<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ القارعة } { ما القارعة } { وما أدراك ما القارعة }

الافتتاح بلفظ القارعة افتتاح مهول ، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر به .

وهو مرفوع إما على الابتداء و { ما القارعة } خبره ويكون هنالك منتهى الآية . فالمعنى : القارعة شيء عظيم هي . وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهي بقوله : ما القارعة .

وإما أن تكون ( القارعة ) الأول مستقلا بنفسه ، وعد آية عند أهل الكوفة فيقدر خبر عنه محذوف نحو : القارعة قريبة ، أو يقدر فعل محذوف نحو أتت القارعة ، ويكون قوله : { ما القارعة } استئنافا للتهويل ، وجعل آية ثانية عند أهل الكوفة وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها .

وإعادة لفظ القارعة إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : القارعة ما هيه ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع ، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر .

والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب الجسم بآخر بشدة لها صوت . وأطلق القرع مجازا على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثر خوف أو اتعاظ ، يقال : قرع فلانا ، أي : زجره وعنفه بصوت غضب . وفي المقامة الأولى ( ويقرع الأسماع بزواجر وعظه .

وأطلقت القارعة على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات ، كقوله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } وقيل : تقول العرب : قرعت القوم قارعة ، إذا نزل بهم أمر فظيع ، ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن .

وتأنيث ( القارعة ) لتأويلها بالحادثة أو الكائنة .

و ( ما ) استفهامية ، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب ; لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه .

فـ ( القارعة ) هنا مراد بها حادثة عظيمة ، وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر ، فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة ، وقيل : أريد بها صيحة النفخة في الصور ، وعن الضحاك : القارعة النار ذات الزفير ، كأنه يريد أنها اسم جهنم . وهذا التركيب نظير قوله تعالى : { الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة } وقد تقدم .

ومعنى { وما أدراك ما القارعة } زيادة تهويل أمر القارعة و ( ما ) استفهامية صادقة على شخص ، والتقدير : وأي شخص أدراك ، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وهولها ; لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفه . وأدراك : بمعنى أعلمك .

و { ما القارعة } استفهام آخر مستعمل في حقيقته ، أي : ما أدراك جواب هذا الاستفهام . وسد الاستفهام مسد مفعولي أدراك .

وجملة { وما أدراك ما القارعة } عطف على جملة { ما القارعة } .

والخطاب في ( أدراك ) لغير معين ، أي : وما أدراك أيها السامع .

وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : { الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة } وتقدم بعضه عند قوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين } في سورة الانفطار .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 510 - 511
counter free hit invisible