<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

معنى الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به ، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام ، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، فسميت هذه السورة فاتحة الكتاب لكونه افتتح بها ، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف ، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز ، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن .

وقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة .

قيل هي مكية ، وقيل مدنية .

وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول ، والثعلبي في تفسيره عن علي رضي الله عنه قال : نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة ، والثعلبي والواحدي من حديث عمر بن شرحبيل ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما شكا إلى خديجة ما يجده عند أوائل الوحي ، فذهبت به إلى ورقة فأخبره فقال له : إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي : يا محمد يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض ، فقال : لا تفعل ، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني ، فلما خلا ناداه يا محمد قل : { بسم الله الرحمن الرحيم } ، حتى بلغ { ولا الضالين } ) الحديث .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل ( عن رجل من بني سلمة قال : لما أسلمت فتيان بني سلمة وأسلم ولد عمرو بن الجموح قالت امرأة عمرو له : هل لك أن تسمع من أبيك ما روي عنه ؟ فسأله فقرأ عليه : ( { الحمد لله رب العالمين } ) ، وكان ذلك قبل الهجرة ) .

وأخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف عن عبادة قال : فاتحة الكتاب نزلت بمكة .

فهذا جملة ما استدل به من قال إنها نزلت بمكة .

واستدل من قال إنها نزلت بالمدينة بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه ، والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد بن أبي هريرة " ( رن إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب ) " وأنزلت بالمدينة .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبو نعيم في الحلية وغيرهم من طرق عن مجاهد قال : نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة ، وقيل : إنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة جمعا بين هذه الروايات .



وتسمى أم الكتاب ، قال البخاري في أول التفسير : وسميت أم الكتاب ؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ، ويبدأ بقراءتها في الصلاة .

وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن أيوب عن محمد بن سيرين كان يكره أن يقول : أم الكتاب ، ويقول : قال الله تعالى : { وعنده أم الكتاب } ولكن يقول : فاتحة الكتاب .

ويقال لها الفاتحة لأنها يفتتح بها القراءة ، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام .

قال ابن كثير في تفسيره : وصح تسميتها بالسبع المثاني ، قالوا : لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة .

وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم القرآن : ( هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم ) .

وأخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( هي أم القرآن ، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني ) .

وأخرج نحوه ابن مردويه في تفسيره والدارقطني من حديثه ، وقال : كلهم ثقات .

وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى : { سبعا من المثاني } [ الحجر : 87 ] بالفاتحة .

ومن جملة أسمائها كما حكاه في الكشاف سورة الكنز ، والوافية ، وسورة الحمد ، وسورة الصلاة .

وقد أخرج الثعلبي أن سفيان بن عيينة كان يسمي فاتحة الكتاب الواقية .

وأخرج الثعلبي أيضا عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير أنه سأله سائل عن قراءة الفاتحة خلف الإمام ، فقال : عن الكافية تسأل ؟ قال السائل : وما الكافية ! ؟ قال : الفاتحة ، أما علمت أنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها .

وأخرج أيضا عن الشعبي أن رجلا اشتكى إليه وجع الخاصرة ، فقال : عليك بأساس القرآن ، قال : وما أساس القرآن ؟ قال : فاتحة الكتاب .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الله أعطاني فيما من به علي فاتحة الكتاب ، وقال : هي من كنوز عرشي ) وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده عن علي نحوه مرفوعا .

وقد ذكر الدارقطني في تفسيره للفاتحة اثني عشر اسما وهي سبع آيات بلا خلاف كما حكاه ابن كثير في تفسيره .

وقال القرطبي : أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست وهو شاذ .

وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل إياك نعبد آية ، فهي عنده ثمان ، وهو شاذ انتهى .

وإنما اختلفوا في البسملة كما سيأتي إن شاء الله .

وقد أخرج عبد بن حميد ، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ، وابن الأنباري في المصاحف عن محمد بن سيرين أن أبي بن كعب وعثمان بن عفان كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين ، ولم يكتب ابن مسعود شيئا منهن .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال : كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف ، وقال : لو كتبتها لكتبت في أول كل شيء .

وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث ، منها ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ، قال : فأخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت : يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن ؟ قال : نعم ، { الحمد لله رب العالمين } هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له : ( أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟ ) ثم أخبره أنها الفاتحة .

وأخرجه النسائي وأخرج أحمد في المسند من حديث عبد الله بن جابر ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : اقرأ { الحمد لله رب العالمين } حتى تختمها ) .

وفي إسناده ابن عقيل ، وقد احتج به كبار الأئمة ، وبقية رجاله ثقات . وعبد الله بن جابر هذا هو العبدي كما قال ابن الجوزي ، وقيل : الأنصاري البياضي كما قال ابن عساكر .

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لما أخبروه بأن رجلا رقى سليما بفاتحة الكتاب : وما كان يدريه أنها رقية ) الحديث .

وأخرج مسلم في صحيحه ، والنسائي في سننه من حديث ابن عباس قال : ( بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال : هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط ، قال : فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته ) وأخرج مسلم والنسائي والترمذي ، وصححه من حديث أبي هريرة : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا - غير تامة ) .

وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت ) وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن أبي زيد وكان له صحبة قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض فجاج المدينة ، فسمع رجلا يتهجد ويقرأ بأم القرآن ، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستمع حتى ختمها ثم قال : ما في القرآن مثلها ) .

وأخرج سعيد بن منصور في سننه ، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم ) .

وأخرج أبو الشيخ نحوه من حديثه ، وحديث أبي هريرة مرفوعا .

وأخرج الدارمي ، والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات عن عبد الملك بن عمير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فاتحة الكتاب : ( شفاء من كل داء ) .

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة ، وابن جرير والحاكم ، وصححه عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه ( أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل راجعا من عنده ، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثق بالحديد ، فقال أهله : أعندك ما تداوي به هذا ؟ ! فإن صاحبكم قد جاء بخير ، قال : فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية ، أجمع بزاقي ثم أتفل فبرأ ، فأعطاني مائة شاة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال : كل ، فمن أكل برقية باطل ، فقد أكلت برقية حق ) .

وأخرج الفريابي في تفسيره عن ابن عباس قال : " فاتحة الكتاب ثلث القرآن " .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ أم القرآن وقل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن ) . وأخرج عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن ) .

وأخرج الحاكم وصححه ، وأبو ذر الهروي في فضائله ، والبيهقي في الشعب عن أنس قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسير له ، فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه ، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألا أخبرك بأفضل القرآن ، فتلا عليه الحمد لله رب العالمين ) .

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( فاتحة الكتاب تجزي ما لا يجزي شيء من القرآن ، ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان ، وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات ) .

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن مرسلا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ) .



اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها ، أو هي بعض آية من أول كل سورة ، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها ، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل ؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك .

وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل .

وقد جزم قراء مكة والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة .

وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، قالوا : وإنما كتبت للفصل والتبرك .

وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه : بسم الله الرحمن الرحيم ) .

وأخرجه الحاكم في المستدرك .

وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة ( " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية " ) وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي وفيه ضعف ، وروى نحوه الدارقطني مرفوعا عن أبي هريرة .

وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة .

وقد أخرج النسائي في سننه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في المستدرك ( عن أبي هريرة " أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة ، وقال بعد أن فرغ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ) وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم .

وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس : ( " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " ) قال الترمذي : وليس إسناده بذاك .

وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ : ( " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ) ثم قال : صحيح .

وأخرج البخاري في صحيحه ( عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كانت قراءته مدا ، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد ( الرحمن ) ويمد ( الرحيم ) ) .

وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه ، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت : ( " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع قراءته { بسم الله الرحمن الرحيم } { الحمد لله رب العالمين } { الرحمن الرحيم } { مالك يوم الدين } " ) وقال الدارقطني : إسناده صحيح .

واحتج من قال : بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت : ( " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ { الحمد لله رب العالمين } " ) .

وفي الصحيحين عن أنس قال : " ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ { الحمد لله رب العالمين } ) " . ولمسلم ( " لا يذكرون { بسم الله الرحمن الرحيم } في أول قراءة ولا في آخرها " ) .

وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل .

وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة .

وأحاديث الترك وإن كانت أصح ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجا من مخرج صحيح ، فالأخذ به أولى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك ، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي ، أعني كونها قرآنا ، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة .

ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالا وردا وتعقبا ودفعا ، ورواية ودراية موضع غير هذا .

ومتعلق الباء محذوف وهو أقرأ أو أتلو ؛ لأنه المناسب لما جعلت البسملة مبدأ له ، فمن قدره متقدما كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل ، ومن قدره متأخرا كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم والإشارة إلى أن البداية به أهم لكون التبرك حصل به ، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخرا في مثل هذا المقام ، ولا يعارضه قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } [ العلق : 1 ] لأن ذلك المقام مقام القراءة ، فكان الأمر بها أهم ، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسما أو فعلا فلا يتعلق بذلك كثير فائدة .

والباء للاستعانة أو للمصاحبة ، ورجح الثاني الزمخشري .

واسم أصله سمو حذفت لامه ، ولما كان من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوله الهمزة إذا نطقوا به لئلا يقع الابتداء بالساكن ، وهو اللفظ الدال على المسمى ، ومن زعم أن الاسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن فورك ، وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية فقد غلط غلطا بينا ، وجاء بما لا يعقل ، مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب ، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله ، والبحث مبسوط في علم الكلام .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ) وقال الله عز وجل : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [ الأعراف : 180 ] وقال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } [ الإسراء : 110 ] .

والله علم لذات الواجب الوجود لم يطلق على غيره ، وأصله إله حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت .

وكان قبل الحذف من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بحق كالنجم والصعق ، فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة ، وبعده من الأعلام المختصة . والرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة ، ورحمن أشد مبالغة من رحيم .

وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا ، ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا .

وقد تقرر أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى .

وقال ابن الأنباري والزجاج : إن الرحمن عبراني والرحيم عربي وخالفهما غيرهما .

والرحمن من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل .

وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة ، فقال في الكشاف : إنه باب من تعنتهم في كفرهم .

قال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى ، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين ، قال الله تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيما } [ الأحزاب : 43 ] وقد ورد في فضلها أحاديث .

منها ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس قال : استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن : { بسم الله الرحمن الرحيم } .

وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي { بسم الله الرحمن الرحيم } ) .

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في المستدرك ، وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ( أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن { بسم الله الرحمن الرحيم } فقال : هو اسم من أسماء الله ، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب ) .

وأخرج ابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق ، والثعلبي بسند ضعيف جدا عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب لتعلمه ، فقال له المعلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال له عيسى : وما بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال المعلم : لا أدري ، فقال له عيسى : الباء بهاء الله ، والسين سناه ، والميم مملكته ، والله إله الآلهة ، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة ) وفي إسناده إسماعيل بن يحيى وهو كذاب .

وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات .

وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر قال : لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق ، وسكنت الريح ، وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ، ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا تسمى على شيء إلا بارك فيه .

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت : ( لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها ، فقالوا : سحر محمد الجبال ، فبعث الله دخانا حتى أظل على أهل مكة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } موقنا سبحت معه الجبال إلا أنه لا يسمع ذلك منها ) .

وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة ، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة ، ورفع له أربعة آلاف درجة ) .

وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب ) .

وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام عليها بما يتبين بعد البحث إن شاء الله .

وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء ، وعند الذبيحة ، وعند الأكل ، وعند الجماع وغير ذلك .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 13 - 16
counter free hit invisible