<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

[سورة التين ]

وهي ثمان آيات مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والتين والزيتون } { وطور سينين } { وهذا البلد الأمين } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والتين والزيتون } { وطور سينين } { وهذا البلد الأمين } )

اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة ، فكيف يليق أن يقسم الله تعالى بهما ؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان :

الأول : أن المراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران ، قال ابن عباس : هو تينكم وزيتونكم هذا ، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء .

أما التين فقالوا : إنه غذاء وفاكهة ودواء ، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج الترشح ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال وهو خير الفواكه وأحمدها ، وروي أنه ( أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه ، ثم قال لأصحابه : "كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس ) " وعن علي بن موسى الرضا عليهما السلام : التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج ، وأما كونه دواء ، فلأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن .

واعلم أن لها بعدما ذكرنا خواص :

أحدها : أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ظاهره قشر ولا كالتمر باطنه قشر ، بل نقول : إن من الثمار ما يخبث ظاهره ويطيب باطنه ، كالجوز والبطيخ ومنه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالتمر والإجاص .

أما التين فإنه طيب الظاهر والباطن .

وثانيها : أن الأشجار ثلاثة : شجرة تعد وتخلف وهي شجرة الخلاف ، وثانية تعد وتفي وهي التي تأتي بالنور أولا بعده بالثمر كالتفاح وغيره ، وشجرة تبذل قبل الوعد ، وهي التين لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد ، بل لو غيرت العبارة لقلت هي شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى ، بل لك أن تقول : إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق ، والتفاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها ، ثم بغيرها ، أما شجرة التين فإنها تهتم بغيرها قبل اهتمامها بنفسها ، فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السلام : " ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) " وشجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى نفسه ، بل من الذين أثنى الله عليهم في قوله : ( { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ) [الحشر : 9] .

وثالثها : أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا أسقطت الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة ، إلا التين فإنه يعيد البذر وربما سقط ثم يعود مرة أخرى .

ورابعها : أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها في المنام نال مالا وسعة ، ومن أكلها رزقه الله أولادا .

وخامسها : روي أن آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين ، وروي أنه لما نزل وكان متزرا بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين ، فرزقها الله الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكا ، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها ، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال دون المسك ، وذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا لأجل الطمع والطائفة الأخرى جاءت للطمع سرا وإلى آدم ظاهرة ، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن .

وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه ، وهي في أغلب البلاد لا تحتاج إلى تربية الناس ، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك ، بل هي غذاء السراج أيضا وتولدها في الجبال التي لا توجد فيها شيء من الدهنية البتة وقيل : من أخذ ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى ، وقال مريض لابن سيرين : رأيت في المنام كأنه قيل لي : كل اللامين تشف ، فقال : كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية ، ثم قال المفسرون : التين والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة ، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر ، والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما من هذه المصالح والمنافع .

القول الثاني : أنه ليس المراد هاتين الثمرتين ، ثم ذكروا وجوها :

أحدها : قال ابن عباس : هما جبلان من الأرض المقدسة ، يقال لهما : بالسريانية طور تينا ، وطور زيتا ، لأنهما منبتا التين والزيتون ، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء ، فالجبل المختص بالتين لعيسى عليه السلام . والزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل ، والطور مبعث موسى عليه السلام ، والبلد الأمين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم .

وثانيها : أن المراد من التين والزيتون مسجدان ، ثم قال ابن زيد : التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس ، وقال آخرون : التين مسجد أصحاب أهل الكهف ، والزيتون مسجد إيليا ، وعن ابن عباس التين مسجد نوح المبني على الجودي ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، والقائلون بهذا القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة ، فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين والزيتون ، لا جرم اكتفى بذكر التين والزيتون .

وثالثها : المراد من التين والزيتون بلدان ، فقال كعب : التين دمشق والزيتون بيت المقدس ، وقال شهر بن حوشب : التين الكوفة ، والزيتون الشام ، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان ، والقائلون بهذا القول ، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود والنصارى والمسلمين ومشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد ، فالله تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها ، أو يقال : إن دمشق وبيت المقدس فيهما نعم الدنيا ، والطور ومكة فيهما نعم الدين .

أما قوله تعالى : ( { وطور سينين } ) فالمراد من ( الطور ) الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه ، واختلفوا في ( { سينين } ) والأولى عند النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أضيفا إلى ذلك المكان ، وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة : ( الطور ) الجبل ( وسينين ) الحسن بلغة الحبشة ، وقال مجاهد : ( { سينين } ) المبارك ، وقال الكلبي : هو الجبل المشجر ذو الشجر ، وقال مقاتل : كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط قال الواحدي : والأولى أن يكون سينين اسما للمكان الذي به الجبل ، ثم لذلك سمي سينين أو سينا لحسنه أو لكونه مباركا ، ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه .

أما قوله تعالى : ( { وهذا البلد الأمين } ) فالمراد مكة والأمين : الآمن ، قال صاحب الكشاف : من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ، كما وصف بالأمن في قوله : ( { حرما آمنا } ) [القصص : 57] يعني ذا أمن ، وذكروا في كونه أمينا وجوها :

أحدها : أن الله تعالى حفظه عن الفيل على ما يأتيك شرحه إن شاء الله تعالى .

وثانيها : أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع ، والصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها .

وثالثها : ما روي أن عمر كان يقبل الحجر ، ويقول : إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ، فقال له علي عليه السلام : أما إنه يضر وينفع إن الله تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض ، وكان لهذا الركن يومئذ لسان وشفتان وعينان ، فقال : افتح فاك فألقمه ذلك الرق وقال : تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة ، فقال عمر : لا بقيت في قوم لست فيهم يا أبا الحسن .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 32-32 , الصفحة 9 - 11
counter free hit invisible