<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ والتين والزيتون } { وطور سينين } { وهذا البلد الأمين } { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } { ثم رددناه أسفل سافلين } .

ابتداء الكلام بالقسم المؤكد يؤذن بأهمية الغرض المسوق له الكلام ، وإطالة القسم تشويق إلى المقسم عليه .

والتين ظاهره : الثمرة المشهورة بهذا الاسم ، وهي ثمرة يشبه شكلها شكل الكمثرى ، ذات قشر لونه أزرق إلى السواد ، تتفاوت أصنافه في قتومة قشره ، سهلة التقشير تحتوي على مثل وعاء أبيض في وسطه عسل طيب الرائحة مخلوط ببزور دقيقة مثل السمسم الصغير ، وهي من أحسن الثمار صورة وطعما وسهولة مضغ ، فحالتها دالة على دقة صنع الله ومؤذنة بعلمه وقدرته ، فالقسم بها لأجل دلالتها على صفات إلهية كما يقسم بالاسم لدلالته على الذات ، مع الإيذان بالمنة على الناس ، إذ خلق لهم هذه الفاكهة التي تنبت في كل البلاد والتي هي سهلة النبات لا تحتاج إلى كثرة عمل وعلاج .

والزيتون أيضا ظاهره : الثمرة المشهورة ذات الزيت الذي يعتصر منها فيطعمه الناس ويستصبحون به . والقسم بها كالقسم بالتين من حيث إنها دالة على صفات الله ، مع الإشارة إلى نعمة خلق هذه الثمرة النافعة الصالحة التي تكفي الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم .

وعلى ظاهر الاسمين للتين والزيتون حملهما جمع من المفسرين الأولين ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة والنخعي وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي ، وذلك لما في هاتين الثمرتين من المنافع للناس المقتضية الامتنان عليهم بأن خلقها الله لهم ، ولكن مناسبة ذكر هذين مع ( { طور سينين } ) ومع ( { البلد الأمين } ) تقتضي أن يكون لهما محمل أوفق بالمناسبة فروي عن ابن عباس أيضا تفسير التين بأنه مسجد نوح الذي بني على الجودي بعد الطوفان . ولعل تسمية هذا الجبل التين لكثرته فيه ، إذ قد تسمى الأرض باسم ما يكثر فيها من الشجر كقول امرئ القيس : أمرخ ديارهم أم عشر وسمي بالتين موضع جاء في شعر النابغة يصف سحابات بقوله : صهب الظلال أتين التين عن عرض يزجين غيما قليلا ماؤه شبما والزيتون يطلق على الجبل الذي بني عليه المسجد الأقصى لأنه ينبت الزيتون . وروي هذا عن ابن عباس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي . ويجوز عندي أن يكون القسم بـ ( التين والزيتون ) معنيا بهما شجر هاتين الثمرتين ، أي : اكتسب نوعاهما شرفا من بين الأشجار بكون كثير منه نابتا في هذين المكانين المقدسين كما قال جرير : أتذكر حين تصقل عارضيها بفرع بشامة سقي البشـام

فدعا لنوع البشام بالسقي لأجل عود بشامة الحبيبة .

وأما ( طور سينين ) فهو الجبل المعروف بـ " طور سينا " . والطور : الجبل بلغة النبط وهم الكنعانيون ، وعرف هذا الجبل بـ ( طور سينين ) لوقوعه في صحراء ( سينين ) ، و ( سينين ) لغة في سين وهي صحراء بين مصر وبلاد فلسطين . وقيل : سينين اسم الأشجار بالنبطية أو بالحبشية ، وقيل : معناه الحسن بلغة الحبشة .

وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس بجمع ، فجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة ، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة ، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه بحركات الإعراب مثل : صفين ويبرين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ( { والطور } { وكتاب مسطور } ) . والبلد الأمين : مكة ، سمي الأمين ; لأن من دخله كان آمنا ، فالأمين فعيل بمعنى مفعل مثل الداعي السميع في بيت عمرو بن معديكرب ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول على وجه الإسناد المجازي ، أي : المأمون ساكنوه ، قال تعالى : ( { وآمنهم من خوف } ) .

والإشارة إليه للتعظيم ; ولأن نزول السورة في ذلك البلد فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين نظير قوله : ( { لا أقسم بهذا البلد } ) .

وعلى ما تقدم ذكره من المحملين الثانيين للتين والزيتون تتم المناسبة بين الإيمان وتكون إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر ، فالتين إيماء إلى رسالة نوح وهي أول شريعة لرسول ، والزيتون إيماء إلى شريعة إبراهيم فإنه بنى المسجد الأقصى كما ورد في الحديث وقد تقدم في أول الإسراء ، و ( طور سينين ) إيماء إلى شريعة التوراة ، و ( البلد الأمين ) إيماء إلى مهبط شريعة الإسلام ، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى لأنها تكملة لشريعة التوراة .

وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصى إيماء إلى مكان ظهور شريعة عيسى عليه السلام ; لأن المسجد الأقصى بناه سليمان - عليه السلام - فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى ويكون قوله : ( { وهذا البلد الأمين } ) إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإسلام ، فإن الإسلام جاء على أصول الحنيفية وبذلك يكون إيماء هذه الآية ما صرح به في قوله تعالى : ( { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } ) ، وبذلك يكون ترتيب الإيماء إلى شرائع نوح وموسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - غير جار على ترتيب ظهورها ، فتوجيه مخالفة الترتيب الذكري للترتيب الخارجي أنه لمراعاة اقتران الاسمين المنقولين عن اسمي الثمرتين ، ومقارنة الاسمين الدالين على نوعين من أماكن الأرض ، ليتأتى محسن مراعاة النظير ومحسن التورية ، وليناسب ( سينين ) فواصل السورة .

وفي ابتداء السورة بالقسم بما يشمل إرادة مهابط أشهر الأديان الإلهية براعة استهلال لغرض السورة ، وهو أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، أي : خلقه على الفطرة السليمة مدركا لأدلة وجود الخالق ووحدانيته . وفيه إيماء إلى أن ما خالف ذلك من النحل والملل قد حاد عن أصول شرائع الله كلها بقطع النظر عن اختلافها في الفروع ، ويكفي في تقوم معنى براعة الاستهلال ما يلوح في المعنى من احتمال .

وجملة ( { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ) مع ما عطف عليه هو جواب القسم .

والقسم عليه يدل على أن التقويم تقويم خفي وأن الرد رد خفي يجب التدبر لإدراكه كما سنبينه في قوله : ( { في أحسن تقويم } ) . فلذلك ناسب أن يحقق بالتوكيد بالقسم ; لأن تصرفات معظم الناس في عقائدهم جارية على حالة تشبه حالة من ينكرون أنهم خلقوا على الفطرة .

والخلق : تكوين وإيجاد لشيء ، وخلق الله جميع الناس هو أنه خلق أصول الإيجاد وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى : ( { لما خلقت بيدي } ) وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسلت منها ذرياتهم كما قال : ( { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ) .

وتعريف ( الإنسان ) يجوز أن يكون تعريف الجنس ، وهو التعريف الملحوظ فيه مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها .

ويحمل على معنى : خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم .

ويجوز أن يكون تعريف ( الإنسان ) تعريف الحقيقة نحو قولهم : الرجل خير من المرأة ، وقول امرئ القيس : الحرب أول ما تكون فتية

فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس ، بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض لأفرادها مما يغير بعض خصائصها . ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى : ( { إن الإنسان خلق هلوعا } ) ، وقد تقدم في سورة المعارج .

والتقويم : جعل الشيء في قوام بفتح القاف ، أي : عدل وتسوية ، وحسن التقويم أكمله وأليقه بنوع الإنسان ، أي : أحسن تقويم له ، وهذا يقتضي أنه تقويم خاص بالإنسان لا يشاركه فيه غيره من المخلوقات ، ويتضح ذلك في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه موقعة له فيما يفسده ، ولا يعوق بعض قواه البعض الآخر عن أداء وظيفته فإن غيره من جنسه كان دونه في التقويم .

وحرف ( في ) يفيد الظرفية المجازية المستعارة لمعنى التمكن والملك ، فهي مستعملة في معنى باء الملابسة أو لام الملك ، وإنما عدل عن أحد الحرفين الحقيقيين لهذا المعنى إلى حرف الظرفية لإفادة قوة الملابسة أو قوة الملك مع الإيجاز ، ولولا الإيجاز لكانت مساواة الكلام أن يقال : لقد خلقنا الإنسان بتقويم مكين هو أحسن تقويم .

فأفادت الآية أن الله كون الإنسان تكوينا ذاتيا متناسبا مع ما خلق له نوعه من الإعداد لنظامه وحضارته ، وليس تقويم صورة الإنسان الظاهرة هو المعتبر عند الله تعالى ولا جديرا بأن يقسم عليه ، إذ لا أثر له في إصلاح النفس ، وإصلاح الغير ، والإصلاح في الأرض ، ولأنه لو كان هو المراد لذهبت المناسبة التي في القسم بالتين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين ، وإنما هو متمم لتقويم النفس ، قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " ( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) " فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان من بين الأنواع .

فالمرضي عند الله هو تقويم إدراك الإنسان ونظره العقلي الصحيح ; لأن ذلك هو الذي تصدر عنه أعمال الجسد إذ الجسم آلة خادمة للعقل ، فلذلك كان هو المقصود من قوله تعالى : ( { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ) .

وأما خلق جسد الإنسان في أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد السورة ، ويظهر هذا كمال الظهور في قوله : ( { ثم رددناه أسفل سافلين } ) فإنه لو حمل الرد أسفل سافلين على مصير الإنسان في أرذل العمر إلى نقائص قوته كما فسر به كثير من المفسرين ، لكان نبوه عن غرض السورة أشد ، وليس ذلك مما يقع فيه تردد السامعين حتى يحتاج إلى تأكيده بالقسم ، ويدل لذلك قوله بعده ( إلا الذين آمنوا ) ؛ لأن الإيمان أثر التقويم لعقل الإنسان الذي يلهمه السير في أعماله على الطريق الأقوم ، ومعاملة بني نوعه السالمين من عدائه معاملة الخير معهم على حسب توافقهم معه في الحق فذلك هو الأصل في تكوين الإنسان ، إذا سلم من عوارض عائقة من بعض ذلك مما يعرض له وهو جنين ; إما من عاهة تلحقه لمرض أحد الأبوين ، أو لفساد هيكله من سقطة أو صدمة في حمله ، وما يعرض له بعد الولادة من داء معضل يعرض له يترك فيه اختلال مزاجه فيحرف شيئا من فطرته كحماقة السوداويين والسكريين أو خبال المختبلين ، ومما يدخله على نفسه من مساوي العادات كشرب المسكرات وتناول المخدرات مما يورثه على طول انثلام تعقله أو خور عزيمته .

والذي نأخذه من هذه الآية أن الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإنسانية التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها ، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكا مستقيما مما يتأدى من المحسوسات الصادقة ، أي : الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر ، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة ، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين ، بحيث لو جانبته التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار ، أو لو تسلطت عليه تسلطا ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب ، لجرى في جميع شئونه على الاستقامة ، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة ، ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويرخي العنان لهواه وشهوته ، فترمي به في الضلالات ، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإطماع فيتابعهم طوعا أو كرها ، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد .

ويفسر هذا المعنى قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) " الحديث ، ذلك أن أبويه هما أول من يتولى تأديبه وتثقيفه وهما أكثر الناس ملازمة له في صباه ، فهما اللذان يلقيان في نفسه الأفكار الأولى ، فإذا سلم من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطا ، ثم هو بعد ذلك عرضة لعديد من المؤثرات فيه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، واقتصر النبيء - صلى الله عليه وسلم - على الأبوين ; لأنهما أقوى أسباب الزج في ضلالتهما ، وأشد إلحاحا على ولدهما .

ولم يعرج المفسرون قديما وحديثا على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم فقصروا التقويم على حسن الصورة . وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي وإبراهيم وأبي العالية . أو على استقامة القامة . وروي عن ابن عباس . أو على الشباب والجلادة ، وروي عن عكرمة وابن عباس .

ولا يلائم مقصد السورة إلا أن يتأول بأن ذلك ذكر نعمة على الإنسان عكس الإنسان شكرها ، فكفر بالمنعم فرد أسفل سافلين ، سوى ما حكاه ابن عطية عن الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر أنه قال : تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز ، ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة : يتناول مأكوله بيده ، وما حكاه الفخر عن الأصم أن ( { أحسن تقويم } ) أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان .

وتفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنه باطلا أو هلاكا ، ومحبة الخير والحسن من الأفعال لذلك تراه يسر بالعدل والإنصاف ، وينصح بما يراه مجلبة لخير غيره ، ويغيث الملهوف ويعامل بالحسنى ، ويغار على المستضعفين ، ويشمئز من الظلم ما دام مجردا عن روم نفع يجلبه لنفسه ، أو إرضاء شهوة يريد قضاءها أو إشفاء غضب يجيش بصدره ، تلك العوارض تحول بينه وبين فطرته زمنا ، ويهش إلى كلام الوعاظ والحكماء والصالحين ويكرمهم ويعظمهم ويود طول بقائهم .

فإذا ساورته الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن نفسه انصرف إلى سوء الأعمال ، وثقل عليه نصح الناصحين ووعظ الواعظين على مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله . ولهذا كان الأصل في الناس الخير والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من الفقهاء والمحدثين .

وجملة ( { ثم رددناه أسفل سافلين } ) معطوفة على جملة ( { خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ) فهي في حيز القسم .

وضمير الغائب في قوله : ( { رددناه } ) عائد إلى الإنسان فيجري فيه الوجهان المتقدمان من التعريف .

و ( ثم ) لإفادة التراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ; لأن الرد أسفل سافلين بعد خلقه محوطا بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جبل عليه ، وتغيير الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن ، ولأن هذه الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل سافلين .

والمعنى : ولقد صيرناه أسفل سافلين أو جعلناه في أسفل سافلين .

والرد حقيقته : إرجاع ما أخذ من شخص أو نقل من موضع إلى ما كان عنده ، ويطلق الرد مجازا على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا .

و ( أسفل ) : اسم تفضيل ، أي : أشد سفالة ، وأضيف إلى ( { سافلين } ) أي : الموصوفين بالسفالة . فالمراد : أسفل سافلين في الاعتقاد بخالقه بقرينة قوله : ( إلا الذين آمنوا ) .

وحقيقة السفالة : انخفاض المكان ، وتطلق مجازا شائعا على الخسة والحقارة في النفس ، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه .

والسافلون : هم سفلة الاعتقاد ، والإشراك أسفل الاعتقاد فيكون ( { أسفل سافلين } ) مفعولا ثانيا لـ ( { رددناه } ) لأنه أجري مجرى أخوات صار .

والمعنى : أن الإنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإيمان بإله واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين ، وهل أسفل ممن يعتقد إلهية الحجارة والحيوان الأبكم من بقر أو تماسيح أو ثعابين ، أو من شجر السمر ، أو من يحسب الزمان إلها ويسميه الدهر ، أو من يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى : ( { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ) .

فإن ملت إلى جانب الأخلاق رأيت الإنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل ، فمن ملق إذا طمع ، ومن شح إذا شبع ، ومن جزع إذا خاف ، ومن هلع ، فكم من نفوس جعلت قرابين للآلهة ومن أطفال موءودة ، ومن أزواج مقذوفة في النار مع الأموات من أزواجهن ، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي .

وإسناد الرد إلى الله تعالى إسناد مجازي لأنه يكون الأسباب العالية ونظام تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية ، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على نحو إسناد مد وقبض الظل إليه تعالى في قوله : ( { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ) إلى قوله : ( { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } ) وعلى نحو الإسناد في قول الناس : بنى الأمير مدينة كذا .

ويجوز أن يكون ( { أسفل سافلين } ) ظرفا ، أي : مكانا أسفل ما يسكنه السافلون ، فإضافة ( أسفل ) إلى ( سافلين ) من إضافة الظرف إلى الحال فيه ، وينتصب ( أسفل ) بـ ( رددناه ) انتصاب الظرف أو على نزع الخافض ، أي : إلى أسفل سافلين ، وذلك هو دار العذاب كقوله : ( { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ) فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه ، وإسناد الرد إلى الله تعالى على هذا الوجه حقيقي .

وأحسب أن قوله تعالى : ( { ثم رددناه أسفل سافلين } ) انتزع منه مالك - رحمه الله - ما ذكره عياض في المدارك قال : قال ابن أبي أويس : قال مالك : أقبل علي يوما ربيعة فقال لي : من السفلة يا مالك ؟ قلت : الذي يأكل بدينه ، قال لي : فمن سفلة السفلة ؟ قلت : الذي يأكل غيره بدينه . فقال : ( زه ) وصدرني ( أي : ضرب على صدري يعني استحسانا ) . وأن المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ظللهم كبراؤهم وأيمتهم فسولوا لهم عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 421 - 429
counter free hit invisible