<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية عند أكثر المفسرين .

كذا قال الماوردي .

وقال الثعلبي : هي مدنية في قول أكثر المفسرين ، وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ، وابن الزبير وعائشة أنها نزلت بمكة .

بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أنزلناه في ليلة القدر } { وما أدراك ما ليلة القدر } { ليلة القدر خير من ألف شهر } { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } { سلام هي حتى مطلع الفجر }

الضمير في أنزلناه للقرآن ، وإن لم يتقدم له ذكر ، أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ ، وكان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما على حسب الحاجة ، وكان بين نزول أوله وآخره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وعشرون سنة ، وفي آية أخرى { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } [ الدخان : 3 ] وهي ليلة القدر ، وفي آية أخرى { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } [ البقرة : 185 ] وليلة القدر في شهر رمضان .

قال مجاهد : في ليلة القدر ليلة الحكم .

{ وما أدراك ما ليلة القدر } ليلة الحكم ، قيل سميت ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة .

وقيل إنها سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها ، من قولهم : لفلان قدر : أي شرف ومنزلة ، كذا قال الزهري .

وقيل سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا .

وقال الخليل : سميت ليلة القدر ؛ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة ، كقوله : { ومن قدر عليه رزقه } [ الطلاق : 7 ] أي ضيق .

وقد اختلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين قولا ، قد ذكرناها بأدلتها وبينا الراجح منها في شرحنا للمنتقى { وما أدراك ما ليلة القدر } هذا الاستفهام فيه تفخيم لشأنها حتى كأنها خارجة عن دراية الخلق لا يدريها إلا الله سبحانه .

قال سفيان : كل ما في القرآن من قوله : وما أدراك فقد أدراه ، وكل ما فيه وما يدريك فلم يدره ، وكذا قال الفراء .

والمعنى : أي شيء تجعله داريا بها ؟ وقد قدمنا الكلام في إعراب هذه الجملة في قوله : { وما أدراك ما الحاقة } [ الحاقة : 3 ] .

ثم قال : { ليلة القدر خير من ألف شهر } قال كثير من المفسرين : أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، واختار هذا الفراء ، والزجاج ، وذلك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من الخير والنفع ، فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة كانت خيرا من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة .

وقيل أراد بقوله " ألف شهر " جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في كثير من الأشياء على طريق المبالغة .

وقيل وجه ذكر الألف الشهر أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد الله ألف شهر ، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، فجعل الله سبحانه لأمة محمد عبادة ليلة خيرا من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها .

وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعمار أمته قصيرة ، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم ، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته .

وجملة { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم } مستأنفة مبينة لوجه فضلها موضحة للعلة التي صارت بها خيرا من ألف شهر ، وقوله : بإذن ربهم يتعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال : أي ملتبسين بإذن ربهم ، والإذن : الأمر ، ومعنى تنزل : تهبط من السماوات إلى الأرض .

والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين : أي تنزل الملائكة ومعهم جبريل .

ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه .

وقيل الروح صنف من الملائكة هم أشرافهم ، وقيل هم جند من جنود الله من غير الملائكة ، وقيل الروح الرحمة ، وقد تقدم الخلاف في الروح عند قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } [ النبأ : 38 ] قرأ الجمهور تنزل بفتح التاء ، وقرأ طلحة بن مصرف ، وابن السميفع بضمها على البناء للمفعول ، وقوله : { من كل أمر } أي من أجل كل أمر من الأمور التي قضى الله بها في تلك السنة ، وقيل إن " من " بمعنى اللام : أي لكل أمر ، وقيل هي بمعنى الباء : أي بكل أمر ، قرأ الجمهور " أمر " وهو واحد الأمور ، وقرأ علي ، وابن عباس ، وعكرمة ، والكلبي " امرئ " مذكر امرأة : أي من أجل كل إنسان ، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل مع الملائكة فيسلمون على كل إنسان ، ف " من " على هذا بمعنى على ، والأول أولى .

وقد تم الكلام عند قوله " من كل أمر " .

ثم ابتدأ فقال : سلام هي أي ما هي إلا سلامة وخير كلها لا شر فيها ، وقيل هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة .

قال مجاهد : هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى .

وقال الشعبي : هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن ويقولون السلام عليك أيها المؤمن ، وقيل يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض .

قال عطاء : يريد : سلام على أولياء الله وأهل طاعته { حتى مطلع الفجر } أي حتى وقت طلوعه .

قرأ الجمهور " مطلع " بفتح اللام .

وقرأ الكسائي ، وابن محيصن بكسرها ، فقيل هما لغتان في المصدر ، والفتح أكثر نحو المخرج والمقتل ، وقيل بالفتح اسم مكان ، وبالكسر المصدر ، وقيل العكس ، و حتى متعلقة بـ تنزل على أنها غاية لحكم التنزل أي لمكثهم في محل تنزلهم بأن لا ينقطع تنزلهم فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر ، وقيل متعلقة بـ " سلام " بناء على أن الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر .

وقد أخرج ابن الضريس ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } قال : أنزل القرآن في ليلة القدر حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ، ثم جعل جبريل ينزل على محمد بجواب كلام العباد وأعمالهم .

وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال : العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر .

وأخرج الترمذي وضعفه وابن جرير ، والطبراني ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن الحسن بن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك ، فنزلت { إنا أعطيناك الكوثر } يا محمد يعني نهرا في الجنة ، ونزلت { إنا أنزلناه في ليلة القدر } { وما أدراك ما ليلة القدر } { ليلة القدر خير من ألف شهر } يملكها بعدك بنو أمية .

قال القاسم : فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص يوما ، والمراد بالقاسم هو القاسم بن الفضل المذكور في إسناده .

قال الترمذي : إن يوسف هذا مجهول ، يعني يوسف بن سعد الذي رواه عن الحسن بن علي .

قال ابن كثير : فيه نظر ، فإنه قد روى عنه جماعة : منهم حماد بن سلمة ، وخالد الحذاء ، ويونس بن عبيد .

وقال فيه يحيى بن معين : هو مشهور .

وفي رواية عن ابن معين قال : هو ثقة ، ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن .

قال ابن كثير : ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا .

قال المزي : هو حديث منكر ، وقول القاسم بن الفضل إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد ولا تنقص ليس بصحيح ، فإن جملة مدتهم من عند أن استقل بالملك معاوية وهي سنة أربعين إلى أن سلبهم الملك بنو العباس ، وهي سنة اثنين وثلاثين ومائة مجموعها اثنتان وتسعون سنة .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس نحو ما روي عن الحسن بن علي .

وأخرج الخطيب عن سعيد بن المسيب مرفوعا مرسلا نحوه .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : سلام قال : في تلك الليلة تصفد مردة الشياطين وتغل عفاريت الجن وتفتح فيها أبواب السماء كلها ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب ، فلذا قال : { سلام هي حتى مطلع الفجر } قال : وذلك من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر ، والأحاديث في فضل ليلة القدر كثيرة ، وليس هذا موضع بسطها ، وكذلك الأحاديث في تعيينها والاختلاف في ذلك .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1642
counter free hit invisible