<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

[ سورة الأعلى ]

تسع عشرة آية مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { سبح اسم ربك الأعلى } { الذي خلق فسوى } { والذي قدر فهدى } { والذي أخرج المرعى } { فجعله غثاء أحوى } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { سبح اسم ربك الأعلى } { الذي خلق فسوى } { والذي قدر فهدى } { والذي أخرج المرعى } { فجعله غثاء أحوى } ) اعلم أن قوله تعالى : ( { سبح اسم ربك الأعلى } ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : في قوله : ( { اسم ربك } ) قولان :

أحدهما : أن المراد الأمر بتنزيه اسم الله وتقديسه .

والثاني : أن الاسم صلة والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى .

أما على الوجه الأول ففي اللفظ احتمالات .

أحدها : أن المراد نزه اسم ربك عن أن تسمي به غيره ، فيكون ذلك نهيا على أن يدعى غيره باسمه ، كما كان المشركون يسمون الصنم باللات ، ومسيلمة برحمان اليمامة .

وثانيها : أن لا يفسر أسماؤه بما لا يصح ثبوته في حقه سبحانه نحو أن يفسر الأعلى بالعلو في المكان والاستواء بالاستقرار بل يفسر العلو بالقهر والاقتدار والاستواء بالاستيلاء .

وثالثها : أن يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم ، ويدخل فيه أن يذكر تلك الأسماء عند الغفلة وعدم الوقوف على معانيها وحقائقها .

ورابعها : أن يكون المراد بسبح اسم ربك ، أي مجده بأسمائه التي أنزلتها عليك وعرفتك أنها أسماؤه كقوله : ( { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ) [ الإسراء : 110 ] ونظير هذا التأويل قوله تعالى : ( { فسبح باسم ربك العظيم } ) [ الواقعة : 74 ] ومقصود الكلام من هذا التأويل أمران : أحدهما : ( { سبح اسم ربك الأعلى } ) ، أي صل باسم ربك ، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية .

والثاني : أن لا يذكر العبد ربه إلا بالأسماء التي ورد التوقيف بها ، قال الفراء : لا فرق بين ( { سبح اسم ربك } ) وبين ( سبح باسم ربك ) قال الواحدي : وبينهما فرق لأن معنى ( سبح باسم ربك ) نزه الله تعالى بذكر اسمه المنبئ عن تنزيهه وعلوه عما يقول المبطلون ، و ( { سبح اسم ربك } ) أي نزه الاسم من السوء وخامسها : قال أبو مسلم : المراد من الاسم هاهنا الصفة ، وكذا في قوله تعالى : ( { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ) [ الأعراف : 180 ] أما على الوجه الثاني وهو أن يكون الاسم صلة ويكون المعنى سبح ربك وهو اختيار جمع من المحققين ، قالوا : لأن الاسم في الحقيقة لفظة مؤلفة من حروف ولا يجب تنزيهها كما يجب في الله تعالى ، ولكن المذكور إذا كان في غاية العظمة لا يذكر هو بل يذكر اسمه فيقال : سبح اسمه ، ومجد ذكره ، كما يقال : سلام على المجلس العالي ، وقال لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

أي السلام وهذه طريقة مشهورة في اللغة ، ونقول على هذا الوجه : تسبيح الله يحتمل وجهين :

الأول : أن لا يعامل الكفار معاملة يقدمون بسببها على ذكر الله بما لا ينبغي على ما قال : ( { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ) [ الأنعام : 108 ] .

الثاني : أنه عبارة عن تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به ، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله ، وفي أسمائه وفي أحكامه ، أما في ذاته فأن يعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض ، وأما في صفاته ، فأن يعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة ، وأما في أفعاله فأن يعتقد أنه مالك مطلق ، فلا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور ، وقالت المعتزلة : هو أن يعتقد أن كل ما فعله فهو صواب حسن ، وأنه لا يفعل القبيح ولا يرضى به ، وأما في أسمائه فأن لا يذكر سبحانه إلا بالأسماء التي ورد التوقيف بها ، هذا عندنا وأما عند المعتزلة فهو أن لا يذكر إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه سواء ورد الإذن بها أو لم يرد ، وأما في أحكامه فهو أن يعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه . بل إما لمحض المالكية على ما هو قولنا ، أو لرعاية مصالح العباد على ما [ هو ] قول المعتزلة .



المسألة الثانية : من الناس من تمسك بهذه الآية في أن الاسم نفس المسمى ، فأقول : إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع ، فلا بد هاهنا من بيان أن الاسم ما هو والمسمى ما هو حتى يمكننا أن نخوض في الاسم هل هو نفس المسمى أم لا ، فنقول : وإن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ ، وبالمسمى تلك الذات ، فالعاقل لا يمكنه أن يقول : الاسم هو المسمى ، وإن كان المراد ، من الاسم هو تلك الذات ، وبالمسمى أيضا تلك الذات كان قولنا الاسم نفس المسمى ، هو أن تلك الذات نفس تلك الذات ، وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل ، فعلمنا أن هذه المسألة في وصفها ركيكة . وإن كان كذلك كان الخوض في ذكر الاستدلال عليه أرك وأبعد بل هاهنا دقيقة ، وهي أن قولنا : اسم لفظة جعلناها اسما لكل ما دل على معنى غير مقترن بزمان ، والاسم كذلك فيلزم أن يكون الاسم اسما لنفسه فهاهنا الاسم نفس المسمى فلعل العلماء الأولين ذكروا ذلك فاشتبه الأمر على المتأخرين ، وظنوا أن الاسم في جميع المواضع نفس المسمى ، هذا حاصل التحقيق في هذه المسألة ، ولنرجع إلى الكلام المألوف ، قالوا : الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى أن أحدا لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا فمعنى سبح اسم ربك سبح ربك ، والرب أيضا اسم فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه ، واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لما بينا في المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر واردا بتسبيح الاسم ، ويمكن أن يكون المراد تسبيح المسمى وذكر الاسم صلة فيه . ويمكن أن يكون المراد سبح باسم ربك كما يقال : ( { فسبح باسم ربك العظيم } ) ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه . المسألة الثالثة : روي عن عقبة بن عامر ( أنه لما نزل قوله تعالى : ( { فسبح باسم ربك العظيم } ) قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزل قوله : ( { سبح اسم ربك الأعلى } ) قال : " اجعلوها في سجودكم " ) ثم روي في الأخبار ( أنه عليه السلام كان يقول : في ركوعه : " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده : " سبحان ربي الأعلى " ) ثم من العلماء من قال : إن هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله : ( { سبح اسم ربك } ) أي صل باسم ربك ، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى : ( { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ) [ الروم : 17 ] ورد في بيان أوقات الصلاة .

المسألة الرابعة : قرأ علي عليه السلام وابن عمر : ( سبحان الأعلى الذي خلق فسوى ) ولعل الوجه فيه أن قوله : ( سبح ) أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله : سبحان ربي الأعلى .

المسألة الخامسة : تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله : ( { ربك الأعلى } ) والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال ، لأنه تعالى إما أن يكون متناهيا أو غير متناه ، فإن كان متناهيا كان طرفه الفوقاني متناهيا ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما إن كان غير متناه فالقول : بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضا فلأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه ، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهيا من بعض الجهات كان الجانب المتناهي مغايرا للجانب غير المتناهي فيكون مركبا من جزأين ، وكل مركب ممكن ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، وهذا محال . فثبت أن العلو هاهنا ليس بمعنى العلو في الجهة ، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما ما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم ، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ، والسورة هاهنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم ، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله : ( الأعلى ) بقوله : ( { الذي خلق فسوى } ) والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة .



المسألة السادسة : من الملحدين من قال : بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه ، أما العظيم فقوله : ( { فسبح باسم ربك العظيم } ) وأما الأعلى منه فقوله : ( { سبح اسم ربك الأعلى } ) فهذا يقتضي وجوب رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه .

واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال ، ثم نقول ليس في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات .

الأول : أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون ، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون ، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا ، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا ، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا .

الثاني : أن قوله : ( الأعلى ) تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه : ( الأعلى ) أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته ، وهو كما تقول : اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل . والثالث : أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير .

المسألة السابعة : روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول : " ( لو علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة ) " وروي : " أن عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي يسر على الحبلى ، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشا ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، ألا بلى ألا بلى ) فقالت عائشة : لا آب غائبكم ، ولا زالت نساؤكم في لزبة " والله أعلم .

أما قوله تعالى : ( { الذي خلق فسوى } { والذي قدر فهدى } ) فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالتسبيح ، فكأن سائلا قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة ، فما الدليل على وجود الرب ؟ فقال : ( { الذي خلق فسوى } { والذي قدر فهدى } ) واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند أكابر الأنبياء عليهم السلام والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ، أنه قال : ( { الذي خلقني فهو يهدين } ) [ الشعراء : 78 ] وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهارون عليهما السلام : ( { فمن ربكما ياموسى } ) [ طه : 49 ] ؟ قال موسى عليه السلام : ( { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ) [ طه : 50 ] وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله : ( { اقرأ باسم ربك الذي خلق } { خلق الإنسان من علق } ) [ العلق : 2 ] هذا إشارة إلى الخلق ، ثم قال : ( { اقرأ وربك الأكرم } { الذي علم بالقلم } ) [ العلق : 3 ] وهذا إشارة إلى الهداية ، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة في هذه السورة ، فقال : ( { الذي خلق فسوى } { والذي قدر فهدى } ) وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيرا لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر ، ومشاهدة الإنسان لها ، واطلاعه عليها أتم ، فلا جرم كانت أقوى في الدلالة ، ثم هاهنا مسائل :



المسألة الأولى : قوله : ( { خلق فسوى } ) يحتمل أن يريد به الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه ، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوها .

أحدها : أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة ، على ما قال : ( { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ) [ التين : 4 ] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه ، فقال : ( { فتبارك الله أحسن الخالقين } ) [ المؤمنون : 14 ] .

وثانيها : أن كل حيوان فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا .

وثالثها : أنه هيئ للتكليف والقيام بأداء العبادات .

وأما من حمله على جميع الحيوانات ، قال : المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وأما من حمله على جميع المخلوقات ، قال : المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفا بوصف الإحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب .

المسألة الثانية : قرأ الجمهور : " قدر " مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف ، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف فقال القفال : معناه ملك فهدى وتأويله : أنه خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من قال : هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى : ( { فقدرنا فنعم القادرون } ) [ المرسلات : 23 ] بالتشديد والتخفيف . المسألة الثالثة : أن قوله : ( قدر ) يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السماوات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقدارا معلوما على ما قال : ( { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ) [ الحجر : 21 ] وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات ، بل العالم كله من أعلى عليين إلى أسفل السافلين ، تفسير هذه الآية . وتفصيل هذه الجملة .

أما قوله : ( فهدى ) فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين ، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى ، وقوله : ( فهدى ) عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدرا لفعل معين ، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة ، وللمفسرين فيه وجوه ، قال مقاتل : هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها ، وقال آخرون : هداه للمعيشة ورعاه ، وقال آخرون : هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة ، وذلك لأنه جعله حساسا دراكا متمكنا من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال : ( { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ) [ الإنسان : 3 ] وقال : ( { ونفس وما سواها } { فألهمها فجورها وتقواها } ) [ الشمس : 8 ] وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء : قدر فهدى وأضل ، فاكتفى بذكر إحداهما : كقوله : ( { سرابيل تقيكم الحر } ) [ النحل : 81 ] وقال آخرون : الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله : ( { وإنك لتهدي } ) [ الشورى : 52 ] أي تدعو ، وقد دعي الكل إلى الإيمان ، وقال آخرون : هدى أي دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبريائه ، ونعوت صمديته ، وفردانيته ، وذلك لأن العاقل يرى في العالم أفعالا محكمة متقنة منتسقة منتظمة ، فهي لا محالة تدل على الصانع القديم ، وقال قتادة في قوله : ( فهدى ) إن الله تعالى ما أكره عبدا على معصية ، ولا على ضلالة ، ولا رضيها له ولا أمره بها ، ولكن رضي لكم بالطاعة ، وأمركم بها ، ونهاكم عن المعصية ، واعلم أن هذه الأقوال على كثرتها لا تخرج عن قسمين ، فمنهم من حمل قوله : ( فهدى ) على ما يتعلق بالدين كقوله : ( { وهديناه النجدين } ) [ البلد : 10 ] ومنهم من حمله على ما يرجع إلى مصالح الدنيا ، والأول أقوى ، لأن قوله : ( { الذي خلق فسوى } { والذي قدر فهدى } ) يرجع إلى أحوال الدنيا ، ويدخل فيه إكمال العقل والقوى ، ثم أتبعه بقوله : ( فهدى ) أي كلفه ودله على الدين ، أما قوله تعالى : ( { والذي أخرج المرعى } ) فاعلم أنه سبحانه لما بين ما يختص به الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير الناس من النعم : فقال : ( { والذي أخرج المرعى } ) أي هو القادر على إنبات العشب لا الأصنام التي عبدتها الكفرة ، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ومن الثمار والزروع والحشيش ، قال ابن عباس : المرعى الكلأ الأخضر ، ثم قال : فجعله غثاء أحوى وفيه مسألتان :



المسألة الأولى : الغثاء ما يبس من النبت فحملته الأودية والمياه وألوت به الرياح ، وقال قطرب واحد الغثاء غثاءة .

المسألة الثانية : الحوة السواد ، وقال بعضهم : الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة ، وفي أحوى قولان : أحدهما : أنه نعت الغثاء أي صار بعد الخضرة يابسا فتغير إلى السواد ، وسبب ذلك السواد أمور . أحدها : أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء ، ومن شأن البرودة أنها تبيض الرطب وتسود اليابس .

وثانيها : أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود .

وثالثها : أن يحملها الريح فتلصق بها الغبار الكثير فتسود .

القول الثاني : وهو اختيار الفراء وأبي عبيدة ، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته ، كما قيل : " مدهامتان " أي سوداوان لشدة خضرتهما ، والتقدير الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء ، كقوله : ( { ولم يجعل له عوجا } { قيما } ) [ الكهف : 1 ] أي أنزل قيما ولم يجعل له عوجا .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 31-31 , الصفحة 123 - 128
counter free hit invisible