<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة البلد وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { لا أقسم بهذا البلد } ( 1 ) { وأنت حل بهذا البلد } ( 2 ) { ووالد وما ولد } ( 3 ) { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ( 4 ) { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ( 5 ) { يقول أهلكت مالا لبدا } ( 6 ) { أيحسب أن لم يره أحد } ( 7 ) { ألم نجعل له عينين } ( 8 ) { ولسانا وشفتين } ( 9 ) { وهديناه النجدين } ( 10 ) )

هذا قسم من الله - عز وجل - بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا ; لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها .

قال خصيف ، عن مجاهد : ( { لا أقسم بهذا البلد } ) لا رد عليهم ; أقسم بهذا البلد .

وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( { لا أقسم بهذا البلد } ) يعني : مكة ، ( { وأنت حل بهذا البلد } ) قال : أنت - يا محمد - يحل لك أن تقابل به . وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وأبي صالح ، وعطية ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد .

وقال مجاهد : ما أصبت فيه فهو حلال لك . وقال قتادة : ( { وأنت حل بهذا البلد } ) قال : أنت به من غير حرج ولا إثم .

وقال الحسن البصري : أحلها الله له ساعة من نهار .

وهذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتفق على صحته : ( " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه . وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب " . وفي لفظ [ آخر ] فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " ) .

وقوله : ( { ووالد وما ولد } ) قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عطية ، عن شريك ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( { ووالد وما ولد } ) الوالد : الذي يلد ، وما ولد : العاقر الذي لا يولد له .

ورواه [ ابن جرير و ] ابن أبي حاتم ، من حديث شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - به .

وقال عكرمة : الوالد : العاقر ، وما ولد : الذي يلد . رواه ابن أبي حاتم .

وقال مجاهد ، وأبو صالح ، وقتادة ، والضحاك ، وسفيان الثوري ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، والحسن البصري ، وخصيف ، وشرحبيل بن سعد وغيرهم : يعني بالوالد آدم ، وما ولد ولده .

وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي ; لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن ، وهو آدم أبو البشر وولده .

وقال أبو عمران الجوني : هو إبراهيم وذريته . رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .

واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده . وهو محتمل أيضا . وقوله : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) روي عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وخيثمة ، والضحاك ، وغيرهم : يعني منتصبا - زاد ابن عباس في رواية عنه - في بطن أمه .

والكبد : الاستواء والاستقامة . ومعنى هذا القول : لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيما كقوله : ( { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك } ) [ الانفطار : 6 ، 7 ] ، وكقوله ( { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ) [ التين : 4 ] .

وقال ابن [ أبي نجيح ] عن جريج وعطاء عن ابن عباس : في كبد ، قال : في شدة خلق ، ألم تر إليه . . وذكر مولده ونبات أسنانه . قال مجاهد : ( { في كبد } ) نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة يتكبد في الخلق - قال مجاهد : وهو كقوله : ( { حملته أمه كرها ووضعته كرها } ) وأرضعته كرها ، ومعيشته كره ، فهو يكابد ذلك . وقال سعيد بن جبير : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) في شدة وطلب معيشة . وقال عكرمة : في شدة وطول . وقال قتادة : في مشقة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر ، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلا من الأنصار عن قول الله : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) قال : في قيامه واعتداله . فلم ينكر عليه أبو جعفر .

وروى من طريق أبي مودود : سمعت الحسن قرأ هذه الآية : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) قال : يكابد أمرا من أمر الدنيا ، وأمرا من أمر الآخرة - وفي رواية : يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة . وقال ابن زيد : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) قال : آدم خلق في السماء ، فسمي ذلك الكبد .

واختار ابن جرير أن المراد [ بذلك ] مكابدة الأمور ومشاقها . وقوله : ( { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ) قال الحسن البصري : يعني أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يأخذ ماله . وقال قتادة : ( { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ) قال : ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال : من أين اكتسبه ؟ وأين أنفقه ؟ وقال السدي : ( { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ) قال : الله - عز وجل - .

وقوله : ( { يقول أهلكت مالا لبدا } ) أي : يقول ابن آدم : أنفقت مالا لبدا ، أي : كثيرا . قاله مجاهد [ والحسن ] وقتادة ، والسدي ، وغيرهم . ( { أيحسب أن لم يره أحد } ) قال مجاهد : أي أيحسب أن لم يره الله - عز وجل - . وكذا قال غيره من السلف .

وقوله : ( { ألم نجعل له عينين } ) أي : يبصر بهما ، ( ولسانا ) أي : ينطق به ، فيعبر عما في ضميره ، ( { وشفتين } ) يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام ، وجمالا لوجهه وفمه .

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي ، عن مكحول قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( " يقول الله تعالى : يا ابن آدم ، قد أنعمت عليك نعما عظاما لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها ، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما ، وجعلت لهما غطاء ، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك ، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما . وجعلت لك لسانا ، وجعلت له غلافا ، فانطق بما أمرتك وأحللت لك ، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك . وجعلت لك فرجا ، وجعلت لك سترا ، فأصب بفرجك ما أحللت لك ، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك . يا ابن آدم ، إنك لا تحمل سخطي ، ولا تطيق انتقامي " ) .

( { وهديناه النجدين } ) قال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - : ( { وهديناه النجدين } ) قال : الخير والشر . وكذا روي عن علي ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبي وائل ، وأبي صالح ، ومحمد بن كعب ، والضحاك ، وعطاء الخراساني في آخرين .

وقال عبد الله بن وهب : أخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " هما نجدان ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " ) .

تفرد به سنان بن سعد - ويقال : سعد بن سنان - وقد وثقه ابن معين . وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني : منكر الحديث . وقال أحمد : تركت حديثه لاضطرابه . وروى خمسة عشر حديثا منكرة كلها ، ما أعرف منها حديثا واحدا . يشبه حديثه حديث الحسن - يعني البصري - لا يشبه حديث أنس .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء قال : سمعت ( الحسن يقول : ( { وهديناه النجدين } ) قال : ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " يا أيها الناس ، إنهما النجدان ، نجد الخير ونجد الشر ، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " ) .

وكذا رواه حبيب بن الشهيد ، ويونس بن عبيد ، وأبو وهب ، عن الحسن مرسلا . وهكذا أرسله قتادة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا عيسى بن عقال عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : ( { وهديناه النجدين } ) قال : الثديين .

وروي عن الربيع بن خثيم وقتادة وأبي حازم ، مثل ذلك . ورواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن عيسى بن عقال ، به . ثم قال : والصواب القول الأول .

ونظير هذه الآية قوله : ( { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ) [ سورة الإنسان : 2 ، 3 ] .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 402 - 405
counter free hit invisible