<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية في قول الجمهور ، وروى القرطبي عن ابن عباس أنها مدنية ، ويخالف هذه الرواية ما أخرجه ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : أنزلت سورة التين بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج البخاري ، ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن البراء بن عازب قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى العشاء فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا ولا قراءة منه ) .

وأخرج الخطيب عنه قال : ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، فقرأ : { والتين والزيتون } ) .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد في مسنده والطبراني عن عبد الله بن يزيد ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب والتين والزيتون ) .

وأخرج ابن قانع ، وابن السكن ، والشيرازي في الألقاب عن زرعة بن خليفة قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ، فلما صلينا الغداة قرأ بالتين والزيتون ، و إنا أنزلناه في ليلة القدر ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { والتين والزيتون } { وطور سينين } { وهذا البلد الأمين } { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } { ثم رددناه أسفل سافلين } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } { فما يكذبك بعد بالدين } { أليس الله بأحكم الحاكمين }

قال أكثر المفسرين : هو التين الذي يأكله الناس والزيتون الذي يعصرون منه الزيت ، وإنما أقسم بالتين ؛ لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك ، وجعلها على مقدار اللقمة .

قال كثير من أهل الطب : إن التين أنفع الفواكه للبدن وأكثرها غذاء ، وذكروا له فوائد كما في كتب المفردات والمركبات ، وأما الزيتون فإنه يعصر منه الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ودهنهم ، ويدخل في كثير من الأدوية . وقال الضحاك : التين : المسجد الحرام ، والزيتون : المسجد الأقصى . وقال ابن زيد : التين : مسجد دمشق ، والزيتون : مسجد بيت المقدس . وقال قتادة : التين : الجبل الذي عليه دمشق ، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس . وقال عكرمة ، وكعب الأحبار : التين دمشق ، والزيتون بيت المقدس .

وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية ، والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى ، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل .

وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية .

قال الفراء : سمعت رجلا يقول : التين : جبال حلوان إلى همدان ، والزيتون : جبال الشام .

قلت : هب أنك سمعت هذا الرجل ، فكان ماذا ؟ فليس بمثل هذا تثبت اللغة ، ولا هو نقل عن الشارع .

وقال محمد بن كعب : التين : مسجد أصحاب الكهف ، والزيتون : مسجد إيلياء ، وقيل إنه على حذف مضاف : أي ومنابت التين والزيتون .

قال النحاس : لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل ، ولا من قول من لا يجوز خلافه .

{ وطور سينين } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى اسمه الطور ، ومعنى سنين : المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة : وقال مجاهد : هو المبارك بالسريانية . وقال مجاهد ، والكلبي : سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء لأنه جعل اسما للبقعة ، وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام ، وهي الأرض المقدسة كما في قوله { إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله } [ الإسراء : 1 ] وأعظم بركة حلت به ووقعت عليه تكليم الله لموسى عليه .

قرأ الجمهور " سينين " بكسر السين ، وقرأ ابن إسحاق ، وعمرو بن ميمون ، وأبو رجاء بفتحها ، وهي لغة بكر وتميم .

وقرأ عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، والحسن وطلحة " سيناء " بالكسر والمد .

{ وهذا البلد الأمين } يعني مكة ، سماه أمينا لأنه آمن كما قال : { أنا جعلنا حرما آمنا } [ العنكبوت : 67 ] يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين .

قال الفراء وغيره : الأمين بمعنى الآمن ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل .

{ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } هذا جواب القسم : أي خلقنا جنس الإنسان كائنا في أحسن تقويم وتعديل .

قال الواحدي : قال المفسرون : إن الله خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان ، خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده ، ومعنى التقويم : التعديل ، يقال : قومته فاستقام .

قال القرطبي : هو اعتداله واستواء شأنه ، كذا قال عامة المفسرين .

قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فإن الله خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما ، وهذه صفات الرب سبحانه ، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله خلق آدم على صوته ) يعني على صفاته التي تقدم ذكرها .

قلت : وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه : { ليس كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] وقوله : { ولا يحيطون به علما } [ طه : 110 ] ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق وعجيب الصنع فلينظر في كتاب العبر والاعتبار للجاحظ ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [ الذاريات : 21 ] وهو في مجلدين ضخمين .

{ ثم رددناه أسفل سافلين } أي رددناه إلى أرذل العمر ، وهو الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي فيخرف وينقص عقله ، كذا قال جماعة من المفسرين .

قال الواحدي : والسافلون هم الضعفاء والزمناء والأطفال ، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا . وقال مجاهد ، وأبو العالية ، والحسن : المعنى ثم رددنا الكافر إلى النار ، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض ، فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة ، ولا ينافي هذا قوله تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } [ النساء : 145 ] فلا مانع من كون الكفار والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل ، وقوله : أسفل سافلين إما حال من المفعول : أي رددناه حال كونه أسفل سافلين ، أو صفة لمقدر محذوف : أي مكانا أسفل سافلين .

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات هذا الاستثناء على القول الأول منقطع : أي لكن الذين آمنوا إلخ ، ووجهه أن الهرم والرد إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن كما يصاب به الكافر فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى .

وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلا من ضمير رددناه ، فإنه في معنى الجمع : أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، { فلهم أجر غير ممنون } أي غير مقطوع : أي فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم ، الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد ، وقال : أسفل سافلين على الجمع ؛ لأن الإنسان في معنى الجمع ، ولو قال أسفل سافل لجاز ؛ لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد .

وقيل معنى رددناه أسفل سافلين : رددناه إلى الضلال ، كما قال : { إن الإنسان لفي خسر } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [ العصر : 3 ] أي إلا هؤلاء فلا يردون إلى ذلك .

{ فما يكذبك بعد بالدين } الخطاب للإنسان الكافر ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإلزام الحجة : أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم ، وأنه يردك أسفل سافلين ، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء ؟ وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم : أي أي شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة ، فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين .

قال الفراء ، والأخفش : المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين ، كأنه قال : من يقدر على ذلك ؟ أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر ، واختار هذا ابن جرير .

والدين : الجزاء . ومنه قول الشاعر :

دنا تميما كما كانت أوائلنا دانت أوائلهم من سالف الزمن وقال الآخر :

ولما صرح الشر فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا { أليس الله بأحكم الحاكمين } أي أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا ؟ حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء ، وفيه وعيد شديد للكفار ، ومعنى أحكم الحاكمين : أتقن الحاكمين في كل ما يخلق ، وقيل أحكم الحاكمين قضاء وعدلا .

والاستفهام إذا دخل على النفي صار الكلام إيجابا كما تقدم تفسير قوله : { ألم نشرح لك صدرك } .

وقد أخرج الخطيب ، وابن عساكر - قال السيوطي بسند فيه مجهول - عن الزهري عن أنس قال : ( لما أنزلت سورة التين والزيتون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحا شديدا حتى تبين لنا شدة فرحه ) ، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال : التين بلاد الشام ، والزيتون بلاد فلسطين ، وطور سيناء الذي كلم الله عليه موسى " وهذا البلد الأمين " مكة { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } محمدا { ثم رددناه أسفل سافلين } عبدة اللات والعزى { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي { فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين } إذ بعثك فيهم نبيا وجمعك على التقوى يا محمد ، ومثل هذا التفسير من ابن عباس لا تقوم به حجة لما تقدم من كون في إسناده ذلك المجهول .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { والتين والزيتون } قال : مسجد نوح الذي بني على الجودي ، والزيتون قال : بيت المقدس { وطور سينين } قال : مسجد الطور { وهذا البلد الأمين } قال : مكة { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } . { ثم رددناه أسفل سافلين } يقول : يرد إلى أرذل العمر ، كبر حتى ذهب عقله ، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سفهت عقولهم ، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم { فما يكذبك بعد بالدين } يقول : بحكم الله .

وأخرج ابن مردويه عنه نحوه .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عنه أيضا { والتين والزيتون } قال : الفاكهة التي يأكلها الناس { وطور سينين } قال : الطور الجبل ، والسينين المبارك .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه أيضا { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } قال في أعدل خلق { ثم رددناه أسفل سافلين } يقول : إلى أرذل العمر { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } يعني غير منقوص ، يقول فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر وكان يعمل في شبابه عملا صالحا كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه ولم يضره ما عمل في كبره ، ولم تكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، وذلك قوله : { ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال : لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئا .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه { ثم رددناه أسفل سافلين } يقول : إلى الكبر وضعفه ، فإذا كبر وضعف عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته .

وأخرج أحمد ، والبخاري وغيرهما عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما ) .

وأخرج الترمذي ، وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا ( من قرأ " التين والزيتون " ، فقرأ { أليس الله بأحكم الحاكمين } فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ) وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعا ( إذا قرأت " التين والزيتون " فقرأت { أليس الله بأحكم الحاكمين } فقل بلى ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ { أليس الله بأحكم الحاكمين } قال : سبحانك اللهم فبلى اهـ .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1637 - 1638
counter free hit invisible