<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } { لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين } ) .

قوله تعالى : ( { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } { لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين } ) .

اعلم أن القوم لما أساءوا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة ، وقالوا : إنك لمجنون ، فالله تعالى ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت ، ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام ، فهذا هو الكلام في نظم الآية ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في الآية محذوف ، والتقدير : ولقد أرسلنا من قبلك رسلا ، إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه .

وقوله : ( { في شيع الأولين } ) أي في أمم الأولين وأتباعهم . قال الفراء : الشيع : الأتباع ، واحدهم شيعة . وشيعة الرجل أتباعه ، والشيعة الأمة ، سموا بذلك لأن بعضهم شايع بعضا وشاكله ، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله ( { أو يلبسكم شيعا } ) [ الأنعام : 65 ] قال الفراء : وقوله : ( { في شيع الأولين } ) من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله : ( { حق اليقين } ) [ الواقعة : 95 ] وقوله : ( { بجانب الغربي } ) [ القصص : 44 ] وقوله : ( { وذلك دين القيمة } ) [ البينة : 5 ] .



أما قوله : ( { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } ) أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .

واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور :

الأول : أنهم يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتراز عن الطيبات واللذات .

والثاني : أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم الباطلة ، وذلك شاق شديد على الطباع .

والثالث : أن الرسول متبوع مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته ، وذلك أيضا في غاية المشقة .

والرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيرا ولا يكون له أعوان وأنصار ، ولا مال ولا جاه فالمتنعمون ، والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة .

والخامس : خذلان الله لهم ، وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم ، وهذا هو السبب الأصلي ؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضلال مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة .



أما قوله تعالى : ( { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون ، وقيل : في قوله : ( { ما سلككم في سقر } ) [المدثر : 42] أي : أدخلكم في جهنم . وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد : سلكته وأسلكته بمعنى واحد .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار ، فقالوا : قوله ( { كذلك نسلكه } ) أي : كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين ، قالت المعتزلة : لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائدا إليه لا يقال : إنه تعالى قال : ( { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } ) وقوله : ( { يستهزئون } ) يدل على الاستهزاء ، فالضمير في قوله : ( { كذلك نسلكه } ) عائد إليه ، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال ، فثبت صحة قولنا [إن] المراد من قوله : ( { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } ) هو أنه كذلك نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله تعالى ورسله في قلوب المجرمين ؛ لأنا نقول : إن كان الضمير في قوله : ( { كذلك نسلكه } ) عائدا إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله : ( { لا يؤمنون به } ) عائدا أيضا إلى الاستهزاء ؛ لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا ، فوجب عودهما إلى شيء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء ، وذلك يوجب التناقض ؛ لأن الكافر لا بد وأن يكون مؤمنا بكفره ، والذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به ، وأيضا فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار ، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في الآخرة عليه ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذا الوجه فنقول : التأويل الصحيح أن الضمير في قوله تعالى : ( { كذلك نسلكه } ) عائد إلى الذكر الذي هو القرآن ، فإنه تعالى قال قبل هذه الآية : ( { إنا نحن نزلنا الذكر } ) وقال بعده : ( { كذلك نسلكه } ) أي : هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين ، والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ، ويخلق فيها العلم بمعانيه ، وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال عنادا وجهلا ، فكان هذا موجبا للحوق الذم الشديد بهم ، ويدل على صحة هذا التأويل وجهان :

الأول : أن الضمير في قوله : ( { لا يؤمنون به } ) عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله : ( { كذلك نسلكه } ) عائدا إليه أيضا ؛ لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد .

والثاني : أن قوله : ( { كذلك } ) معناه : مثل ما عملنا كذا وكذا نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيها لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه ، ولم يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله : ( { إنا نحن نزلنا الذكر } ) فوجب أن يكون هذا معطوفا عليه ومشبها به ، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله : ( { نسلكه } ) عائدا إلى الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم .

والجواب : لا يجوز أن يكون الضمير في قوله : ( { نسلكه } ) عائدا على الذكر ، ويدل عليه وجوه :

الوجه الأول : أن قوله : ( { كذلك نسلكه } ) مذكور بحرف النون ، والمراد منه إظهار نهاية التعظيم والجلالة ، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلا يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوبا مقهورا . فأما إذا فعل فعلا ولم يظهر له أثر البتة ، صار المنازع والمدافع غالبا قاهرا ، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مستقبحا في هذا المقام ، والأمر ههنا كذلك ؛ لأنه تعالى سلك إسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر ، لأجل أن يؤمن به ، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع ، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع ، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله تعالى : ( { نسلكه } ) غير لائق بهذا المقام ، فثبت بهذا أن التأويل الذي ذكروه فاسد .

والوجه الثاني : أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال : ( { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } ) ولا يؤمنون به ، أي : ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون . أما لم لم يذكر الواو ، فعلمنا أن قوله : ( { لا يؤمنون به } ) كالتفسير والبيان لقوله : ( { نسلكه في قلوب المجرمين } ) وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم .

والوجه الثالث : أن قوله : ( { إنا نحن نزلنا الذكر } ) بعيد ، وقوله : ( { يستهزئون } ) قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . أما قوله : لو كان الضمير في قوله : ( { نسلكه } ) عائدا إلى الاستهزاء لكان في قوله : ( { لا يؤمنون به } ) عائدا إليه ، وحينئذ يلزم التناقض .

قلنا : الجواب عنه من وجوه :

الوجه الأول : أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات ، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول ، وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا : الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء ، والضمير الثاني عائد إلى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى : ( { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين } { فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون } ) [الأعراف : 189] فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله : ( { جعلا له شركاء } ) عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في قوله : ( { جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون } ) عائدة إلى غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا والله أعلم . والوجه الثاني : في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا : قوله : ( { لا يؤمنون به } ) تفسير للكناية في قوله : ( { نسلكه } ) والتقدير : كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به ، والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به .

والوجه الثالث : وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق ، والعلم والحق ، وأن أحدا لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب ، فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ، ثم إنه لا يحصل ذلك ، وإنما يحصل الكفر والباطل ، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه .

فإن قالوا : إنما حصل ذلك الكفر ؛ لأنه ظن أنه هو الإيمان : فنقول : فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه ، فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق ، فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق الله تعالى ، وذلك هو الذي قلناه : أن المراد من قوله : ( { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } { لا يؤمنون } ) والمعنى : نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به ، وهو أنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، وأيضا قدماء المفسرين مثل ابن عباس وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، والتأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين ، فكان مردودا ، وروى القاضي عن عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين ، ثم قال القاضي : إن القسوة لا تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند ، فلا يصح إضافته إلى الله تعالى ، فيقال للقاضي : إن هذا يجري مجرى المكابرة ، وذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه واصفر وجهه ، وربما ارتعدت أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه والإصغاء لقوله ، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه ، فكيف يقال : إنها حصلت بفعله واختياره ؟

فإن قالوا : إنه يمكنه ترك هذه الأحوال ، والرجوع إلى الانقياد والقبول ، فنقول : هذا مغالطة محضة ؛ لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب ، والنبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الانقياد والقبول والطاعة والرضا فهذا مكابرة ، وإن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق ، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه الدواعي والصوارف عن القلب ، فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ، ولزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال ، وإن كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح أنه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي والصوارف في القلوب ، وذلك عين ما ذكرناه والله أعلم .

أما قوله تعالى : ( { وقد خلت سنة الأولين } ) ففيه قولان :

الأول : أنه تهديد لكفار مكة يقول : قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل في القرون الماضية .

الثاني : وهو قول الزجاج : وقد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم ، وهذا أليق بظاهر اللفظ .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 19-19 , الصفحة 128 - 131
counter free hit invisible