<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت والسماء ذات البروج بمكة .

وأخرج أحمد قال : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا زريق بن أبي سلمى ، حدثنا أبو المهزم ، عن أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج ، والسماء والطارق ) .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي ، وحسنه والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في سننه عن جابر بن سمرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { والسماء ذات البروج } { واليوم الموعود } { وشاهد ومشهود } { قتل أصحاب الأخدود } { النار ذات الوقود } { إذ هم عليها قعود } { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } { الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد } { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير } { إن بطش ربك لشديد } { إنه هو يبدئ ويعيد } { وهو الغفور الودود } { ذو العرش المجيد } { فعال لما يريد } { هل أتاك حديث الجنود } { فرعون وثمود } { بل الذين كفروا في تكذيب } { والله من ورائهم محيط } { بل هو قرآن مجيد } { في لوح محفوظ }

قوله : { والسماء ذات البروج } قد تقدم الكلام في البروج عند تفسير قوله : { جعل في السماء بروجا } [ الفرقان : 61 ] قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك : هي النجوم ، والمعنى : والسماء ذات النجوم . وقال عكرمة ومجاهد أيضا : هي قصور في السماء . وقال المنهال بن عمرو : ذات الخلق الحسن .

وقال أبو عبيدة ويحيى بن سلام وغيرهما : هي المنازل للكواكب ، وهي اثنا عشر برجا لاثني عشر كوكبا ، وهي الحمل ، والثور والجوزاء ، والسرطان والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت .

والبروج في كلام العرب : القصور ، ومنه قوله : { ولو كنتم في بروج مشيدة } [ النساء : 78 ] شبهت منازل هذه النجوم بالقصور لكونها تنزل فيها ، وقيل هي أبواب السماء ، وقيل هي منازل القمر ، وأصل البرج الظهور ، سميت بذلك لظهورها .

واليوم الموعود أي الموعود به ، وهو يوم القيامة .

قال الواحدي : في قول جميع المفسرين وشاهد ومشهود المراد بالشاهد من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق : أي يحضر فيه والمراد بالمشهود ما يشاهد في ذلك اليوم من العجائب وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الشاهد يوم الجمعة ، وأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه ، والمشهود يوم عرفة ؛ لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج ، وتحضره الملائكة .

قال الواحدي : وهذا قول الأكثر .

وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى . وقال سعيد بن المسيب : الشاهد يوم التروية ، والمشهود يوم عرفة . وقال النخعي : الشاهد يوم عرفة ، والمشهود يوم النحر ، وقيل الشاهد هو الله سبحانه .

وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ، لقوله : { وكفى بالله شهيدا } [ الفتح : 28 ] وقوله : { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } [ الأنعام : 19 ] وقيل الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [ النساء : 41 ] وقوله : { ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } [ الأحزاب : 45 ] وقوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } [ البقرة : 143 ] وقيل الشاهد جميع الأنبياء لقوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } وقيل هو عيسى ابن مريم لقوله : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [ المائدة : 117 ] والمشهود على هذه الأقوال الثلاثة إما أمة محمد ، أو أمم الأنبياء ، أو أمة عيسى .

وقيل الشاهد آدم والمشهود ذريته .

وقال محمد بن كعب : الشاهد الإنسان لقوله : { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } [ الإسراء : 14 ] وقال مقاتل : أعضاؤه لقوله : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } [ النور : 24 ] وقال الحسين بن الفضل : الشاهد هذه الأمة ، والمشهود سائر الأمم لقوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } [ البقرة : 143 ] وقيل الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم ، وقيل الأيام والليالي .

وقيل الشاهد الخلق يشهدون لله عز وجل بالوحدانية ، والمشهود له بالوحدانية هو الله سبحانه ، وسيأتي بيان ما ورد في تفسير الشاهد والمشهود ، وبيان ما هو الحق إن شاء الله .

قتل أصحاب الأخدود هذا جواب القسم ، واللام فيه مضمرة ، وهو الظاهر ، وبه قال الفراء وغيره ، وقيل تقديره : لقد قتل ، فحذفت اللام و " قد " وعلى هذا تكون الجملة خبرية ، والظاهر أنها دعائية ؛ لأن معنى قتل لعن .

قال الواحدي : في قول الجميع ، والدعائية لا تكون جوابا للقسم ، فقيل الجواب قوله : إن الذين فتنوا المؤمنين وقيل قوله : إن بطش ربك لشديد وبه قال المبرد : واعترض عليه بطول الفصل وقيل هو مقدر يدل عليه قوله : قتل أصحاب الأخدود كأنه قال أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود ، وقيل تقدير الجواب : لتبعثن ، واختاره ابن الأنباري .

وقال أبو حاتم السجستاني وابن الأنباري أيضا : في الكلام تقديم وتأخير : أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج ، واعترض عليه بأنه لا يجوز أن يقال : والله قام زيد . والأخدود : الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق ، وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجاري الدموع ، والمخدة لأن الخد يوضع عليها ، ويقال تخدد وجه الرجل : إذا صارت فيه أخاديد من خراج ، ومنه قول طرفة : ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد

وسيأتي بيان حديث أصحاب الأخدود إن شاء الله .

قرأ الجمهور النار ذات الوقود بجر النار على أنها بدل اشتمال من الأخدود لأن الأخدود مشتمل عليها ، وذات الوقود وصف لها بأنها نار عظيمة والوقود : الحطب الذي توقد به ، وقيل هو بدل كل من كل ، لا بدل اشتمال .

وقيل إن النار مخفوضة على الجوار ، كذا حكى مكي عن الكوفيين .

وقرأ الجمهور بفتح الواو من الوقود ، وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم بضمها .

وقرأ أشهب العقيلي وأبو حيوة وأبو السماك العدوي وابن السميفع وعيسى برفع " النار " على أنها خبر مبتدأ محذوف : أي هي النار ، أو على أنها فاعل فعل محذوف : أي أحرقتهم النار .

إذ هم عليها قعود العامل في الظرف قتل : أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين على ما يدنو منها ، ويقرب إليها . قال مقاتل : يعني عند النار قعود يعرضونهم على الكفر . وقال مجاهد : كانوا قعودا على الكراسي عند الأخدود .

وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود أي الذين خدوا الأخدود ، وهم الملك وأصحابه ، على ما يفعلون بالمؤمنين من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم شهود : أي حضور ، أو يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به .

وقيل يشهدون بما فعلوا يوم القيامة ، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم .

وقيل على بمعنى مع ، والتقدير : وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود .

قال الزجاج : أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن يحرقوا بالنار في الله .

وما نقموا منهم أي ما أنكروا عليهم ولا عابوا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد : أي إلا أن صدقوا بالله الغالب المحمول في كل حال .

قال الزجاج : ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم ، وهذا كقوله : { هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله } [ المائدة : 59 ] وهذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله : لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم يسلو عن الأهل والأوطان والحشم

وقال الآخر : ولا عيب فيها غير شكلة عينها كذاك عتاق الطير شكلا عيونها

قرأ الجمهور نقموا بفتح النون ، وقرأ أبو حيوة بكسرها ، والفصيح الفتح .

ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على العظم والفخامة فقال : { الذي له ملك السماوات والأرض } ومن كان هذا شأنه ، فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد { والله على كل شيء شهيد } من فعلهم بالمؤمنين لا يخفى عليه منه خافية ، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود ، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين .

ثم بين سبحانه ما أعد لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } : أي حرقوهم بالنار ، والعرب تقول : فتنت الشيء : أي أحرقته ، وفتنت الدرهم والدينار : إذا أدخلته النار لتنظر جودته .

ويقال دينار مفتون ، ويسمى الصائغ الفتان .

ومنه قوله : { يوم هم على النار يفتنون } [ الذاريات : 13 ] أي يحرقون ، وقيل معنى فتنوا المؤمنين : محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه ، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم ويرجعوا عن كفرهم وفتنتهم ، فلهم عذاب جهنم : أي لهم في الآخرة عذاب جهنم بسبب كفرهم ، والجملة في محل رفع على أنها خبر إن ، أو الخبر لهم ، وعذاب جهنم مرتفع به على الفاعلية ، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، ولا يضر نسخه بـ " أن " خلافا للأخفش ، ولهم عذاب الحريق : أي ولهم عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم ، وهو عذاب الحريق الذي وقع منهم للمؤمنين ، وقيل إن الحريق اسم من أسماء النار كالسعير ، وقيل إنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير ثم يعذبون بعذاب الحريق ، فالأول عذاب ببردها ، والثاني عذاب بحرها . وقال الربيع بن أنس : إن عذاب الحريق أصيبوا به في الدنيا ، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم ، وبه قال الكلبي .

ثم ذكر سبحانه ما أعد للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وظاهر الآية العموم ، فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود بسبب إيمانهم دخولا أوليا ، والمعنى : أن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } : أي لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح جنات متصفة بهذه الصفة .

وقد تقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع ، وأوضحنا أنه إن أريد بالجنات الأشجار فجري الأنهار من تحتها واضح ، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر وهو الشجر لأنها ساترة لساحتها ، والإشارة بقوله : ذلك إلى ما تقدم ذكره مما أعده الله لهم : أي ذلك المذكور الفوز الكبير الذي لا يعدله فوز ولا يقاربه ولا يدانيه ، والفوز الظفر بالمطلوب .

وجملة { إن بطش ربك لشديد } مستأنفة لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم مبنية لما عند الله سبحانه من الجزاء لمن عصاه ، والمغفرة لمن أطاعه : أي أخذه للجبابرة والظلمة شديد ، والبطش : الأخذ بعنف ، ووصفه بالشدة يدل على أنه قد تضاعف وتفاقم ، ومثل هذا قوله : { إن أخذه أليم شديد } [ هود : 102 ] .

{ إنه هو يبدئ ويعيد } أي يخلق أولا في الدنيا ويعيدهم أحياء بعد الموت .

كذا قال الجمهور ، وقيل يبدئ للكفار عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده لهم في الآخرة ، واختار هذا ابن جرير ، والأول أولى .

{ وهو الغفور الودود } أي بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها ، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه . قال مجاهد : الواد لأوليائه ، فهو فعول بمعنى فاعل . وقال ابن زيد : معنى الودود الرحيم .

وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له ، وأنشد : وأركب في الروع عريانة ذلول الجناح لقاحا ودودا

أي لا ولد لها تحن إليه .

وقيل الودود بمعنى المودود : أي يوده عباده الصالحون ويحبونه ، كذا قال الأزهري : قال : ويجوز أن يكون فعول بمعنى فاعل : أي يكون محبا لهم .

قال : وكلتا الصفتين مدح ؛ لأنه جل ذكره إن أحب عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه .

قرأ الجمهور ذو العرش المجيد برفع المجيد على أنه نعت ل " ذو " واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قالا : لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل ، والله سبحانه هو المنعوت بذلك .

وقرأ الكوفيون إلا عاصما بالجر على أنه نعت للعرش .

وقد وصف سبحانه عرشه بالكرم كما في آخر سورة المؤمنون .

وقيل هو نعت لربك ، ولا يضر الفصل بينهما لأنها صفات لله سبحانه .

وقال مكي : هو خبر بعد خبر ، والأول أولى .

ومعنى ذو العرش : ذو الملك والسلطان كما يقال : فلان على سرير ملكه ، ومنه قول الشاعر : رأوا عرشي تثلم جانباه فلما أن تثلم أفردوني

وقول الآخر : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب

وقيل المراد خالق العرش .

{ فعال لما يريد } أي من الإبداء والإعادة .

قال عطاء : لا يعجز عن شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه ، وارتفاع فعال على أنه خبر مبتدأ محذوف .

قال الفراء : هو رفع على التكرير والاستئناف ؛ لأنه نكرة محضة .

قال ابن جرير : رفع فعال وهو نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب الغفور الودود ، وإنما قال فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة .

ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال : { هل أتاك حديث الجنود } والجملة مستأنفة مقررة لما تقدم من شدة بطشه سبحانه وكونه فعالا لما يريده ، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم المتجندة عليها .

ثم بينهم فقال : فرعون وثمود وهو بدل من الجنود .

والمراد بفرعون هو وقومه ، والمراد بثمود القوم المعروفون ، والمراد بحديثهم ما وقع منهم من الكفر والعناد وما وقع عليهم من العذاب ، وقصتهم مشهورة قد تكرر في الكتاب العزيز ذكرها في غير موضع ، واقتصر على الطائفتين لاشتهار أمرهما عند أهل الكتاب وعند مشركي العرب ودل بهما على أمثالهما .

ثم أضرب عن مماثلة هؤلاء الكفار الموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم لمن تقدم ذكره ، وبين أنهم أشد منهم في الكفر والتكذيب فقال : { بل الذين كفروا في تكذيب } أي بل هؤلاء المشركون من العرب في تكذيب شديد لك ، ولما جئت به ، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار .

{ والله من ورائهم محيط } أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك ، والإحاطة بالشيء : الحصر له من جميع جوانبه ، فهو تمثيل لعدم نجاتهم بعدم فوت المحاط به على المحيط .

ثم رد سبحانه تكذيبهم بالقرآن فقال : { بل هو قرآن مجيد } أي متناه في الشرف والكرم والبركة لكونه بيانا لما شرعه الله لعباده من أحكام الدين والدنيا ، وليس هو كما يقولون إنه شعر وكهانة وسحر .

{ في لوح محفوظ } أي مكتوب في لوح ، وهو أم الكتاب محفوظ عند الله من وصول الشياطين إليه .

قرأ الجمهور محفوظ بالجر على أنه نعت للوح وقرأ نافع برفعه على أنه نعت للقرآن : أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح .

واتفق القراء على فتح اللام من لوح إلا يحيى بن يعمر وابن السميفع فإنهما قرآ بضمها . قال مقاتل : اللوح المحفوظ عن يمين العرش .

قيل والمراد باللوح بضم اللام : الهواء الذي فوق السماء السابعة .

قال أبو الفضل : اللوح بضم اللام : الهواء ، وكذا قال ابن خالويه .

قال في الصحاح : اللوح بالضم : الهواء بين السماء والأرض .

وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : البروج قصور في السماء .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السماء ذات البروج فقال : الكواكب ، وسئل عن قوله : { الذي جعل في السماء بروجا } [ الفرقان : 61 ] قال : الكواكب ، وعن قوله : { في بروج مشيدة } [ النساء : 78 ] قال : القصور ) .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { واليوم الموعود وشاهد ومشهود } قال : اليوم الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، وهو الحج الأكبر ، فيوم الجمعة جعله الله عيدا لمحمد وأمته وفضله بها على الخلق أجمعين وهو سيد الأيام عند الله ، وأحب الأعمال فيه إلى الله ، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليوم الموعود يوم القيامة ، واليوم المشهود يوم عرفة ، والشاهد يوم الجمعة ، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه ، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له ، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه منه ) .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رفعه ( وشاهد ومشهود قال : الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة ، والمشهود هو الموعود يوم القيامة ) .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : اليوم الموعود يوم القيامة ، والمشهود يوم النحر ، والشاهد يوم الجمعة .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليوم الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ) .

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية : ( الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ) .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وأبي هريرة مثله موقوفا .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد ، والمشهود يوم عرفة ) وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب .

وأخرج ابن ماجه والطبراني وابن جرير عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة ، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة ) .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب في الآية قال : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي أن رجلا سأله عن قوله : { وشاهد ومشهود } قال : هل سألت أحدا قبلي ؟ قال : نعم سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا : يوم الذبح ويوم الجمعة . قال : لا ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [ النساء : 41 ] والمشهود يوم القيامة ، ثم قرأ { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } [ هود : 103 ] .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه عن الحسين بن علي في الآية قال : الشاهد جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمشهود يوم القيامة ، ثم تلا { إنا أرسلناك شاهدا } [ الأحزاب : 45 ] { ذلك يوم مشهود } .

وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي الدنيا والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال : اليوم الموعود يوم القيامة والشاهد محمد صلى الله عليه وسلم ، والمشهود يوم القيامة ، ثم تلا { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } [ هود : 103 ] وأخرج ابن جرير عنه قال : الشاهد الله ، والمشهود يوم القيامة .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : الشاهد الله .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : الشاهد الله ، والمشهود يوم القيامة .

قلت : وهذه التفاسير عن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفت كما ترى ، وكذلك اختلفت تفاسير التابعين بعدهم واستدل من استدل منهم بآيات ذكر الله فيها أن ذلك الشيء شاهد أو مشهود ، فجعله دليلا على أنه المراد بالشاهد والمشهود في هذه الآية المطلقة ، وليس ذلك بدليل يستدل به على أن الشاهد والمشهود المذكورين في هذا المقام هو ذلك الشاهد والمشهود الذي ذكر في آية أخرى ، وإلا لزم أن يكون قوله هنا وشاهد ومشهود هو جميع ما أطلق عليه في الكتاب العزيز أو السنة المطهرة أنه يشهد أو أنه مشهود ، وليس بعض ما استدلوا به مع اختلافه بأولى من بعض ، ولم يقل قائل بذلك .

فإن قلت : هل في المرفوع الذي ذكرته من حديثي أبي هريرة ، وحديث أبي مالك ، وحديث جبير بن مطعم ومرسل سعيد بن المسيب ما يعين هذا اليوم الموعود ، والشاهد والمشهود ؟ قلت : أما اليوم الموعود فلم تختلف هذه الروايات التي ذكر فيها ، بل اتفقت على أنه يوم القيامة ، وأما الشاهد ففي حديث أبي هريرة الأول أنه يوم الجمعة ، وفي حديثه الثاني أنه يوم الجمعة ، وفي مرسل سعيد أنه يوم الجمعة ، وفي حديثه الثاني أنه يوم عرفة ويوم الجمعة ، وفي حديث أبي مالك أنه يوم الجمعة ، وفي حديث جبير أنه يوم الجمعة ، وفي مرسل سعيد أنه يوم الجمعة ، فاتفقت هذه الأحاديث عليه ، ولا تضر زيادة يوم عرفة عليه في حديث أبي هريرة الثاني ، وأما المشهود ففي حديث أبي هريرة الأول أنه يوم عرفة ، وفي حديثه الثاني أنه يوم القيامة ، وفي حديث أبي مالك أنه يوم عرفة ، وفي حديث جبير بن مطعم أنه يوم عرفة ، وكذا في حديث سعيد فقد تعين في هذه الروايات أنه يوم عرفة ، وهي أرجح من تلك الرواية التي صرح فيها بأنه يوم القيامة ، فحصل من مجموع هذا رجحان ما ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ، وأما اليوم الموعود فقد قدمنا أنه وقع الإجماع على أنه يوم القيامة .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كان ملك من الملوك فيمن كان قبلكم ، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال له ذلك الكاهن : انظروا لي غلاما فهما ، أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي ، فإني أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه ، قال : فنظروا له على ما وصف ، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه ، فجعل الغلام يختلف إليه ، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة ، فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به ، فلم يزل به حتى أخبره فقال : إنما أعبد الله ، فجعل الغلام يمكث عند هذا الراهب ويبطئ على الكاهن ، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني ، فأخبر الغلام الراهب بذلك ، فقال له الراهب : إذا قال لك أين كنت ؟ فقل عند أهلي ، وإذا قال لك أهلك أين كنت ؟ فأخبرهم أني كنت عند الكاهن ، فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة ، يقال إنها كانت أسدا ، فأخذ الغلام حجرا فقال : اللهم إن كان ما يقول ذلك الراهب حقا فأسألك أن أقتل هذه الدابة وإن كان ما يقول الكاهن حقا فأسألك أن لا أقتلها ، ثم رمى فقتل الدابة ، فقال الناس : من قتلها ؟ فقالوا الغلام ، ففزع الناس وقالوا : قد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد ، فسمع أعمى فجاءه فقال له : إن أنت رددت علي بصري فلك كذا وكذا ، فقال الغلام : لا أريد منك هذا ، ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك ؟ قال نعم ، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى ، فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتى بهم فقال : لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه ، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله ، وقتل الآخر بقتلة أخرى ، ثم أمر بالغلام فقال : انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه ، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل ، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام ، ثم رجع الغلام فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه ، فانطلقوا به إلى البحر ، فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه ، فقال الغلام للملك : إنك لن تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني : بسم الله رب الغلام ، فأمر به فصلب ثم رماه وقال : بسم الله رب الغلام ، فوقع السهم في صدغه ، فوضع الغلام يده على موضع السهم ثم مات ، فقال الناس : لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد ، فإنا نؤمن برب هذا الغلام ، فقيل للملك : أجزعت أن خالفك ثلاثة ، فهذا العالم كلهم قد خالفوك ، قال : فخد أخدودا ثم ألقي فيه الحطب والنار ، ثم جمع الناس فقال : من رجع عن دينه تركناه ، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار ، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود ، فقال : يقول الله : { قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود } حتى بلغ العزيز الحميد ) فأما الغلام فإنه دفن ، ثم أخرج ، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل .

ولهذه القصة ألفاظ فيها بعض اختلاف .

وقد رواها مسلم في أواخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب .

وأخرجها أحمد من طريق عفان عن حماد به .

وأخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن حماد بن سلمة به .

وأخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت به .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله : { أصحاب الأخدود } قال : هم الحبشة .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : هم ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا في الأرض أوقدوا فيه نارا ، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء ، فعرضوا عليها .

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : { والسماء ذات البروج } إلى قوله : { وشاهد ومشهود } قال : هذا قسم على { إن بطش ربك لشديد } إلى آخرها .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { إنه هو يبدئ ويعيد } قال : يبدئ العذاب ويعيده .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : الودود قال : الحبيب ، وفي قوله : { ذو العرش المجيد } قال : الكريم .

وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : في لوح محفوظ قال : أخبرت أنه لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر ، وإن ذلك اللوح من نور ، وإنه مسيرة ثلاثمائة سنة .

وأخرج ابن جرير عن أنس قال : إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في قوله : { بل هو قرآن مجيد } { في لوح محفوظ } في جبهة إسرافيل .

وأخرج أبو الشيخ ، قال السيوطي بسند جيد عن ابن عباس قال : خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام ، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق : اكتب علمي في خلقي ، فجرى ما هو كائن إلى يوم القيامة اهـ .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1604 - 1607
counter free hit invisible