<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( سورة الكافرون ) .

ست آيات ، مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم { قل يا أيها الكافرون } اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروي أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن ، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات ، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعا للقرآن ، والله أعلم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

( { قل يا أيها الكافرون } ) .

اعلم أن قوله تعالى : ( قل ) فيه فوائد :

أحدها : أنه عليه السلام كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال : ( { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ) ، ( { فبما رحمة من الله لنت لهم } ) ، ( { بالمؤمنين رءوف رحيم } ) ، ( { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ) ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن : ( { وجادلهم بالتي هي أحسن } ) [ النحل : 125 ] ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بـ " { يا أيها الكافرون } " فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق ؟ فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي ، فكان المراد من قوله ( قل ) تقرير هذا المعنى .

وثانيها : أنه لما قيل له : ( { وأنذر عشيرتك الأقربين } ) [ الشعراء : 214 ] وهو كان يحب أقرباءه لقوله : ( { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ) [ الشورى : 23 ] فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له : ( قل ) .

وثالثها : أنه لما قيل له : ( { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ) [ المائدة : 67 ] فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى : ( { قل يا أيها الكافرون } ) نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله : ( { قل يا أيها الكافرون } ) فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا .

ورابعها : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما قال تعالى : ( { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ) [ لقمان : 25 ] والعبد يتحمل من مولاه ما لا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء : ( { يا أيها الكافرون } ) لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله : ( { قل } ) علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السماوات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به .

وخامسها : أن قوله : ( { قل } ) يوجب كونه رسولا من عند الله ، فلما قيل له : ( { قل } ) كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته ، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده ، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشورا جديدا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيما وتشريفا .

وسادسها : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك سنة ، وتعبد آلهتنا سنة ، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إلهي فيه ، فقال : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

وسابعها : الكفار قالوا فيه السوء ، فهو تعالى زجرهم عن ذلك ، وأجابهم وقال : ( { إن شانئك هو الأبتر } ) [ الكوثر : 3 ] وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء ، فأنا كنت المجيب بنفسي ، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء ، فكن أنت المجيب : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

وثامنها : أنهم سموك أبتر ، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه : ( { قل يا أيها الكافرون } ) لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم .

وتاسعها : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه ، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام ، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك ، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك : إني لا أعبد هذه الأصنام ، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك ، أما لما قال : قل ، سقط هذا الاعتراض لأن قوله : ( { قل } ) يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها .

وعاشرها : أنه لو أنزل قوله : ( { يا أيها الكافرون } ) لكان يقرؤها عليهم لا محالة ؛ لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال : ( { قل } ) كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم ، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم ، فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش .

الحادي عشر : كأنه تعالى يقول : كانت التقية جائزة عند الخوف ، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) [ الكوثر : 1 ] وبقولنا : ( { إن شانئك هو الأبتر } ) فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثاني عشر : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار أنه تعالى لا يكلمهم ، فلو قال : ( { يا أيها الكافرون } ) لكان ذلك من حيث إنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم ، ومن حيث إنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام ، أما لما قال : ( { قل يا أيها الكافرون } ) فحينئذ يرجع تشريف المخاطبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار ، فيحصل فيه تعظيم الأولياء ، وإهانة الأعداء ، وذلك هو النهاية في الحسن .

الثالث عشر : أن محمدا عليه السلام كان منهم ، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم ، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب ، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده ، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ، ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ؛ ولأنه بلغ مبلغا لا يقدر على إخفائه ، فقال تعالى : ( { قل } ) يا محمد لهم : ( { أيها الكافرون } ) ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة ، فربما يصير ذلك داعيا لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها .

الرابع عشر : أن الإيذاء والإيحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم ، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم : ( { يا أيها الكافرون } ) فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم ، فيصير ذلك داعيا لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر .

الخامس عشر : كأنه تعالى يقول : ألسنا بينا في سورة : ( { والعصر } { إن الإنسان لفي خسر } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ) [ العصر : 3 ] وفي سورة الكوثر : ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات ، بمقتضى قولنا : ( { فصل لربك وانحر } ) [ الكوثر : 2 ] بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله ، فقل : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

السادس عشر : كأنه تعالى يقول : يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة ، قال الكافرون : إنه ودعه ربه وقلاه ، فشق عليك ذلك غاية المشقة ، حتى أنزلت عليك السورة ، وأقسمت ب ( { الضحى } { والليل إذا سجى } ) [ الضحى : 2 ] أنه : ( { ما ودعك ربك وما قلى } ) [ الضحى : 3 ] فلما لم تستجز أن أتركك شهرا ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه : ( { ما ودعك ربك وما قلى } ) أفتستجيز أن تتركني شهرا وتشتغل بعبادة آلهتهم ، فلما ناديت بنفي تلك التهمة ، فناد أنت أيضا في العالم بنفي هذه التهمة و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .



السابع عشر : لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة ، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئا ، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقا ، فإنه كان قاطعا بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام ، توقف في أنه بماذا يجيبهم ؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك ؟ أو بأن يزجرهم بالسيف ؟ أو بأن ينزل الله عليهم عذابا ؟ فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا : إن محمدا مال إلى ديننا ، فكأنه تعالى قال : يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ، ولكنه أوهم باطلا ، فتدارك إزالة ذلك الباطل ، وصرح بما هو الحق ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثامن عشر : أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج : أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية ، فقال : لا أحصي ثناء عليك ، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه قيل له : إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة ، فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و ( { قل يا أيها الكافرون } ) حتى يكون سكوتك لله وكلامك لله ، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار .

التاسع عشر : لو قال له : لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) أما لما أمره بأن يقول بلسانه : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذبا ، فثبت أنه لما قال له قل : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) فلزمه أن يكون منكرا لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه . ولو قال له : لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه ، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان ، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له : ( قل ) يقتضي المبالغة في الإنكار ، فلهذا قال : قل : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) .

العشرون : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الحادي والعشرون : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا ، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم ، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن الرد ، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك ، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم : ف ( { إنا أعطيناك الكوثر } ) وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك ، الخوف بقولنا : ( { إن شانئك هو الأبتر } ) فلا تلتفت إليهم ، ولا تبال بكلامهم ، و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثاني والعشرون : أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي ؟ فقلت : ( { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } ) [ البينة : 1 ] فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين ؛ لأن طعن أهل الكتاب فيك ، وطعن المشركين في ، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين ، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت : " ( اللهم اهد قومي ) " ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت : " ( اللهم املأ بطونهم نارا ) " فههنا أيضا قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفا منهم ، أو لست خائفا منهم فأظهر إنكار قولهم ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثالث والعشرون : كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة ، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئا ولا تظهره بلسانك ، بل قلت لك على سبيل العتاب : ( { وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ) [ الأحزاب : 37 ] فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار ، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة ، وهي أعظم المسائل خطرا بالسكوت ؟ قل بصريح لسانك : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الرابع والعشرون : يا محمد ألست قلت لك : ( { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } ) [ الفرقان : 51 ] ثم إني في هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت : ( { ولكن رسول الله وخاتم النبيين } ) [ الأحزاب : 40 ] فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة . فقل : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الخامس والعشرون : كأنه تعالى يقول : القوم جاءوك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد ، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت : ( { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ) [ الفتح : 10 ] وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت : ( { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ) [ آل عمران : 31 ] ثم إني ناديت في العالمين وقلت : ( { أن الله بريء من المشركين ورسوله } ) [ التوبة : 3 ] فصرح أنت أيضا بذلك ، و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

السادس والعشرون : كأنه تعالى يقول : ألست أرأف بك من الوالد بولده ، ثم العري والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب ، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى ، فقد جربتني ، ألم أجدك يتيما وضالا وعائلا ؟ ألم نشرح لك صدرك ؟ ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة ، وبعلي علما ؟ ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك ؟ ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف ؟ ألم أعطك الكوثر ؟ ألم أضمن أن خصمك أبتر ؟ ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها : ( { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ) [ مريم : 42 ] فصرح بالبراءة عنها و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .



السابع والعشرون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست قد نزلت عليك : ( { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } ) [ البقرة : 200 ] .

ثم إن واحدا لو نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه ، حتى قلت : " ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) " فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة ، فكيف سكت عند التشريك في العبادة ؟ بل أظهر الإنكار ، وبالغ في التصريح به ، و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثامن والعشرون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست قد أنزلت عليك : ( { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ) [ النحل : 17 ] فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد في المعبودية لا يكون عاقلا بل يكون مجنونا ، ثم إني أقسمت وقلت : ( { ن والقلم وما يسطرون } { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ) [ القلم : 3 ] والكفار يقولون : إنك مجنون ، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك ، وبراءتك عن عيب الجنون و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

التاسع والعشرون : أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة ، والمشاركة في الاسم لا توجب المشاركة في المعنى ، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية حقيقة ، ثم القيمية كلها حظ الزوج ؛ لأنه أعلم وأقدر ، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق في القيمية ، فمن لا قدرة له ولا علم البتة كيف يكون له حق في القيومية ، بل ههنا شيء آخر : وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا عليها لا يجوز ، ولو أقام كل واحد منهما بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما ، والجارية بين اثنين لا تحل لواحد منهما ، فإذا لم يجز حصول زوجة لزوجين ، ولا أمة بين موليين في حل الوطء فكيف يعقل عابد واحد بين معبودين ؟ بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهرا ، ثم الثاني شهرا آخر كان كافرا ، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافرا فكأنه تعالى يقول لرسوله : إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح بالإنكار وقل : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثلاثون : كأنه تعالى يقول : أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك : ( { قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } ) [ الأحزاب : 28 ] إلى قوله : ( { أجرا عظيما } ) [ الأحزاب : 29 ] ثم خشيت من عائشة أن تختار الدنيا ، فقلت لها : لا تقولي شيئا حتى تستأمري أبويك ، فقالت : أفي هذا أستأمر أبوي ، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ! فناقصة العقل ما توقفت فيما يخالف رضاي أتتوقف فيما يخالف رضاي وأمري ؟ مع أني جبار السماوات والأرض : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الحادي والثلاثون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست أنت الذي قلت : ( من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم ) ، وحتى إن بعض المشايخ قال لمريده الذي يريد أن يفارقه : لا تخف السلطان قال : ولم ؟ قال : لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين ، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين ؛ لأنه يخالطه العالم الزاهد ، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ ، فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة الرضا بذلك ، لا سيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك : تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فأزل عن نفسك هذه التهمة و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } )

الثاني والثلاثون : الحقوق في الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده ، وهو مولاك ، وحق من هو تحت يدك وهو الولد ، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية الولد ، فإذا كان حق المولى المجازي مقدما ، فبأن يكون حق المولى الحقيقي مقدما كان أولى ، ثم روي ( أن عليا عليه السلام استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في التزوج بابنة أبي جهل فضجر ، وقال : لا آذن لا آذن لا آذن إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها ، والله لا يجمع بين بنت عدو الله ، وبنت حبيب الله ) ، فكأنه تعالى يقول : صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل المبالغة رعاية لحق الولد ، فههنا أولى أن تصرح بالرد ، وتكرره رعاية لحق المولى فقل : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) ولا أجمع في القلب بين طاعة الحبيب وطاعة العدو .

الثالث والثلاثون : يا محمد ألست قلت لعمر : ( رأيت قصرا في الجنة ، فقلت : لمن ؟ فقيل : لفتى من قريش ، فقلت : من هو ؟ فقالوا : عمر فخشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر : أوأغار عليك يا رسول الله ) ، فكأنه تعالى قال : خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غيرتي في أن تدخل قلبك طاعة غيري ، ثم هناك أظهرت الامتناع فههنا أيضا أظهر الامتناع و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الرابع والثلاثون : أترى أن نعمتي عليك دون نعمة الوالدة ؟ ألم أربك ؟ ألم أخلقك ؟ ألم أرزقك ؟ ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق ؟ ثم حين كنت طفلا عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من أمك لأظهرت النفرة ولبكيت ولو أعطتك الثدي لسددت فمك تقول لا أريد غير الأم ؛ لأنها أول المنعم علي ، فههنا أولى أن تظهر النفرة ، فتقول : لا أعبد سوى ربي ؛ لأنه أول منعم علي فقل : ( { يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الخامس والثلاثون : نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة ، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعمهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان ؟ فكيف في حق أفضل الخلق : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

السادس والثلاثون : مذهب الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلا بها ، ( { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ) فبتقدير أن كنت متصلا بها ، كان يجب أن تنفصل عنها وتتركها ، فكيف وما كنت متصلا بها ؟ أيليق بك أن تقرب الاتصال بها ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

السابع والثلاثون : هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغنى وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل : يا محمد : لي إله واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار ، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه ، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } )

الثامن والثلاثون : أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام : ( { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } ) [ مريم : 18 ] فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } )

التاسع والثلاثون : مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول : لأنه كان قيما فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب ، فالحق سبحانه يقول : كنت قيما ولم أتعيب ، فكيف يجوز الإعراض عني : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الأربعون : هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم : ( { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ) [ لقمان : 25 ] وقال في موضع آخر : ( { أروني ماذا خلقوا من الأرض } ) [ فاطر : 40 ] فكأنه تعالى يقول : هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل ؛ لأن البذر مني والتربية والسقي مني ، والحفظ مني ، فأي شيء للصنم ، أو شركة الوجوه وذلك أيضا باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهورا مني ، أو شركة الأبدان وذلك أيضا باطل ؛ لأن ذلك يستدعي الجنسية ، أو شركة العنان ، وذلك أيضا باطل ؛ لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، أو يقول : ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيبا من الملك ، فكأن الرب يقول : ما أشد جهلكم ، إن هذا الصنم أكثر عجزا من الذبابة : ( { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا } ) [ الحج : 73 ] فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض ، فالتربية والسقي والحفظ مني ، ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيبا مني ، ما هذا بقول يليق بالعقلاء : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الحادي والأربعون : أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات ، وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام ، ولما كان كل بق وبعوضة داعيا إلى معرفة الذات والصفات قال : ( { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } ) [ البقرة : 26 ] ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله ، وبحسب تركيبها العجيب تدعو إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله ، فكأنه تعالى يقول : مثل هذا الشيء كيف يستحيا منه ؟ روي أن عمر رضي الله عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشا وحمله بنفسه فرآه علي من بعيد فتنكب علي عن الطريق فاستقبله عمر ، وقال له : لم تنكبت عن الطريق ؟ فقال علي : حتى لا تستحيي ، فقال : وكيف أستحيي من حمل ما هو غذائي ؟ فكأنه تعالى يقول : إذا كان عمر لا يستحيي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا ، فكيف أستحيي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك ؟ ثم كأنه تعالى يقول : يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار ، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم ! أفلا تصرح بالرد عليهم : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) وإن فرعون لما ادعى الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفا فلست أضعف من بعوضة نمروذ ، وإن كنت قويا فلست أقوى من جبريل ، فأظهر الإنكار عليهم و ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثاني والأربعون : كأنه تعالى يقول : يا محمد : ( قل ) بلسانك : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) واتركه قرضا علي فإني أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه ، ألا ترى أن النصراني إذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا ما لم تصرح بالبراءة عن النصرانية ، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضا أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .

الثالث والأربعون : أن موسى عليه السلام كان في طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له : ( { فقولا له قولا لينا } ) [ طه : 44 ] وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيها على أنه في غاية الرحمة ، فقيل له : ( { قل يا أيها الكافرون } { لا أعبد ما تعبدون } ) .



أما قوله تعالى : ( { قل يا أيها الكافرون } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : ( يا أيها ) ، قد تقدم القول فيها في مواضع ، والذي نزيده ههنا أنه روي عن علي عليه السلام أنه قال : " يا " نداء النفس و " أي " نداء القلب ، " وها " نداء الروح ، وقيل : " يا " نداء الغائب " وأي " للحاضر ، " وها " للتنبيه ، كأنه يقول : أدعوك ثلاثا ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي ، ومنهم من قال : إنه تعالى جمع بين " يا " الذي هو للبعيد ، " وأي " الذي هو للقريب ، كأنه تعالى يقول : معاملتك معي وفرارك عني يوجب البعد البعيد ، لكن إحساني إليك ، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب : ( { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ) [ ق : 16 ] وإنما قدم ( يا ) الذي يوجب البعد على ( أي ) الذي يوجب القرب ، كأنه يقول : التقصير منك والتوفيق مني ، ثم ذكرها بعد ذلك ؛ لأن ( يا ) يوجب البعد الذي هو كالموت و ( أي ) يوجب القرب الذي هو كالحياة ، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت ، وتلك الحالة هي النوم ، والنائم لا بد وأن ينبه و ( ها ) كلمة تنبيه ، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف .

المسألة الثانية : روي في سبب نزول هذه السورة ( أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، قالوا لرسول الله : تعال حتى نعبد إلهك مدة ، وتعبد آلهتنا مدة ، فيحصل مصلحة بيننا وبينك ، وتزول العداوة من بيننا ، فإن كان أمرك رشيدا أخذنا منه حظا ، وإن كان أمرنا رشيدا أخذت منه حظا ، فنزلت هذه السورة ، ونزل أيضا قوله تعالى : ( { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ) ) [ الزمر : 64 ] فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر ، واعلم أن الجهل كالشجرة ، والكفر كالثمرة ، فلما نزلت السورة وقرأها على رءوسهم شتموه وأيسوا منه ، وههنا سؤالات :

السؤال الأول : لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين ، وفي الأخرى بالجاهلين ؟ الجواب : لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم ، فلا بد وأن تكون المبالغة ههنا أشد ، وليس في الدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر ، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقا أو مقيدا ، أما لفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم ، كقوله عليه السلام في علم الأنساب : ( علم لا ينفع وجهل لا يضر ) .

السؤال الثاني : لما قال تعالى في سورة : ( { لم تحرم } ) : يا أيها الذين كفروا ولم يذكر " قل " ، وههنا ذكر " قل " وذكره باسم الفاعل .

والجواب : الآية المذكورة في سورة " { لم تحرم } " : إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولا إليهم فأزال الواسطة ، وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين ، فلذلك ذكره بلفظ الماضي ، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولا إليهم ، فلا جرم قال : ( { قل يا أيها الكافرون } ) .

السؤال الثالث : قوله ههنا : ( { قل يا أيها الكافرون } ) خطاب مع الكل أو مع البعض ؟

الجواب : لا يجوز أن يكون قوله : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) خطابا مع الكل ؛ لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم : ( { لا أعبد ما تعبدون } ) ولا يجوز أيضا أن يكون قوله : ( { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ) خطابا مع الكل ؛ لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد الله فإذن وجب أن يقال : إن قوله : ( { يا أيها الكافرون } ) خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا : نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك ، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 32-32 , الصفحة 127 - 134
counter free hit invisible