<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : ( { والشمس وضحاها } ( 1 ) { والقمر إذا تلاها } ( 2 ) { والنهار إذا جلاها } ( 3 ) { والليل إذا يغشاها } ( 4 ) { والسماء وما بناها } ( 5 ) { والأرض وما طحاها } ( 6 ) { ونفس وما سواها } ( 7 ) { فألهمها فجورها وتقواها } ( 8 ) ) .

قوله : ( { والشمس وضحاها } ) قسم أقسم ربنا تعالى ذكره بالشمس وضحاها ; ومعنى الكلام : أقسم بالشمس ، وبضحى الشمس .

واختلف أهل التأويل في معنى قوله : ( وضحاها ) فقال بعضهم : معنى ذلك : والشمس والنهار ، وكان يقول : الضحى : هو النهار كله .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { والشمس وضحاها } ) قال : هذا النهار .

وقال آخرون : معنى ذلك : وضوئها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { والشمس وضحاها } ) قال : ضوئها .

والصواب من القول في ذلك أن يقال : أقسم جل ثناؤه بالشمس ونهارها ; لأن ضوء الشمس الظاهرة هو النهار .

وقوله : ( { والقمر إذا تلاها } ) يقول تعالى ذكره : والقمر إذا تبع الشمس ، وذلك في النصف الأول من الشهر ، إذا غربت الشمس ، تلاها القمر طالعا .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( { والقمر إذا تلاها } ) قال : يتلو النهار .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد ، قوله : ( { والقمر إذا تلاها } ) يعني : الشمس إذا تبعها القمر .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( { والقمر إذا تلاها } ) قال : تبعها .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { والقمر إذا تلاها } ) يتلوها صبيحة الهلال فإذا سقطت الشمس رئي الهلال .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( { والقمر إذا تلاها } ) قال : إذا تلاها ليلة الهلال .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : ( { والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها } ) قال : هذا قسم ، والقمر يتلو الشمس نصف الشهر الأول ، وتتلوه النصف الآخر ، فأما النصف الأول فهو يتلوها ، وتكون أمامه وهو وراءها ، فإذا كان النصف الآخر كان هو أمامها يقدمها ، وتليه هي .

وقوله : ( { والنهار إذا جلاها } ) يقول : والنهار إذا جلاها ، قال : إذا أضاء .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { والنهار إذا جلاها } ) قال : إذا غشيها النهار . وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى : والنهار إذا جلا الظلمة ، ويجعل الهاء والألف من جلاها كناية عن الظلمة ، ويقول : إنما جاز الكناية عنها ، ولم يجر لها ذكر قبل ؛ لأن معناها معروف ، كما يعرف معنى قول القائل : أصبحت باردة ، وأمست باردة ، وهبت شمالا ، فكني عن مؤنثات لم يجر لها ذكر ، إذ كان معروفا معناهن .

والصواب عندنا في ذلك : ما قاله أهل العلم الذين حكينا قولهم ، لأنهم أعلم بذلك ، وإن كان للذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العربية وجه .

وقوله : ( { والليل إذا يغشاها } ) يقول تعالى ذكره : والليل إذا يغشى الشمس ، حتى تغيب فتظلم الآفاق .

وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { والليل إذا يغشاها } ) : إذا غشاها الليل .

وقوله : ( { والسماء وما بناها } ) يقول جل ثناؤه : والسماء ومن بناها ، يعني : ومن خلقها ، وبناؤه إياها : تصييره إياها للأرض سقفا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { والسماء وما بناها } ) وبناؤها : خلقها .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( { والسماء وما بناها } ) قال : الله بنى السماء .

وقيل : ( وما بناها ) وهو جل ثناؤه بانيها ، فوضع " ما " موضع " من " كما قال ( { ووالد وما ولد } ) ، فوضع " ما " في موضع " من " ومعناه ، ومن ولد ؛ لأنه قسم أقسم بآدم وولده ، وكذلك : ( { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } ) ، وقوله : ( { فانكحوا ما طاب لكم } ) وإنما هو : فانكحوا من طاب لكم . وجائز توجيه ذلك إلى معنى المصدر ، كأنه قال : والسماء وبنائها ، ووالد وولادته .

وقوله : ( { والأرض وما طحاها } ) وهذه أيضا نظير التي قبلها ، ومعنى الكلام : والأرض ومن طحاها .

ومعنى قوله : ( طحاها ) : بسطها يمينا وشمالا ومن كل جانب .

وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله : ( طحاها ) فقال بعضهم : معنى ذلك : والأرض وما خلق فيها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( { والأرض وما طحاها } ) يقول : ما خلق فيها .

وقال آخرون : يعني بذلك : وما بسطها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( { والأرض وما طحاها } ) قال : دحاها .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { وما طحاها } ) قال : بسطها .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما قسمها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { والأرض وما طحاها } ) يقول : قسمها .

وقوله : ( { ونفس وما سواها } ) يعني جل ثناؤه بقوله : ( { وما سواها } ) نفسه ; لأنه هو الذي سوى النفس وخلقها ، فعدل خلقها ، فوضع " ما " موضع " من " وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك أيضا المصدر ، فيكون تأويله : ونفس وتسويتها ، فيكون القسم بالنفس وبتسويتها .

وقوله : ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) يقول تعالى ذكره : فبين لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خير ، أو شر أو طاعة ، أو معصية .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) يقول : بين الخير والشر .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) يقول : بين الخير والشر .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) قال : علمها الطاعة والمعصية .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) قال : عرفها .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) : فبين لها فجورها وتقواها .

وحدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) ، بين لها الطاعة والمعصية .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) قال : أعلمها المعصية والطاعة .

قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن الضحاك بن مزاحم ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) قال : الطاعة والمعصية .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن الله جعل فيها ذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) قال : جعل فيها فجورها وتقواها .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل ، قالا : ثنا عزرة بن ثابت ، قال : ثني يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي الأسود الديلي ، قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ، ومضى عليهم من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم عليه الصلاة والسلام ، وأكدت عليهم الحجة ؟ قلت : بل شيء قضي عليهم ، قال : فهل يكون ذلك ظلما ؟ قال : ففزعت منه فزعا شديدا ، قال : قلت له : ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده ، ( { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ) قال : سددك الله ، إنما سألتك " أظنه أنا " لأخبر عقلك . ( إن رجلا من مزينة أو جهينة ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون أشيء قضي عليهم ، ومضى عليهم من قدر سبق ، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم عليه السلام وأكدت به عليهم الحجة ؟ قال : " في شيء قد قضي عليهم " قال : ففيم نعمل ؟ قال : " من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها ، وتصديق ذلك في كتاب الله : ( { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } ) " . )
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 24-24 , الصفحة 448 - 456
counter free hit invisible