<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( { الذي خلق } { خلق الإنسان من علق } )

أما قوله تعالى : ( { الذي خلق } { خلق الإنسان من علق } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه :

أحدها : أن يكون قوله : ( { الذي خلق } ) لا يقدر له مفعول ، ويكون المعنى أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه .

والثاني : أن يقدر له مفعول ويكون المعنى أنه الذي خلق كل شيء ، فيتناول كل مخلوق ، لأنه مطلق ، فليس حمله على البعض أولى من حمله على الباقي ، كقولنا : الله أكبر ، أي من كل شيء ، ثم قوله بعد ذلك : ( { خلق الإنسان من علق } ) تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات ، إما لأن التنزيل إليه أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض .

والثالث : أن يكون قوله : ( { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ) مبهما ثم فسره بقوله : ( { خلق الإنسان من علق } ) تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته .

المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى ، قالوا : لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن سائر الذوات ، وكل صفة هذا شأنها فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها ، قالوا : وبهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هي القدرة على الاختراع ومما يؤكد ذلك أن فرعون لما طلب حقيقة الإله ، فقال : ( { وما رب العالمين } ) [الشعراء : 23] قال موسى : ( { ربكم ورب آبائكم الأولين } ) [الشعراء : 26] والربوبية إشارة إلى الخالقية التي ذكرها ههنا ، وكل ذلك يدل على قولنا .

المسألة الثالثة : اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة الله تعالى ، أو النظر في معرفة الله أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور فيما بينهم ، ثم إن الحكيم سبحانه لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين ، لو قال له : اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له ، لأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، لكنه تعالى قدم لذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به كما يحكى أن زفر لما بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه ، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه ولم يلتفتوا إليه ، فرجع إلى أبي حنيفة . وأخبره بذلك ، فقال : إنك لم تعرف طريق التبليغ ، لكن ارجع إليهم ، واذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها ، ثم قل بعد ذلك : ههنا قول آخر ، واذكر قولي وحجتي ، فإذا تمكن ذلك في قلبهم ، فقل : هذا قول أبي حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا يردون ، فكذا ههنا أن الحق سبحانه يقول : إن هؤلاء عباد الأوثان ، فلو أثنيت علي وأعرضت عن الأوثان لأبوا ذلك ، لكن اذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره ، ثم قل : ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه ، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان ، كما قال تعالى : ( { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } ) [الزخرف : 87] ثم لما صارت الإلهية موقوفة على الخالقية وحصل القطع بأن من لم يخلق لم يكن إلها ، فلهذا قال تعالى : ( { أفمن يخلق كمن لا يخلق } ) [النحل : 17] ودلت الآية على أن القول بالطبع باطل ، لأن المؤثر فيه إن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر ، وإن كان قديما فإما أن يكون موجبا أو قادرا ، فإن كان موجبا لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة .

المسألة الرابعة : إنما قال : ( { من علق } ) على الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع ، كقوله : ( { إن الإنسان لفي خسر } ) [العصر : 2] .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 32-32 , الصفحة 16
counter free hit invisible