<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين } ( 120 ) { شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم } ( 121 ) { وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين } ( 122 ) { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ( 123 ) )

يمدح [ تبارك و ] تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم ، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء ، ويبرئه من المشركين ، ومن اليهودية والنصرانية فقال : ( { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا } ) فأما " الأمة " فهو الإمام الذي يقتدى به . والقانت : هو الخاشع المطيع . والحنيف : المنحرف قصدا عن الشرك إلى التوحيد ; ولهذا قال : ( { ولم يك من المشركين } )

قال سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين ، عن أبي العبيدين : أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت ، فقال : الأمة : معلم الخير ، والقانت : المطيع لله ورسوله .

وعن مالك قال : قال ابن عمر : الأمة الذي يعلم الناس دينهم .

وقال الأعمش ، [ عن الحكم ] عن يحيى بن الجزار ، عن أبي العبيدين أنه جاء إلى عبد الله فقال : من نسأل إذا لم نسألك ؟ فكأن ابن مسعود رق له ، فقال : أخبرني عن الأمة فقال : الذي يعلم الناس الخير .

وقال الشعبي : حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال : قال ابن مسعود : إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ، فقلت في نفسي : غلط أبو عبد الرحمن ، إنما قال الله : ( { إن إبراهيم كان أمة } ) فقال : أتدري ما الأمة وما القانت ؟ قلت : الله [ ورسوله ] أعلم ، قال : الأمة الذي يعلم [ الناس ] الخير . والقانت : المطيع لله ورسوله ، وكذلك كان معاذ معلم الخير ، وكان مطيعا لله ورسوله .

وقد روي من غير وجه ، عن ابن مسعود حرره ابن جرير . وقال مجاهد : ( أمة ) أي : أمة وحده ، والقانت : المطيع . وقال مجاهد أيضا : كان إبراهيم أمة ، أي : مؤمنا وحده ، والناس كلهم إذ ذاك كفار .

وقال قتادة : كان إمام هدى ، والقانت : المطيع لله .

وقوله : ( { شاكرا لأنعمه } ) أي : قائما بشكر نعم الله عليه ، كما قال : ( { وإبراهيم الذي وفى } ) [ النجم : 37 ] أي : قام بجميع ما أمره الله تعالى به .

وقوله : ( اجتباه ) أي : اختاره واصطفاه ، كما قال : ( { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } ) [ الأنبياء : 51 ] .

ثم قال : ( { وهداه إلى صراط مستقيم } ) وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي .

وقوله : ( { وآتيناه في الدنيا حسنة } ) أي : جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ، ( { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } )

وقال مجاهد في قوله : ( { وآتيناه في الدنيا حسنة } ) أي : لسان صدق .

وقوله : ( { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ) أي : ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك - يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء - : ( { أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ) كما قال : في " الأنعام " : ( { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ) [ الأنعام : 161 ] ثم قال تعالى منكرا على اليهود .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 4-4 , الصفحة 611 - 612
counter free hit invisible