<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ والسماء والطارق } { وما أدراك ما الطارق } { النجم الثاقب } { إن كل نفس لما عليها حافظ } .

افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه وتشويق إليه كما تقدم في سوابقها . ووقع القسم بمخلوقين عظيمين فيهما دلالة على عظيم قدرة خالقهما هما : السماء ، والنجوم ، أو نجم منها عظيم منها معروف ، أو ما يبدو انقضاضه من الشهب كما سيأتي .

والطارق : وصف مشتق من الطروق ، وهو المجيء ليلا ; لأن عادة العرب أن النازل بالحي ليلا يطرق شيئا من حجر أو وتد إشعارا لرب البيت أن نزيلا نزل به ; لأن نزوله يقضي بأن يضيفوه ، فأطلق الطروق على النزول ليلا مجازا مرسلا ، فغلب الطروق على القدوم ليلا .

وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء ، ثم زيد إبهاما مشوبا بتعظيم أمره بقوله : { وما أدراك ما الطارق } ثم بين بأنه { النجم الثاقب } ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم شبه طلوع النجم ليلا بطروق المسافر الطارق بيتا بجامع كونه ظهورا في الليل .

و ( ما أدراك ) استفهام مستعمل في تعظيم الأمر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما يدريك لعل الساعة قريب } في سورة الشورى ، وعند قوله : { وما أدراك ما الحاقة } وتقدم الفرق بين : ما يدريك ، وما أدراك .

وقوله : النجم خبر عن ضمير محذوف تقديره : هو ، أي : الطارق النجم الثاقب .

والثقب : خرق شيء ملتئم ، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل ، شبه النجم بمسمار أو نحوه ، وظهور ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لوح أو ثوب .

وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن ، وقد سبق قوله تعالى : { فأتبعه شهاب ثاقب } في سورة الصافات ، ووقع في تفسير القرطبي : والعرب تقول : اثقب نارك ، أي : أضئها ، وساق بيتا شاهدا على ذلك ولم يعزه إلى قائل .

والتعريف في النجم يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة : أقول والنجم قد مالت أواخره البيت

فيستغرق جميع النجوم استغراقا حقيقيا وكلها ثاقب ، فكأنه قيل : والنجوم ، إلا أن صيغة الإفراد في قوله : الثاقب ظاهر في إرادة فرد معين من النجوم ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالبا ، أي : والنجم الذي هو طارق .

ويناسب أن يكون نجما يطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لطروق الطارقين من السائرين ، ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد ، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس ، وبه سميت صلاة المغرب صلاة الشاهد .

روى النسائي أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : ( إن هذه الصلاة أي : صلاة العصر فرضت على من كان قبلكم فضيعوها إلى قوله : ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ) .

وقيل : أريد بـ الطارق نوع الشهب روي عن جابر بن زيد : أن النجم الطارق هو كوكب زحل ; لأنه مبرز على الكواكب بقوة شعاعه . وعنه : أنه الثريا ; لأن العرب تطلق عليها النجم علما بالغلبة . وعن ابن عباس : أنه نجوم برج الجدي ، ولعل ذلك النجم كان معهودا عند العرب ، واشتهر في ذلك في نجم الثريا .

وقيل : أريد بالطارق نوع الشهب ، أي لأن الشهاب ينقض فيلوح كأنه يجري في السماء كما يسير السائر الذي أدركه الليل . فالتعريف في لفظ النجم للاستغراق ، وخص عمومه بوقوعه خبرا عن ضمير الطارق أي أن الشهاب عند انقضاضه يرى سائرا بسرعة ثم يغيب عن النظر فيلوح كأنه استقر ، فأشبه إسراع السائر ليلا ليبلغ إلى أحياء المعمورة ، فإذا بلغها وقف سيره .

وجواب القسم هو قوله : { إن كل نفس لما عليها حافظ } جعل كناية تلويحية رمزية عن المقصود . وهو إثبات البعث فهو كالدليل على إثباته ، فإن إقامة الحافظ تستلزم شيئا يحفظه وهو الأعمال خيرها وشرها ، وذلك يستلزم إرادة المحاسبة عليها والجزاء بما تقتضيه جزاء مؤخرا بعد الحياة الدنيا لئلا تذهب أعمال العاملين سدى ، وذلك يستلزم أن الجزاء مؤخر إلى ما بعد هذه الحياة ، إذ المشاهد تخلف الجزاء في هذه الحياة بكثرة ، فلو أهمل الجزاء لكان إهماله منافيا لحكمة الإله الحكيم مبدع هذا الكون كما قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } وهذا الجزاء المؤخر يستلزم إعادة حياة للذوات الصادرة منها الأعمال .

فهذه لوازم أربعة بها كانت الكناية تلويحية رمزية .

وقد حصل مع هذا الاستدلال إفادة أن على الأنفس حفظة فهو إدماج .

والحافظ : هو الذي يحفظ أمرا ولا يهمله ليترتب عليه غرض مقصود .

وقرأ الجمهور ( لما ) بتخفيف الميم ، وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو جعفر وخلف بتشديد الميم .

فعلى قراءة تخفيف الميم تكون إن مخففة من الثقيلة ولما مركبة من اللام الفارقة بين إن النافية وإن المخففة من الثقيلة ومعها ما الزائدة بعد اللام للتأكيد وأصل الكلام : إن كل نفس لعليها حافظ . وعلى قراءة تشديد الميم تكون إن نافية ولما حرف بمعنى إلا فإن لما ترد بمعنى إلا في النفي وفي القسم ، تقول : سألتك لما فعلت كذا أي : إلا فعلت ، على تقدير : ما أسألك إلا فعل كذا فآلت إلى النفي وكل من إن المخففة وإن النافية يتلقى بها القسم .

وقد تضمن هذا الجواب زيادة على إفادته تحقيق الجزاء إنذارا للمشركين بأن الله يعلم اعتقادهم وأفعالهم وأنه سيجازيهم على ذلك .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 259 - 261
counter free hit invisible