإنسان الكافر ، والأول أولى لما سيأتي من التفصيل { إنك كادح إلى ربك كدحا } الكدح في كلام العرب : السعي في الشيء بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء خيرا أو شرا ، والمعنى : أنك ساع إلى ربك في عملك ، أو إلى لقاء ربك ، مأخوذ من كدح جلده : إذا خدشه .

قال ابن مقبل : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح قال قتادة والضحاك والكلبي : عامل لربك عملا فملاقيه أي فملاق عملك ، والمعنى : أنه لا محالة ملاق لجزاء عمله وما يترتب عليه من الثواب والعقاب .

قال القتيبي : معنى الآية : إنك كادح : أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك ، والملاقاة بمعنى اللقاء : أي تلقى ربك بعملك ، وقيل فملاق كتاب عملك ؛ لأن العمل قد انقضى .

{ فأما من أوتي كتابه بيمينه } وهم المؤمنون .

{ فسوف يحاسب حسابا يسيرا } لا مناقشة فيه . قال مقاتل : لأنها تغفر ذنوبه ولا يحاسب بها .

وقال المفسرون : هو أن تعرض عليه سيئاته ثم يغفرها الله ، فهو الحساب اليسير .

{ وينقلب إلى أهله مسرورا } أي وينصرف بعد الحساب اليسير إلى أهله الذين هم في الجنة من عشيرته ، أو إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا من الزوجات والأولاد وقد سبقوه إلى الجنة ، أو إلى من أعده الله له في الجنة من الحور العين والولدان المخلدين ، أو إلى جميع هؤلاء مسرورا مبتهجا بما أوتي من الخير والكرامة .

{ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره } قال الكلبي : لأن يمينه مغلولة إلى عنقه ، وتكون يده اليسرى خلفه . وقال قتادة ومقاتل : تفك ألواح صدره وعظامه ، ثم تدخل يده وتخرج من ظهره فيأخذ كتابه كذلك .

{ فسوف يدعو ثبورا } أي إذا قرأ كتابه قال : يا ويلاه يا ثبوراه ، والثبور الهلاك .

{ ويصلى سعيرا } أي يدخلها ويقاسي حر نارها وشدتها .

قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام .

وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديدها ، وروى إسماعيل المكي عن ابن كثير وكذلك خارجة عن نافع وكذلك روى إسماعيل المكي عن ابن كثير أنهم قرأوا بضم الياء وإسكان الصاد من أصلى يصلي .

{ إنه كان في أهله مسرورا } أي كان بين أهله في الدنيا مسرورا باتباع هواه وركوب شهوته بطرا أشرا لعدم خطور الآخرة بباله ، والجملة تعليل لما قبلها .

وجملة إنه ظن أن لن يحور تعليل لكونه كان في الدنيا في أهله مسرورا ، والمعنى : أن سبب ذلك السرور ظنه بأنه لا يرجع إلى الله ولا يبعث للحساب والعقاب لتكذيبه بالبعث وجحده للدار الآخرة ، وأن في قوله : أن لن يحور هي المخففة من الثقيلة سادة مع ما في حيزها مسد مفعولي ظن ، والحور في اللغة : الرجوع ، يقال حار يحور : إذا رجع ، وقال الراغب : الحور : التردد في الأمر ، ومنه : نعوذ بالله من الحور بعد الكور : أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه ، ومحاورة الكلام مراجعته ، والمحار : المرجع والمصير .

قال عكرمة وداود بن أبي هند : يحور : كلمة بالحبشية ومعناها يرجع .

قال القرطبي : الحور في كلام العرب : الرجوع ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور ) يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة ، وكذلك الحور بالضم ، وفي المثل حور في محار : أي نقصان في نقصان ، ومنه قول الشاعر : والدم يسفى وراد القوم في حور والحور أيضا الهلكة ، ومنه قول الراجز : في بئر لا حور سرا وما شعر قال أبو عبيدة : أي في بئر حور ، ولا زائدة .

{ بلى إن ربه كان به بصيرا } بلى إيجاب للمنفي بلن : أي بلى ليحورن وليبعثن .

ثم علل ذلك بقوله : إن ربه كان به بصيرا أي كان به وبأعماله عالما لا يخفى عليه منها خافية .

قال الزجاج : كان به بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إليه .

فلا أقسم بالشفق لا زائدة كما تقدم في أمثال هذه العبارة ، وقد قدمنا الاختلاف فيها في سورة القيامة فارجع إليه ، والشفق : الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة .

قال الواحدي : هذا قول المفسرين وأهل اللغة جميعا .

قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر ، وحكاه القرطبي عن أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء .

وقال أسد بن عمر وأبو حنيفة : في إحدى الروايتين عنه إنه البياض ، ولا وجه لهذا القول ولا متمسك له لا من لغة العرب ولا من الشرع .

قال الخليل : الشفق الحمرة من غروب الشمس ، وحمرتها في أول الليل إلى قريب العتمة ، وكتب اللغة والشرع مطبقة على هذا ، ومنه قول الشاعر : قم يا غلام أعني غير مرتبك على الزمان بكأس حشوها شفق وقال آخر : أحمر اللون كحمرة الشفق وقال مجاهد : الشفق النهار كله ألا تراه قال : والليل وما وسق وقال عكرمة : هو ما بقي من النهار ، وإنما قالا هذا لقوله بعده والليل وما وسق فكأنه تعالى أقسم بالضياء والظلام ، ولا وجه لهذا ، على أنه قد روي عن عكرمة أنه قال : الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء ، وروي عن أسد بن عمر : الرجوع والليل وما وسق الوسق عند أهل اللغة : ضم الشيء بعضه إلى بعض ، يقال استوسقت الإبل : إذا اجتمعت وانضمت ، والراعي يسقها : أي يجمعها .

قال الواحدي : المفسرون يقولون : وما جمع وضم وحوى ولف ، والمعنى : أنه جمع وضم ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه ، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل شيء إلى مأواه ، ومنه قول ضابئ بن الحرث البرجمي : فإني وإياكم وسوقا إليكم كقابض شيئا لم تنله أنامله وقال عكرمة وما وسق أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوي ، فجعله من السوق لا من الجمع ، وقيل وما وسق أي وما جن وستر ، وقيل : وما وسق أي وما حمل ، وكل شيء حملته فقد وسقته ، والعرب تقول : لا أحمله ما وسقت عيني الماء : أي حملته ، ووسقت الناقة تسق وسقا : أي حملت . قال قتادة والضحاك ومقاتل بن سليمان : وما وسق وما حمل من الظلمة ، أو حمل من الكواكب .

قال القشيري : ومعنى حمل ضم وجمع ، والليل يحمل بظلمته كل شيء . وقال سعيد بن جبير : وما وسق : أي وما عمل فيه من التهجد والاستغفار بالأسحار ، والأول أولى .

والقمر إذا اتسق أي اجتمع وتكامل .

قال الفراء : اتساقه امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثالث عشر ورابع عشر إلى ست عشرة ، وقد افتعل من الوسق الذي هو الجمع . قال الحسن : اتسق امتلأ واجتمع . وقال قتادة : استدار ، يقال وسقته فاتسق ، كما يقال وصلته فاتصل ، ويقال أمر فلان متسق : أي مجتمع منتظم ، ويقال اتسق الشيء : إذا تتابع .

{ لتركبن طبقا عن طبق } هذا جواب القسم .

قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو " لتركبن " بفتح الموحدة على أنه خطاب للواحد ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يصلح له ، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ومسروق وأبي وائل ومجاهد والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير وقرأ الباقون بضم الموحدة خطابا للجمع وهم الناس . قال الشعبي ومجاهد : لتركبن يا محمد سماء بعد سماء قال الكلبي : يعني تصعد فيها ، وهذا على القراءة الأولى ، وقيل درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ورفعة المنزلة ، وقيل المعنى : لتركبن حالا بعد حال كل حالة منها مطابقة لأختها في الشدة ، وقيل المعنى : لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حيا وميتا وغنيا وفقيرا ، فالخطاب للإنسان المذكور في قوله : { ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا } واختار أبو عبيد وأبو الحاتم القراءة الثانية قالا : لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم .

وقرأ عمر " ليركبن " بالتحتية وضم الموحدة على الإخبار ، وروي عنه وعن ابن عباس أنهما قرآ بالغيبة وفتح الموحدة : أي ليركبن الإنسان ، وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهم قرآ بكسر حرف المضارعة وهي لغة ، وقرئ بفتح حرف المضارعة وكسر الموحدة على أنه خطاب للنفس .

وقيل إن معنى الآية : ليركبن القمر أحوالا من سرار واستهلال ، وهو بعيد . قال مقاتل طبقا عن طبق يعني الموت والحياة . وقال عكرمة : رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ .

ومحل عن طبق النصب على أنه صفة ل طبقا أي طبقا مجاوزا لطبق ، أو على الحال من ضمير لتركبن : أي مجاوزين ، أو مجاوزا .

{ فما لهم لا يؤمنون } الاستفهام للإنكار ، والفاء لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة أو من غيرها على الاختلاف السابق ، والمعنى : أي شيء للكفار لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من القرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك .

{ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } هذه الجملة الشرطية وجوابها في محل نصب على الحال : أي أي مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن . قال الحسن وعطاء والكلبي ومقاتل : ما لهم لا يصلون . وقال أبو مسلم : المراد الخضوع والاستكانة .

وقيل المراد نفس السجود المعروف بسجود التلاوة .

وقد وقع الخلاف هل هذا الموضع من مواضع السجود عند التلاوة أم لا ؟ وقد تقدم في فاتحة هذه السورة الدليل على السجود .

{ بل الذين كفروا يكذبون } أي يكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الكتاب المشتمل على إثبات التوحيد والبعث والثواب والعقاب .

{ والله أعلم بما يوعون } أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب ، وقال مقاتل : يكتمون من أفعالهم .

وقال ابن زيد : يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة ، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه ، ومنه قول الشاعر : الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد

ويقال وعاه حفظه ، ووعيت الحديث أعيه وعيا ، ومنه { أذن واعية } [ الحاقة : 12 ] .

{ فبشرهم بعذاب أليم } أي اجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم ؛ لأن علمه سبحانه بذلك على الوجه المذكور موجب لتعذيبهم ، والأليم المؤلم الموجع ، والكلام خارج مخرج التهكم بهم .

{ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } هذا الاستثناء منقطع : أي لكن الذين جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح لهم أجر عند الله غير ممنون : أي غير مقطوع ، يقال مننت الحبل : إذا قطعته ، ومنه قول الشاعر : فترى خلفهن من سرعة الرج ع منينا كأنه أهباء قال المبرد : المنين الغبار ؛ لأنه تقطعه وراءها ، وكل ضعيف منين وممنون ، وقيل معنى غير ممنون أنه لا يمن عليهم به ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا إن أريد من آمن منهم .

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله : { إذا السماء انشقت } قال : تنشق السماء من المجرة .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وأذنت لربها وحقت } قال : سمعت حين كلمها .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه { وأذنت لربها وحقت } قال : أطاعت وحقت بالطاعة .

وأخرج الحاكم عنه وصححه قال : سمعت وأطاعت { وإذا الأرض مدت } قال : يوم القيامة وألقت ما فيها قال : أخرجت ما فيها من الموتى وتخلت عنهم .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا وألقت ما فيها قال : سواري الذهب .

وأخرج الحاكم - قال السيوطي بسند جيد - عن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ، ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا موضع قدميه ) .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { إنك كادح إلى ربك كدحا } قال : عامل عملا فملاقيه قال : فملاق عملك .

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس أحد يحاسب إلا هلك ، فقلت أليس يقول الله : { فأما من أوتي كتابه بيمينه } { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } ؟ قال : ليس ذلك بالحساب ولكن ذلك العرض ، ومن نوقش الحساب هلك ) .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن عائشة قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته : اللهم حاسبني حسابا يسيرا ، فلما انصرف قلت يا رسول الله ما الحساب اليسير ؟ قال : أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب هلك ) وفي بعض ألفاظ الحديث الأول وهذا الحديث الآخر ( من نوقش الحساب عذب ) .

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حسابا يسيرا ويدخله الجنة برحمته : تعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ) .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : يدعو ثبورا قال : الويل .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه إنه ظن أن لن يحور قال يبعث .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا أن لن يحور قال : أن لن يرجع .

وأخرج سمويه في فوائده عن عمر بن الخطاب قال : الشفق : الحمرة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : الشفق : النهار كله .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { والليل وما وسق } قال : وما دخل فيه .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه وما وسق قال : وما جمع .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : والقمر إذا اتسق قال : إذا استوى .

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : { والليل وما وسق } قال : وما جمع ، أما سمعت قوله : إن لنا قلائصا نقانقا مستوسقات لو يجدن سائقا

وأخرج عبد بن حميد عنه والقمر إذا اتسق قال : ليلة ثلاثة عشر .

وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب { لتركبن طبقا عن طبق } حالا بعد حال ، وأخرج البخاري عن ابن عباس { لتركبن طبقا عن طبق } حالا بعد حال ، قال : هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم .

وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ " لتركبن طبقا عن طبق " يعني بفتح الباء من تركبن .

وقال : يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم حالا بعد حال .

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عنه قال : " لتركبن " يا محمد السماء طبقا عن طبق .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى والطبراني وابن منده وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ " لتركبن " يعني بفتح الباء .

وقال لتركبن يا محمد سماء بعد سماء .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنه لتركبن طبقا عن طبق قال : يعني السماء تنفطر ، ثم تنشق ، ثم تحمر .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عنه أيضا في الآية قال : السماء تكون كالمهل ، وتكون وردة كالدهان ، وتكون واهية ، وتشقق فتكون حالا بعد حال .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { والله أعلم بما يوعون } قال : يسرون .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1601 - 1603
counter free hit invisible