<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مدنية في قول ابن عباس ، وقتادة ، ومكية في قول ابن مسعود ، وعطاء ، وجابر .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت إذا زلزلت بالمدينة .

وأخرج أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، ومحمد بن نصر ، والحاكم وصححه والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو قال : ( أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقرئني يا رسول الله ، قال : اقرأ ثلاثا من ذوات الراء ، فقال الرجل : كبر سني ، واشتد قلبي ، وغلظ لساني ، قال : اقرأ ثلاثا من ذوات حم ، فقال مثل مقالته الأولى ، فقال : اقرأ ثلاثا من المسبحات ، فقال مثل مقالته الأولى ، وقال : ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة ، فأقرأه { إذا زلزلت الأرض زلزالها } حتى فرغ منها ، قال الرجل : والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح الرويجل ، أفلح الرويجل ) .

وأخرج الترمذي ، وابن مردويه ، والبيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ { إذا زلزلت الأرض } عدلت له بنصف القرآن ، ومن قرأ : { قل هو الله أحد } عدلت له بثلث القرآن ، ومن قرأ : { قل ياأيها الكافرون } عدلت له بربع القرآن ) .

وأخرج الترمذي ، وابن الضريس ، ومحمد بن نصر ، والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زلزلت تعدل نصف القرآن ، و { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن ، و { قل ياأيها الكافرون } تعدل ربع القرآن ) .

قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة .

وأخرج الترمذي عن أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : هل تزوجت يا فلان ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، ولا عندي ما أتزوج به ، قال : أليس معك { قل هو الله أحد } قال بلى ، قال : ثلث القرآن ، قال : أليس معك { إذا جاء نصر الله والفتح } قال بلى ، قال : ربع القرآن ، قال : أليس معك { قل ياأيها الكافرون } ؟ قال بلى ، قال : ربع القرآن ، قال : أليس معك { إذا زلزلت الأرض } قال بلى ، قال : ربع القرآن ، تزوج ) .

قال الترمذي : هذا حديث حسن .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قرأ في ليلة إذا زلزلت كان له عدل نصف القرآن ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { إذا زلزلت الأرض زلزالها } { وأخرجت الأرض أثقالها } { وقال الإنسان ما لها } { يومئذ تحدث أخبارها } { بأن ربك أوحى لها } { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قوله : { إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي إذا حركت حركة شديدة ، وجواب الشرط : تحدث ، والمراد تحركها عند قيام الساعة فإنها تضطرب حتى يتكسر كل شيء عليها .

قال مجاهد : وهي النفخة الأولى لقوله تعالى : { يوم ترجف الراجفة } { تتبعها الرادفة } [ النازعات : 7 ، 6 ] وذكر المصدر للتأكيد ثم أضافه إلى الأرض فهو مصدر مضاف إلى فاعله ، والمعنى : زلزالها المخصوص الذي يستحقه ويقتضيه جرمها وعظمها .

قرأ الجمهور زلزالها بكسر الزاي ، وقرأ الجحدري ، وعيسى بفتحها ، وهما مصدران بمعنى ، وقيل المكسور مصدر والمفتوح اسم .

قال القرطبي : والزلزال بالفتح مصدر كالوسواس والقلقال .

{ وأخرجت الأرض أثقالها } أي ما في جوفها من الأموات والدفائن ، والأثقال جمع ثقل ، قال أبو عبيدة ، والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها .

قال مجاهد : أثقالها : موتاها تخرجهم في النفخة الثانية ، وقد قيل للإنس والجن الثقلان ، وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير .

{ وقال الإنسان ما لها } أي قال كل فرد من أفراد الإنسان ما لها زلزلت ؟ لما يدهمه من أمرها ويبهره من خطبها ، وقيل المراد بالإنسان : الكافر ، وقوله : " ما لها " مبتدأ وخبر ، وفيه معنى التعجيب : أي أي شيء لها ، أو لأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها ؟ .

وقوله : يومئذ بدل من إذا ، والعامل فيهما قوله : { تحدث أخبارها } ويجوز أن يكون العامل في إذا محذوفا والعامل في يومئذ تحدث ، والمعنى : يوم إذا زلزلت وأخرجت تخبر بأخبارها وتحدثهم بما عمل عليها من خير وشر ، وذلك إما بلسان الحال حيث يدل على ذلك دلالة ظاهرة ، أو بلسان المقال ، بأن ينطقها الله سبحانه .

وقيل هذا متصل بقوله : { وقال الإنسان ما لها } أي قال ما لها { تحدث أخبارها } متعجبا من ذلك ، وقال يحيى بن سلام : تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها ، وقيل تحدث بقيام الساعة ، وأنها قد أتت وأن الدنيا قد انقضت .

قال ابن جرير : تبين أخبارها بالرجفة والزلزلة وإخراج الموتى ، ومفعول تحدث الأول محذوف والثاني هو أخبارها : أي تحدث الخلق أخبارها .

{ بأن ربك أوحى لها } متعلق بتحدث ، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها ، وقيل الباء زائدة ، وأن وما في حيزها بدل من أخبارها ، وقيل الباء سببية : أي بسبب إيحاء الله إليها .

قال الفراء : تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها ، واللام في أوحى لها بمعنى إلى وإنما أثرت على إلى لموافقة الفواصل ، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى ، كذا قال أبو عبيدة .

وقيل إن أوحى يتعدى باللام تارة ، وبإلى أخرى ، وقيل إن اللام على بابها من كونها للعلة ، والموحى إليه محذوف ، وهو الملائكة ، والتقدير : أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض : أي لأجل ما يفعلون فيها ، والأولى أولى .

{ يومئذ يصدر الناس أشتاتا } الظرف إما بدل من يومئذ الذي قبله ، وإما منصوب بمقدر هو اذكر ، وإما منصوب بما بعده ، والمعنى : يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتا : أي متفرقين ، والصدر : الرجوع وهو ضد الورود ، وقيل يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار ، وانتصاب أشتاتا على الحال : والمعنى : أن بعضهم آمن وبعضهم خائف ، وبعضهم بلون أهل الجنة وهو البياض ، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد ، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال ، مع تفرقهم في الأديان واختلافهم في الأعمال { ليروا أعمالهم } متعلق بيصدر ، وقيل فيه تقديم وتأخير : أي تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } .

قرأ الجمهور ليروا مبنيا للمفعول ، وهو من رؤية البصر : أي ليريهم الله أعمالهم .

وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ، وحماد بن سلمة ، ونصر بن عاصم ، وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل ، ورويت هذه القراءة عن نافع ، والمعنى : ليروا جزاء أعمالهم .

{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } أي وزن . نملة ، وهي أصغر ما يكون من النمل .

قال مقاتل : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه فيفرح به .

و كذلك من يعمل في الدنيا { مثقال ذرة شرا يره } يوم القيامة فيسوؤه ، ومثل هذه الآية قوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [ النساء : 40 ] .

وقال بعض أهل اللغة : إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق من التراب فهو الذرة ، وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ، والأول أولى ، ومنه قول امرئ القيس : من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الأتب منها لأثرا و " من " الأولى عبارة عن السعداء ، و " من " الثانية عبارة عن الأشقياء .

وقال محمد بن كعب : فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر ير ثوابه في الدنيا وفي نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا ، وليس له عند الله خير ، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن ير عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا ، وليس له عند الله شر ، والأول أولى .

قال مقاتل : نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة ، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ويقول : إنما أوعد الله النار على الكافرين .

قرأ الجمهور يره في الموضعين بضم الهاء وصلا وسكونها وقفا ، وقرأ هشام بسكونها وصلا ووقفا ، ونقل أبو حيان عن هشام ، وأبي بكر سكونها ، وعن أبي عمرو ضمها مشبعة ، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية ، وفي هذا النقل نظر ، والصواب ما ذكرنا .

وقرأ الجمهور يره مبنيا للفاعل في الموضعين .

وقرأ ابن عباس ، وابن عمر ، والحسن والحسين ابنا علي وزيد بن علي ، وأبو حيوة ، وعاصم ، والكسائي في رواية عنهما والجحدري ، والسلمي ، وعيسى على البناء للمفعول فيهما : أي يريه الله إياه .

وقرأ عكرمة " يراه " على توهم أن " من " موصولة ، أو على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة في الفعل .

وقد أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس { إذا زلزلت الأرض زلزالها } قال : تحركت من أسفلها { وأخرجت الأرض أثقالها } قال : الموتى { وقال الإنسان ما لها } قال : الكافر يقول ما لها { يومئذ تحدث أخبارها } قال : قال لها ربك قولي { بأن ربك أوحى لها } قال : أوحى لها { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } قال : من كل من هاهنا وهاهنا .

وأخرج ابن المنذر عنه { وأخرجت الأرض أثقالها } قال : الكنوز والموتى .

وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة ، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي ، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا ) .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { يومئذ تحدث أخبارها } قال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ، تقول عمل كذا وكذا ، فهذا أخبارها ) .

وأخرج ابن مردويه ، والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الأرض لتجيء يوم القيامة بكل عمل عمل على ظهرها ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا زلزلت الأرض زلزالها } حتى بلغ { يومئذ تحدث أخبارها } ) .

وأخرج الطبراني عن ربيعة الخرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تحفظوا من الأرض فإنها أمكم ، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن أنس قال : ( بينما أبو بكر الصديق يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } فرفع أبو بكر يده وقال : يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر ، فقال : يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة ) .

وأخرج إسحاق بن راهويه ، وعبد بن حميد ، والحاكم ، وابن مردويه عن أبي أسماء قال : ( بينا أبو بكر يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } فأمسك أبو بكر وقال : يا رسول الله ما عملنا من شر رأيناه ؟ فقال : ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون ويؤخر الخير لأهله في الآخرة ) .

وأخرج ابن أبي الدنيا ، وابن جرير ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ( أنزلت { إذا زلزلت الأرض زلزالها } وأبو بكر الصديق قاعد فبكى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا أبا بكر ؟ قال : يبكيني هذه السورة ، فقال : لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم لخلق الله قوما يخطئون ويذنبون فيغفر لهم ) .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ) الحديث ، وقال : ( وسئل عن الحمر فقال : ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1646 - 1647
counter free hit invisible