<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة الإسراء )

مكية ، إلا الآيات : 26 و 32 و 33 و 57 ومن آية 73 إلى غاية آية 80 فمدنية وآياتها : 111 ،

نزلت بعد القصص .

عن ابن عباس أنها مكية ، غير قوله : ( { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } ) [ الإسراء : 76 ] إلى قوله : ( { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } ) [الإسراء : 80] ؛ فإنها مدنيات ، نزلت حين جاء وفد ثقيف .

بسم الله الرحمن الرحيم .

( { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } )

بسم الله الرحمن الرحيم .

( { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } ) .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال النحويون : " سبحان " اسم علم للتسبيح . يقال : سبحت الله تسبيحا وسبحانا ، فالتسبيح هو المصدر . وسبحان اسم علم للتسبيح ، كقولك : كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا ، وتفسيره : تنزيه الله تعالى من كل سوء . قال صاحب النظم : السبح في اللغة : التباعد ، يدل عليه قوله تعالى : ( { إن لك في النهار سبحا } ) [ المزمل : 7] . أي : تباعدا . فمعنى : سبح الله تعالى ، أي : بعده ونزهه عما لا ينبغي ، وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد ، وقد جاء في لفظ التسبيح معان أخرى :

أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى : ( { فلولا أنه كان من المسبحين } ) [الصافات : 143] . أي : من المصلين ، والسبحة : الصلاة النافلة ، وإنما قيل للمصلي مسبح ؛ لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي .

وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى : ( { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ) [ القلم : 28] . أي : تستثنون ، وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته .

وثالثها : جاء في الحديث : " ( لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء ) " قيل : معناه نور وجهه ، وقيل : سبحات وجهه نور وجهه الذي إذا رآه الرائي ، قال : سبحان الله ، وقوله : ( { أسرى } ) قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان . وقوله : ( { بعبده } ) أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين - رحمه الله - قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعارج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد ، بم أشرفك ؟ قال : "يا رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية" فأنزل الله فيه : ( { سبحان الذي أسرى بعبده } ) ، وقوله : ( { ليلا } ) نصب على الظرف .

فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل ، فما معنى ذكر الليل ؟

قلنا : أراد بقوله : ( { ليلا } ) بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء ، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل ؛ قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب الكشاف عن أنس والحسن : أنه كان ذلك قبل البعثة . وقوله : ( { من المسجد الحرام } ) اختلفوا في المكان الذي أسري به منه ، فقيل : هو المسجد الحرام بعينه ، وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ( بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق ) " . وقيل : أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم ؛ لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين ، وقوله : ( { إلى المسجد الأقصى } ) اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس ، وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ، وقوله : ( { الذي باركنا حوله } ) قيل : بالثمار والأزهار ، وقيل : بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة .

واعلم أن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية ، فمدلول قوله : ( { إلى المسجد الأقصى } ) أنه وصل إلى حد ذلك المسجد ، فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا ، فليس في اللفظ دلالة عليه ، وقوله : ( { لنريه من آياتنا } ) يعني : ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى .

فإن قالوا : قوله ( { لنريه من آياتنا } ) يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات ؛ لأن كلمة " من " تفيد التبعيض ، وقال في حق إبراهيم : ( { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } ) [الأنعام : 75] . فيلزم أن يكون معراج إبراهيم - عليه السلام - أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم .

قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، والذي رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعض آيات الله تعالى ، ولا شك أن آيات الله أفضل .

ثم قال : ( { إنه هو السميع البصير } ) أي : أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد ، البصير بأفعاله ، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء ، مقرونة بالصدق والصفاء ؛ فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات ، وقيل : المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر ، بصير بما يعملون في هذه الواقعة .



المسألة الثانية : اختلف في كيفية ذلك الإسراء ، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأقلون قالوا : إنه ما أسري إلا بروحه .

حكي عن محمد بن جرير الطبري في تفسيره ، عن حذيفة أنه قال : ذلك رؤيا ، وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أسري بروحه ، وحكي هذا القول أيضا عن عائشة - رضي الله عنها - وعن معاوية - رضي الله عنه - .

واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين :

أحدهما : في إثبات الجواز العقلي .

الثاني : في الوقوع .

أما المقام الأول : وهو إثبات الجواز العقلي ، فنقول : الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها . والله تعالى قادر على جميع الممكنات ، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع ، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين :

المقدمة الأولى : في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ، ويدل عليه وجوه :

الوجه الأول : أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع ، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع . وبتقدير أن يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر ، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان ؛ فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان ، والله أعلم .

الوجه الثاني : وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة . ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع ، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه .

الوجه الثالث : أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش ، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم ، فإن كان القول بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول ، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد ، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش إلى مكة ، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا .

فإن قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، وإنما نقول : المراد من نزول جبريل - عليه السلام - هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام .

قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء ، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة ، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا ، ( روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل ، وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا ، فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل ، فكلما ذكر شيئا ، قال أبو بكر : صدقت . فلما تمم الكلام قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله حقا ، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا ) ، وحاصل الكلام أن أبا بكر - رضي الله عنه - كأنه قال : لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا ، فكيف أكذبه في هذا ؟

الوجه الرابع : أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ، ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم ، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس ، فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى ، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، أما الذين يقولون : إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة ، وأنه ليس بجسم ولا جسماني ، فهذا الإلزام غير وارد عليهم ، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل .

فإن قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة ؛ لأنهم أجسام لطيفة ، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها ، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه ؟

قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر ، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني ، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى .

الوجه الخامس : أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة ، قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام : ( { غدوها شهر ورواحها شهر } ) [ سبأ : 12] . بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة ، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة .

الوجه السادس : أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر ؛ بدليل قوله تعالى : ( { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ) [النمل : 40] . وإذا كان ممكنا في حق بعض الناس ، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود .

الوجه السابع : أن من الناس من يقول : الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ، ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه ، فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة ، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السرعة من الممكنات لا من الممتنعات ، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه . المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممتنعا ، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه .

وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكن ، فوجب كونه تعالى قادرا عليه ، وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه .

أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو حاصل في جميع المعجزات ، فانقلاب العصا ثعبانا تبلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت - أمر عجيب ! وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب ، وكذا القول في جميع المعجزات ، فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع ، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات ، وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة ، وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال ، فكذا ههنا ، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع ، والله أعلم .



المقام الثاني : في البحث عن وقوع المعراج . قال أهل التحقيق : الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى - القرآن والخبر ، أما القرآن فهو هذه الآية ، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح ، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح .

واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح ، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده ، فقد احتجوا عليه بوجوه :

أحدها : أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى آخره ، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال ، والباقي غير متبدل ، فالإنسان مغاير لهذا البدن .

وثانيها : أن الإنسان قد يكون عارفا بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلا عن جميع أجزائه البدنية ، والمعلوم مغاير للمغفول عنه ، فالإنسان مغاير لهذا البدن .

وثالثها : أن الإنسان يقول بمقتضى فطرته السليمة : يدي ، ورجلي ، ودماغي ، وقلبي ، وكذا القول في سائر الأعضاء ، فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة . والمضاف غير المضاف إليه ، فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء .

فإن قالوا : أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول : ذاتي ونفسي ، فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته ، وهذا محال .

قلنا : نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد . وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة اليد ، ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن . فالإنسان شيء واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات ، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ، ولهذا الجسد .

إذا ثبت هذا فنقول : ( { سبحان الذي أسرى بعبده } ) المراد من العبد جوهر الروح ، وعلى هذا التقرير فلم



يبق في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد .

فإن قالوا : فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال : ( { سبحان الذي أسرى بعبده } ) .

قلنا : هذا أيضا بعيد ؛ لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره البتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقا به . فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معا .

والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى : ( { أرأيت الذي ينهى } { عبدا إذا صلى } ) [العلق : 9 - 10 ] . ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضا في سورة الجن : ( { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } ) [الجن : 19] . والمراد مجموع الروح والجسد ، فكذا ههنا .

وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور ، وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السماوات ، واحتج المنكرون له بوجوه :

أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة :

أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة .

وثانيها : أن صعود الجرم الثقيل إلى السماوات غير معقول .

وثالثها : أن صعوده إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك ، وذلك محال .

والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات ، وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثا ، وذلك لا يليق بالحكيم .

والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : ( { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ) [الإسراء : 60] . وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما كان فتنة للناس ؛ لأن كثيرا ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر به فكان حديث المعراج سببا لفتنة الناس ، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام .

الشبهة الرابعة : أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة ، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بماء زمزم وهو بعيد ؛ لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة ، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد ؛ لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك ، فأي حاجة إلى البراق ، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ، ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام . قال القاضي : وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره ، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال ، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما يجوز قبوله فكان مردودا .

والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها .

والجواب عن الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى وهو قوله : ( { لنريه من آياتنا } ) . وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه :

الأول : أن خيرات الجنة عظيمة ، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا ، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار ، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما ، وحينئذ يتفرغ للشفاعة .

الثاني : لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة - صارت سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم .

الثالث : أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السماوات والكرسي والعرش ، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه ، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل ، وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى . يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب - لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين .

واعلم أن قوله : ( { لنريه من آياتنا } ) كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين .

والجواب عن الشبهة الثالثة : أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام .

والجواب عن الشبهة الرابعة : لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : أما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش ، فهذه الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة " والنجم " ، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى : ( { لتركبن طبقا عن طبق } ) [الانشقاق : 19] . وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف . والله أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 20-20 , الصفحة 116 - 122
counter free hit invisible