<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة الطارق وهي مكية .

قال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد - قال : عبد الله وسمعته أنا منه - حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي ، ( عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني ، عن أبيه : أنه أبصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو : عصا - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر ، فسمعته يقول : " { والسماء والطارق } " حتى ختمها - قال : فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ، ثم قرأتها في الإسلام - قال : فدعتني ثقيف فقالوا : ماذا سمعت من هذا الرجل ؟ فقرأتها عليهم ، فقال من معهم من قريش : نحن أعلم بصاحبنا ، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه ) .

وقال النسائي : حدثنا عمرو بن منصور ، حدثنا أبو نعيم ، عن مسعر ، عن محارب بن دثار ، عن جابر قال : ( صلى معاذ المغرب ، فقرأ البقرة والنساء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أفتان يا معاذ ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق ، { والشمس وضحاها } ، ونحو هذا ؟ " ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والسماء والطارق } ( 1 ) { وما أدراك ما الطارق } ( 2 ) { النجم الثاقب } ( 3 ) { إن كل نفس لما عليها حافظ } ( 4 ) { فلينظر الإنسان مم خلق } ( 5 ) { خلق من ماء دافق } ( 6 ) { يخرج من بين الصلب والترائب } ( 7 ) { إنه على رجعه لقادر } ( 8 ) { يوم تبلى السرائر } ( 9 ) { فما له من قوة ولا ناصر } ( 10 ) )

يقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة ; ولهذا قال : ( { والسماء والطارق } ) ثم قال ( { وما أدراك ما الطارق } ) ثم فسره بقوله : ( { النجم الثاقب } ) قال قتادة وغيره : إنما سمي النجم طارقا ; لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار . ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح : ( نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا ) أي : يأتيهم فجأة بالليل . وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء : ( " إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن " ) . وقوله : ( { الثاقب } ) قال ابن عباس : المضيء . وقال السدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها . وقال عكرمة : هو مضيء ومحرق للشيطان .

وقوله : ( { إن كل نفس لما عليها حافظ } ) أي : كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات ، كما قال تعالى : ( { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ) الآية [ الرعد : 11 ] .

وقوله : ( { فلينظر الإنسان مم خلق } ) تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه ، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد ; لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى ، كما قال : ( { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ) [ الروم : 27 ] .

وقوله : ( { خلق من ماء دافق } ) يعني : المني ; يخرج دفقا من الرجل ومن المرأة ، فيتولد منهما الولد بإذن الله ، - عز وجل - ; ولهذا قال : ( { يخرج من بين الصلب والترائب } ) يعني : صلب الرجل وترائب المرأة ، وهو صدرها .

قال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( { يخرج من بين الصلب والترائب } ) صلب الرجل وترائب المرأة ، أصفر رقيق ، لا يكون الولد إلا منهما . وكذا قال سعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة والسدي ، وغيرهم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن مسعر : سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس : ( { يخرج من بين الصلب والترائب } ) قال : هذه الترائب . ووضع يده على صدره .

وقال الضحاك وعطية ، عن ابن عباس : تريبة المرأة موضع القلادة . وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الترائب : بين ثدييها . وعن مجاهد : الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر . وعنه أيضا : الترائب أسفل من التراقي . وقال سفيان الثوري : فوق الثديين . وعن سعيد بن جبير : الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل . وعن الضحاك : الترائب بين الثديين والرجلين والعينين .

وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة المدني : أنه بلغه في قول الله - عز وجل - : ( { يخرج من بين الصلب والترائب } ) قال : هو عصارة القلب ، من هناك يكون الولد . وعن قتادة : ( { يخرج من بين الصلب والترائب } ) من بين صلبه ونحره .

وقوله : ( { إنه على رجعه لقادر } ) فيه قولان :

أحدهما : على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك . قاله مجاهد ، وعكرمة ، وغيرهما .

والقول الثاني : إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق ، أي : إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر ; لأن من قدر على البدء قدر على الإعادة .

وقد ذكر الله ، - عز وجل - هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع ، وهذا القول قال به الضحاك ، واختاره ابن جرير ، ولهذا قال : ( { يوم تبلى السرائر } ) أي : يوم القيامة تبلى فيه السرائر ، أي : تظهر وتبدو ، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا . وقد ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( " يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال : هذه غدرة فلان بن فلان " ) .

وقوله : ( { فما له } ) أي : الإنسان يوم القيامة ( { من قوة } ) أي : في نفسه ( { ولا ناصر } ) أي : من خارج منه ، أي : لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ، ولا يستطيع له أحد ذلك .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 374 - 376
counter free hit invisible