<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( { بل تؤثرون الحياة الدنيا } { والآخرة خير وأبقى } { إن هذا لفي الصحف الأولى } )

ثم قال تعالى : ( { بل تؤثرون الحياة الدنيا } ) وفيه قراءتان : قراءة العامة بالتاء ويؤكده حرف أبي ، أي : بل أنتم تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة . قال ابن مسعود : إن الدنيا أحضرت ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وإن الآخرة لغيب لنا وزويت عنا ، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل . وقرأ أبو عمرو : " يؤثرون " بالياء يعني : الأشقى .

ثم قال تعالى : ( { والآخرة خير وأبقى } )

وتمامه أن كل ما كان خيرا وأبقى فهو آثر ، فيلزم أن تكون الآخرة آثر من الدنيا وهم كانوا يؤثرون الدنيا ، وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجوه :

أحدها : أن الآخرة مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية ، والدنيا ليست كذلك ، فالآخرة خير من الدنيا .

وثانيها : أن الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام ، والآخرة ليست كذلك .

وثالثها : أن الدنيا فانية ، والآخرة باقية ، والباقي خير من الفاني .

ثم قال : ( { إن هذا لفي الصحف الأولى } ) واختلفوا في المشار إليه بلفظ " هذا " منهم من قال : جميع السورة ، وذلك لأن السورة مشتملة على التوحيد والنبوة والوعيد على الكفر بالله والوعد على طاعة الله تعالى .

ومنهم من قال : بل المشار إليه بهذه الإشارة هو من قوله : ( { قد أفلح من تزكى } ) إشارة إلى تطهير النفس عن كل ما لا ينبغي .

أما القوة النظرية فعن جميع العقائد الفاسدة ، وأما في القوة العملية فعن جميع الأخلاق الذميمة .

وأما قوله : ( { وذكر اسم ربه } ) فهو إشارة إلى تكميل الروح بمعرفة الله تعالى ، وأما قوله : ( { فصلى } ) فهو إشارة إلى تكميل الجوارح وتزيينها بطاعة الله تعالى .

وأما قوله : ( { بل تؤثرون الحياة الدنيا } ) فهو إشارة إلى الزجر عن الالتفات إلى الدنيا .

وأما قوله : ( { والآخرة خير وأبقى } ) فهو إشارة إلى الترغيب في الآخرة وفي ثواب الله تعالى ، وهذه أمور لا يجوز أن تختلف باختلاف الشرائع ، فلهذا السبب قال : ( { إن هذا لفي الصحف الأولى } ) وهذا الوجه كما تأكد بالفعل فالخبر يدل عليه ، روي عن أبي ذر أنه قال : قلت : هل في الدنيا مما في صحف إبراهيم وموسى ؟ فقال : اقرأ يا أبا ذر ( { قد أفلح من تزكى } ) وقال آخرون : إن قوله " هذا " إشارة إلى قوله : ( { والآخرة خير وأبقى } ) وذلك لأن الإشارة راجعة إلى أقرب المذكورات وذلك هو هذه الآية ، وأما قوله : ( { لفي الصحف الأولى } ) فهو نظير لقوله : ( { وإنه لفي زبر الأولين } ) [ الشعراء : 196 ] وقوله : ( { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ) [ الشورى : 13 ] .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 31-31 , الصفحة 135
counter free hit invisible