<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ مالك يوم الدين } ( 4 )

قرأ بعض القراء : ملك يوم الدين وقرأ آخرون : مالك . وكلاهما صحيح متواتر في السبع .

[ ويقال : مليك أيضا ، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ : ملكي يوم الدين وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى ، وكلاهما صحيحة حسنة ، ورجح الزمخشري " ملك " ؛ لأنها قراءة أهل الحرمين ولقوله : ( { لمن الملك اليوم } وقوله : ( { قوله الحق وله الملك } وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ ملك يوم الدين على أنه فعل وفاعل ومفعول ، وهذا شاذ غريب جدا ] . وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئا غريبا حيث قال : حدثنا أبو عبد الرحمن الأذرمي ، حدثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل ، عن أبي المطرف ، عن ابن شهاب : أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون : ( { مالك يوم الدين } وأول من أحدث ملك مروان . قلت : مروان عنده علم بصحة ما قرأه ، لم يطلع عليه ابن شهاب ، والله أعلم .

وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها : ( { مالك يوم الدين } ومالك مأخوذ من الملك ، كما قال : ( { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون } ) [ مريم : 40 ] وقال : ( { قل أعوذ برب الناس } { ملك الناس } ) [ الناس : 1 ، 2 ] وملك : مأخوذ من الملك كما قال تعالى : ( { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ) [ غافر : 16 ] وقال : ( { قوله الحق وله الملك } ) [ الأنعام : 73 ] وقال : ( { الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا } ) [ الفرقان : 26 ] .

وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة ، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ، كما قال : ( { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } ) [ النبأ : 38 ] وقال تعالى : ( { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا } ) [ طه : 108 ] ، وقال : ( { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد } ) [ هود : 105 ] .

وقال الضحاك عن ابن عباس : ( { مالك يوم الدين } يقول : لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما ، كملكهم في الدنيا . قال : ويوم الدين يوم الحساب للخلائق ، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، إلا من عفا عنه . وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف ، وهو ظاهر .

وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير { مالك يوم الدين } أنه القادر على إقامته ، ثم شرع يضعفه .

والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ، ولا ينكره ، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا ، كما قال : ( { الملك يومئذ الحق للرحمن } ) [ الفرقان : 26 ] والقول الثاني يشبه قوله : ( { ويوم يقول كن فيكون } ، [ الأنعام : 73 ] والله أعلم .

والملك في الحقيقة هو الله عز وجل ؛ قال الله تعالى : ( { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام } وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : ( أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله ) ، وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ) وفي القرآن العظيم : ( { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى : ( { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } ، { وكان وراءهم ملك } { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا } وفي الصحيحين : ( مثل الملوك على الأسرة ) .

والدين الجزاء والحساب ؛ كما قال تعالى : ( { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ، وقال : ( { أئنا لمدينون } أي مجزيون محاسبون ، وفي الحديث : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ) أي حاسب نفسه لنفسه ؛ كما قال عمر رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم : ( { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 1-1 , الصفحة 134
counter free hit invisible