<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم { المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } .

قوله : { المر } قد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في أوائل السور بما يغني عن الإعادة ، وهو اسم للسورة مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو على أنه مبتدأ خبره ما بعده ، والتقدير على الأول هذه السورة اسمها هذا ، والإشارة بقوله : ( تلك ) إلى آيات هذه السورة ، والمراد بالكتاب السورة ، أي : تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة الشأن ، ويكون قوله : { والذي أنزل إليك من ربك الحق } مرادا به القرآن كله ، أي : هو الحق البالغ في اتصافه بهذه الصفة ، أو تكون الإشارة بقوله تلك إلى آيات القرآن جميعه على أن المراد بالكتاب جميع القرآن ، ويكون قوله : { والذي أنزل إليك من ربك الحق } جملة مبينة لكون هذا المنزل هو الحق .

قال الفراء : والذي رفع بالاستئناف وخبره " الحق " .

قال : وإن شئت جعلت " الذي " خفضا نعتا للكتاب ، وإن كانت فيه الواو كما في قوله : إلى الملك القرم وابن الهمام ويجوز أن يكون محل { والذي أنزل إليك } الجر على تقدير : وآيات الذي أنزل إليك ، فيكون الحق على هذا خبرا لمبتدأ محذوف { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } بهذا الحق الذي أنزله الله عليك .

قال الزجاج : لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال : { الله الذي رفع السماوات بغير عمد } والعمد : الأساطين جمع عماد ، أي : قائمات بغير عمد تعتمد عليه ، وقيل : لها عمد ولكن لا نراه .

قال الزجاج العمد قدرته التي يمسك بها السماوات ، وهي غير مرئية لنا ، وقرئ ( عمد ) على أنه جمع عمود يعمد به ، أي : يسند إليه .

قال النابغة : وخبر الجن أني قد أذنت لهم يبنون تذمر بالصفاح والعمد وجملة ترونها مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك ، وقيل : هي صفة ل " عمد " ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : رفع السماوات ترونها بغير عمد ، ولا ملجئ إلى مثل هذا التكلف { ثم استوى على العرش } أي استولى عليه بالحفظ والتدبير ، أو استوى أمره ، أو أقبل على خلق العرش ، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى ، والاستواء على العرش صفة لله سبحانه بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام { وسخر الشمس والقمر } أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد { كل يجري إلى أجل مسمى } أي كل من الشمس والقمر يجري إلى وقت معلوم : وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي تكور عندها الشمس ويخسف القمر وتنكدر النجوم وتنتثر ، وقيل : المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي تنتهيان إليها لا يجاوزنها ، وهي سنة للشمس ، وشهر للقمر ( يدبر الأمر ) أي يصرفه على ما يريد ، وهو أمر ملكوته وربوبيته ( يفصل الآيات ) أي يبينها : وهي الآيات الدالة على كمال قدرته وربوبيته ، ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى والجملتان في محل نصب على الحال ، أو خبر " إن " لقوله : { الله الذي رفع } على أن الموصول صفة للمبتدأ ، والمراد من هذا تنبيه العباد أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة ، ولذا قال { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } أي لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات توقنون بذلك لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه .

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال { وهو الذي مد الأرض } قال الفراء بسطها طولا وعرضا .

وقال الأصم : إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه ، وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها { وجعل فيها رواسي } أي جبالا ثوابت .

واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها ، أي : تثبت ، والإرساء : الثبوت .

قال عنترة : فصرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع وقال جميل : أحبها والذي أرسى قواعده حتى إذا ظهرت آياته بطنا ( وأنهارا ) أي مياها جارية في الأرض فيها منافع الخلق ، أو المراد جعل فيها مجاري الماء { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } " من كل الثمرات " متعلق بالفعل الذي بعده ، أي : جعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين ، الزوج يطلق على الاثنين ، وعلى الواحد المزاوج لآخر ، والمراد هنا بالزوج الواحد ، ولهذا أكد الزوجين بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا الاثنين .

وقد تقدم تحقيق هذا مستوفى ، أي جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين ، إما في اللونية كالبياض والسواد ونحوهما أو في القدر كالصغر والكبر ، أو في الكيفية كالحر والبرد .

قال الفراء يعني بالزوجين هنا الذكر والأنثى ، والأول أولى { يغشي الليل النهار } أي يلبسه مكانه ، فيصير أسود مظلما بعدما كان أبيض منيرا شبه إزالة نور الهدى بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها .

وقد سبق تفسير هذه في الأعراف { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي فيما ذكر من مد الأرض وإثباتها بالجبال ، وما جعله الله فيها من الثمرات المتزاوجة ، وتعاقب النور والظلمة آيات بينة للناظرين المتفكرين المعتبرين .

{ وفي الأرض قطع متجاورات } هذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات .

قيل : وفي الكلام حذف ، أي : قطع متجاورات وغير متجاورات كما في قوله { سرابيل تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] أي وتقيكم البرد .

قيل : والمتجاورات : المدن وما كان عامرا ، وغير المتجاورات : الصحارى وما كان غير عامر ، وقيل : المعنى : متجاورات متدانيات ، ترابها واحد وماؤها واحد ، وفيها زرع وجنات ، ثم تتفاوت في الثمار فيكون البعض حلوا والبعض حامضا ، والبعض طيبا والبعض غير طيب ، والبعض يصلح فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر { وجنات من أعناب } الجنات : البساتين ، قرأ الجمهور برفع ( جنات ) على تقدير : وفي الأرض جنات ، فهو معطوف على { قطع متجاورات } ، أو على تقدير : وبينها جنات .

وقرأ الحسن بالنصب على تقدير : وجعل فيها جنات ، وذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل ، لأنه يكون في الخارج كثيرا كذلك ، ومثله في قوله سبحانه { جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } [ الكهف : 32 ] { صنوان وغير صنوان } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } برفع هذه الأربع عطفا على ( جنات ) .

وقرأ الباقون بالجر عطفا على ( أعناب ) .

وقرأ مجاهد والسلمي بضم الصاد من ( صنوان ) .

وقرأ الباقون بالكسر ، وهما لغتان .

قال أبو عبيدة صنوان : جمع صنو ، وهو أن يكون الأصل واحدا ، ثم يتفرع فيصير نخيلا ، ثم يحمل ، وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير .

قال ابن الأعرابي : الصنو : المثل ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( عم الرجل صنو أبيه ) فمعنى الآية على هذا : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون .

قال في الكشاف : والصنوان جمع صنو ، وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد ، وقيل : الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق .

قال النحاس : وهو كذلك في اللغة ، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر : صنوان .

والصنو : المثل ، ولا فرق بين التثنية والجمع إلا بكسر النون في المثنى ، وبما يقتضيه الإعراب في الجمع { يسقى بماء واحد } قرأ عاصم وابن عامر : يسقى بالتحتية ، أي : يسقى ذلك كله .

وقرأ الباقون بالفوقية بإرجاع الضمير إلى ( جنات ) .

واختاره أبو حاتم وأبو عبيد وأبو عمرو قال أبو عمرو : التأنيث أحسن لقوله : { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ولم يقل بعضه .

وقرأ حمزة والكسائي " يفضل " بالتحتية كما في قوله { يدبر الأمر يفصل الآيات } [ الرعد : 2 ] وقرأ الباقون بالنون على تقدير : ونحن نفضل .

وفي هذا من الدلالة على بديع صنعه وعظيم قدرته ما لا يخفى على من له عقل ، فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد وتتفاضل في الثمرات في الأكل ، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا ، وهذا في غاية الجودة ، وهذا ليس بجيد ، وهذا فائق في حسنه ، وهذا غير فائق ، مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء - أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه ، لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين : إما اختلاف المكان الذي هو المنبت ، أو اختلاف الماء الذي تسقى به ، فإذا كان المكان متجاورا ، وقطع الأرض متلاصقة ، والماء الذي تسقى به واحدا ، لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب .

ولهذا قال الله سبحانه { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي يعملون على قضية العقل وما يوجبه غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات .

وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : { المر } قال : أنا الله أرى .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد المر فواتح يفتتح بها كلامه .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله : { تلك آيات الكتاب } قال : التوراة والإنجيل { والذي أنزل إليك من ربك الحق } قال : القرآن .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة نحوه : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { رفع السماوات بغير عمد ترونها } قال : وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عنه في الآية قال : يقول : لها عمد ولكن لا ترونها ، يعني الأعماد .

وأخرج ابن جرير عن إياس بن معاوية في الآية قال : السماء مقببة على الأرض مثل القبة وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في قوله : { لأجل مسمى } قال : الدنيا .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : { يدبر الأمر } قال : يقضيه وحده .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال : الدنيا مسيرة خمسمائة عام : أربعمائة خراب ، ومائة عمران في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة .

وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك تقديرات لم يأت عليها دليل يصح .

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب قال : لما خلق الله الأرض قمصت وقالت ، أي : رب تجعل علي بني آدم يعملون علي الخطايا ويجعلون علي الخبث ، فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون ، فكان إقرارها كاللحم ترجرج .

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { جعل فيها زوجين اثنين } قال : ذكرا وأنثى من كل صنف .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { يغشي الليل النهار } أي يلبس الليل النهار .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : يريد الأرض الطيبة العذبة التي يخرج نباتها بإذن ربها تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج ، وهما أرض واحدة ، وماؤها شيء واحد ، ملح أو عذب ، ففضلت إحداهما على الأخرى .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : قرئ : متجاورات قريب بعضها من بعض .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : الأرض تنبت حلوا ، والأرض تنبت حامضا ، وهي متجاورات تسقى بماء واحد .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب في قوله : { صنوان وغير صنوان } قال : الصنوان ما كان أصله واحدا وهو متفرق ، وغير صنوان التي تنبت وحدها ، وفي لفظ " صنوان " : النخلة في النخلة ملتصقة .

وغير صنوان : النخل المتفرق .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس صنوان قال : مجتمع النخل في أصل واحد { وغير صنوان } قال : النخل المتفرق .

وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال : الدقل والفارسي والحلو والحامض وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : هذا حامض ، وهذا حلو ، وهذا دقل ، وهذا فارسي .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 720 - 721
counter free hit invisible