<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة ( لم يكن ) وهي مكية في قول يحيى بن سلام .

ومدنية في قول ابن عباس والجمهور . وهي تسع آيات

وقد جاء في فضلها حديث لا يصح ، رويناه عن محمد بن محمد بن عبد الله الحضرمي قال : قال لي أبو عبد الرحمن بن نمير : اذهب إلى أبي الهيثم الخشاب ، فاكتب عنه فإنه قد كتب ، فذهب إليه ، فقال : حدثنا مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " لو يعلم الناس ما في { ( لم يكن ) الذين كفروا من أهل الكتاب } ، لعطلوا الأهل والمال ، فتعلموها " فقال رجل من خزاعة : وما فيها من الأجر يا رسول الله ؟ قال : " لا يقرؤها منافق أبدا ، ولا عبد في قلبه شك في الله . والله إن الملائكة المقربين يقرءونها منذ خلق الله السماوات والأرض ما يفترون من قراءتها . وما من عبد يقرؤها إلا بعث الله إليه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه ، ويدعون له بالمغفرة والرحمة " . )

قال الحضرمي : فجئت إلى أبي عبد الرحمن بن نمير ، فألقيت هذا الحديث عليه ، فقال : هذا قد كفانا مئونته ، فلا تعد إليه . قال ابن العربي : " روى إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب : عن أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( " لو يعلم الناس ما في ( لم يكن ) الذين كفروا لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها " . ) حديث باطل ; وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بن كعب : ( " إن الله أمرني أن أقرأ عليك { لم يكن الذين كفروا } قال : وسماني لك ! قال " نعم " فبكى . ) قلت : خرجه البخاري ومسلم . وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم . قال بعضهم : إنما قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي ، ليعلم الناس التواضع ; لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة . وقيل : لأن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فأراد بقراءته عليه ، أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ، ويعلم غيره . وفيه فضيلة عظيمة لأبي ; إذ أمر الله رسوله أن يقرأ عليه . قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد ، قال حدثنا علي بن الجعد ، قال حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال : في قراءة أبي بن كعب : ( ابن آدم لو أعطي واديا من مال لالتمس ثانيا ولو أعطي واديين من مال لالتمس ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . ) قال عكرمة . قرأ علي عاصم لم يكن ثلاثين آية ، هذا فيها . قال أبو بكر : هذا باطل عند أهل العلم ; لأن قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي بن كعب ، لا يقرأ فيهما هذا المذكور في لم يكن مما هو معروف في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، على أنه من كلام الرسول - عليه السلام - ، لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن . وما رواه اثنان معهما الإجماع أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة .

بسم الله الرحمن الرحيم { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة }

قوله تعالى : { لم يكن الذين كفروا } كذا قراءة العامة ، وخط المصحف . وقرأ ابن مسعود لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين وهذه قراءة على التفسير . قال ابن العربي : " وهي جائزة في معرض البيان لا في معرض التلاوة ; فقد قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في رواية الصحيح ( فطلقوهن لقبل عدتهن ) وهو تفسير ; فإن التلاوة : هو ما كان في خط المصحف " .

قوله تعالى : { من أهل الكتاب } يعني اليهود والنصارى والمشركين في موضع جر عطفا على أهل الكتاب . قال ابن عباس أهل الكتاب : اليهود الذين كانوا بيثرب ، وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع . والمشركون : الذين كانوا بمكة وحولها ، والمدينة والذين حولها ; وهم مشركو قريش .

منفكين أي منتهين عن كفرهم ، مائلين عنه . { حتى تأتيهم } أي أتتهم البينة ; أي محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقيل : الانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا ، حتى تأتيهم البينة . فالانفكاك على هذا بمعنى الانتهاء . وقيل : منفكين زائلين ; أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول . والعرب تقول : ما انفككت أفعل كذا : أي ما زلت . وما انفك فلان قائما ، أي ما زال قائما . وأصل الفك : الفتح ; ومنه فك الكتاب ، وفك الخلخال ، وفك السالم . قال طرفة : فآليت لا ينفك كشحي بطانة لعضب رقيق الشفرتين مهند وقال ذو الرمة : حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا يريد : ما تنفك مناخة ; فزاد إلا . وقيل : منفكين : بارحين ; أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا ، حتى تأتيهم البينة . وقال ابن كيسان : أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم ، حتى بعث ; فلما بعث حسدوه وجحدوه . وهو كقوله : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } . ولهذا قال : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } . . . الآية . وعلى هذا فقوله والمشركين أي ما كانوا يسيئون القول في محمد - صلى الله عليه وسلم - ، حتى بعث ; فإنهم كانوا يسمونه الأمين ، حتى أتتهم البينة على لسانه ، وبعث إليهم ، فحينئذ عادوه . وقال بعض اللغويين : منفكين هالكين ; من قولهم : انفك صلا المرأة عند الولادة ; وهو أن ينفصل ، فلا يلتئم فتهلك المعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم ، بإرسال الرسل وإنزال الكتب . وقال قوم في المشركين : إنهم من أهل الكتاب ; فمن اليهود من قال : عزير ابن الله . ومن النصارى من قال : عيسى هو الله . ومنهم من قال : هو ابنه . ومنهم من قال : ثالث ثلاثة . وقيل : أهل الكتاب كانوا مؤمنين ، ثم كفروا بعد أنبيائهم . والمشركون ولدوا على الفطرة ، فكفروا حين بلغوا . فلهذا قال : والمشركين .

وقيل : المشركون وصف أهل الكتاب أيضا لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم ، وتركوا التوحيد . فالنصارى مثلثة ، وعامة اليهود مشبهة ; والكل شرك . وهو كقولك : جاءني العقلاء والظرفاء ; وأنت تريد أقواما بأعيانهم ، تصفهم بالأمرين . فالمعنى : من أهل الكتاب المشركين . وقيل : إن الكفر هنا هو الكفر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ; أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود والنصارى ، الذين هم أهل الكتاب ، ولم يكن المشركون ، الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم - وهم الذين ليس لهم كتاب - منفكين . قال القشيري : وفيه بعد ; لأن الظاهر من قوله حتى تأتيهم البينة رسول من الله أن هذا الرسول هو محمد - صلى الله عليه وسلم - . فيبعد أن يقال : لم يكن الذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - منفكين حتى يأتيهم محمد ; إلا أن يقال : أراد : لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد - وإن كانوا من قبل معظمين له - بمنتهين عن هذا الكفر ، إلى أن يبعث الله محمدا إليهم ويبين لهم الآيات ; فحينئذ يؤمن قوم . وقرأ الأعمش وإبراهيم والمشركون رفعا ، عطفا على الذين . والقراءة الأولى أبين ; لأن الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب . وفي حرف أبي : فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين . وفي مصحف ابن مسعود : لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين . وقد تقدم . { حتى تأتيهم البينة } قيل حتى أتتهم . والبينة : محمد - صلى الله عليه وسلم - . رسول من الله أي بعث من الله جل ثناؤه . قال الزجاج : رسول رفع على البدل من البينة . وقال الفراء : أي هي رسول من الله ، أو هو رسول من الله ; لأن البينة قد تذكر فيقال : بينتي فلان . وفي حرف أبي وابن مسعود رسولا بالنصب على القطع .

يتلو أي يقرأ . يقال : تلا يتلو تلاوة .

صحفا جمع صحيفة ، وهي ظرف المكتوب .

مطهرة قال ابن عباس : من الزور ، والشك ، والنفاق ، والضلالة . وقال قتادة : من الباطل . وقيل : من الكذب ، والشبهات . والكفر ; والمعنى واحد . أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب ; ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه ، لا عن كتاب ; لأنه كان أميا ، لا يكتب ولا يقرأ . ومطهرة : من نعت الصحف ; وهو كقوله تعالى : { في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة } ، فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر ، وهي نعت لما في الصحف من القرآن . وقيل : مطهرة أي ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون ; كما قال في سورة ( الواقعة ) حسب ما تقدم بيانه . وقيل : الصحف المطهرة : هي التي عند الله في أم الكتاب ، الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب ; كما قال تعالى : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } . قال الحسن : يعني الصحف المطهرة في السماء . { فيها كتب قيمة } أي مستقيمة مستوية محكمة ; من قول العرب : قام يقوم إذا استوى وصح . وقال بعض أهل العلم : الصحف هي الكتب ; فكيف قال في صحف فيها كتب ؟ فالجواب : أن الكتب هنا بمعنى الأحكام ; قال الله - عز وجل - : { كتب الله لأغلبن } بمعنى حكم . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( والله لأقضين بينكما بكتاب الله ثم قضى بالرجم ) ، وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب ; فالمعنى : لأقضين بينكما بحكم الله تعالى . وقال الشاعر : وما الولاء بالبلاء فملتم وما ذاك قال الله إذ هو يكتب وقيل : الكتب القيمة : هي القرآن ; فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من البيان .
الكتاب تفسير القرطبي , الجزء 20-20 , الصفحة 123 - 126
counter free hit invisible