<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

تفسير سورة القارعة وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { القارعة } ( 1 ) { ما القارعة } ( 2 ) { وما أدراك ما القارعة } ( 3 ) { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } ( 4 ) { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } ( 5 ) { فأما من ثقلت موازينه } ( 6 ) { فهو في عيشة راضية } ( 7 ) { وأما من خفت موازينه } ( 8 ) { فأمه هاوية } ( 9 ) { وما أدراك ما هيه } ( 10 ) { نار حامية } ( 11 ) )

( { القارعة } ) من أسماء يوم القيامة ، كالحاقة ، والطامة ، والصاخة ، والغاشية ، وغير ذلك .

ثم قال معظما أمرها ومهولا لشأنها : ( { وما أدراك ما القارعة } ) ؟ ثم فسر ذلك بقوله : ( { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } ) أي : في انتشارهم وتفرقهم ، وذهابهم ومجيئهم ، من حيرتهم مما هم فيه ، كأنهم فراش مبثوث كما قال في الآية الأخرى : ( { كأنهم جراد منتشر } )

وقوله : ( { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } ) يعني : قد صارت كأنها الصوف المنفوش ، الذي قد شرع في الذهاب والتمزق . قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، والضحاك ، والسدي : " العهن " الصوف .

ثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين ، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإهانة ، بحسب أعمالهم ، فقال : ( { فأما من ثقلت موازينه } ) أي : رجحت حسناته على سيئاته ( { فهو في عيشة راضية } ) يعني : في الجنة . ( { وأما من خفت موازينه } ) أي : رجحت سيئاته على حسناته .

وقوله : ( { فأمه هاوية } ) قيل : معناه : فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم . وعبر عنه بأمه - يعني دماغه - روي نحو هذا عن ابن عباس ، وعكرمة ، وأبي صالح ، وقتادة - قال قتادة : يهوي في النار على رأسه ، وكذا قال أبو صالح : يهوون في النار على رءوسهم .

وقيل : معناه : ( { فأمه } ) التي يرجع إليها ، ويصير في المعاد إليها ( { هاوية } ) وهي اسم من أسماء النار .

قال ابن جرير : وإنما قيل : للهاوية أمه ; لأنه لا مأوى له غيرها .

وقال ابن زيد : الهاوية : النار ، هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها ، وقرأ : ( ومأواهم النار ) [ آل عمران : 151 ] .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن قتادة أنه قال : هي النار ، وهي مأواهم . ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية : ( { وما أدراك ما هيه نار حامية } )

قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى : حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال : إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين ، فيقولون : روحوا أخاكم ، فإنه كان في غم الدنيا . قال : ويسألونه : وما فعل فلان ؟ فيقول : مات ، أوما جاءكم ؟ فيقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية

وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا ، بأبسط من هذا . وقد أوردناه في كتاب صفة النار ، أجارنا الله منها بمنه وكرمه .

وقوله : ( { نار حامية } ) أي : حارة شديدة الحر ، قوية اللهيب والسعير .

قال أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( " نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " . قالوا : يا رسول الله ، إن كانت لكافية . فقال : " إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا " ) .

ورواه البخاري ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك . ورواه مسلم ، عن قتيبة ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد به ، وفي بعض ألفاظه : ( " أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ، كلهن مثل حرها " ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد - وهو ابن سلمة - ، عن محمد بن زياد - سمع أبا هريرة يقول : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : ( " نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " . فقال رجل : إن كانت لكافية . فقال : " لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا " ) .

تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا سفيان ، عن أبي الزياد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - وعمرو ، عن يحيى بن جعدة - : ( " إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ، وضربت بالبحر مرتين ، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد " ) .

وهذا على شرط الصحة ولم يخرجوه من هذا الوجه ، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [ ابن أبي الزناد ] .

ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري : ( " ناركم هذه جزء من سبعين جزءا " ) .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز - هو ابن محمد الدراوردي - ، عن سهيل عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( " هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم " ) .

تفرد به أيضا من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم أيضا .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عمرو الخلال ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثنا معن بن عيسى القزاز ، عن مالك ، عن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم ؟ لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا " ) .

وقد رواه أبو مصعب ، عن مالك ولم يرفعه . وروى الترمذي وابن ماجه ، عن عباس الدوري ، عن يحيى ابن أبي بكير : حدثنا شريك ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة " ) .

وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب .

وجاء في الحديث - عند الإمام أحمد - من طريق أبي عثمان النهدي ، عن أنس - وأبي نضرة العبدي ، عن أبي سعيد وعجلان مولى المشمعل ، عن أبي هريرة - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( " إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه " ) .

وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( " اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف . فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها ، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها " ) .

وفي الصحيحين : ( " إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم " ) . آخر تفسير سورة " القارعة "
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 468 - 471
counter free hit invisible