<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

قال القرطبي : وهي مكية في قول جميع المفسرين .

وروي عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله : { جرزا } والأول أصح . انتهى .

ومن القائلين إنها مكية جميعها ابن عباس ، أخرجه عنه النحاس وابن مردويه ومنهم ابن الزبير ، أخرجه عنه ابن مردويه .

وقد ورد في فضلها أحاديث منها ما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ) .

وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ) .

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما ، عن البراء قال : ( قرأ رجل سورة الكهف وفي الدار دابة ، فجعلت تنفر ، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقال : اقرأ فلان ، فإن السكينة نزلت للقرآن ) ، وهذا الذي كان يقرأ هو أسيد بن حضير كما بينه الطبراني .

وأخرج الترمذي وصححه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ) وفي قراءة العشر الآيات من أولها أو من آخرها أحاديث .

وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن علي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون ، فإن خرج الدجال عصم منه ) .

وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ سورة الكهف كانت له نورا من مقامه إلى مكة ، ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ) .

وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) .

وأخرجه البيهقي أيضا في السنن من هذا الوجه ومن وجه آخر .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين ) .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين السماء والأرض ولكاتبها من الأجر مثل ذلك ومن قرأها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ، ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله من أي الليل شاء ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : سورة أصحاب الكهف ) .

وأخرج ابن مردويه ، عن عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( البيت الذي تقرأ فيه سورة الكهف لا يدخله شيطان تلك الليلة ) وفي الباب أحاديث وآثار ، وفيما أوردناه كفاية مغنية .

بسم الله الرحمن الرحيم . { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } { قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } { ماكثين فيه أبدا } { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } { ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } .

علم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم ، ووصفه بالموصول يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله ، ووجه كون إنزال الكتاب - وهو القرآن - نعمة على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كونه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ، وأحوال الملائكة والأنبياء ، وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله وتعبد أمته بها ، وكذلك العباد كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم لمثل ما ذكرناه في النبي { ولم يجعل له عوجا } أي : شيئا من العوج بنوع من أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى ، و ( العوج ) بالكسر في المعاني ، وبالفتح في الأعيان . كذا قيل ، ويرد عليه قوله سبحانه : { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } [ طه : 107 ] ، يعني الجبال ، وهي من الأعيان .

قال الزجاج : المعنى في الآية : لم يجعل فيها اختلافا كما قال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . [ النساء : 82 ]

والقيم : المستقيم الذي لا ميل فيه ، أو القيم بمصالح العباد الدينية والدنيوية ، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمنا عليها ، وعلى الأول يكون تأكيدا لما دل عليه نفي العوج ، فرب مستقيم في الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة ، وانتصاب ( قيما ) بمضمر أي : جعله قيما ، ومنع صاحب الكشاف أن يكون حالا من الكتاب ؛ لأن قوله : ( ولم يجعل ) معطوف على ( أنزل ) فهو داخل في حيز الصلة ، فجاعله حالا من الكتاب فصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة .

وقال الأصفهاني : هما حالان متواليان إلا أن الأول جملة والثاني مفرد ، وهذا صواب ؛ لأن قوله : ( { ولم يجعل } ) لم يكن معطوفا على ما قبله بل الواو للحال ، فلا فصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة .

وقيل : إن ( قيما ) حال من ضمير ( لم يجعل له ) وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ، ثم أراد سبحانه أن يفصل ما أجمله في قوله : ( قيما ) فقال : { لينذر بأسا شديدا } وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم ، والمعنى : لينذر الكافرين .

والبأس : العذاب ، ومعنى ( من لدنه ) صادرا من لدنه نازلا من عنده .

روى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ : ( من لدنه ) بإشمام الدال الضمة ، وبكسر النون والهاء . وهي لغة الكلابيين .

وروى أبو زيد عن جميع القراء فتح اللام وضم الدال وسكون النون { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات } قرئ ( يبشر ) بالتشديد والتخفيف ، وأجري الموصول على موصوله المذكور ؛ لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان { أن لهم أجرا حسنا } وهو الجنة حال كونهم ( ماكثين فيه ) أي : في ذلك الأجر ( أبدا ) أي : مكثا دائما لا انقطاع له ، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار .

ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به ، وهو البأس الشديد ، لتقدم ذكره فقال : { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } وهم اليهود والنصارى وبعض كفار قريش . القائلون بأن الملائكة بنات الله ، فذكر سبحانه أولا قضية كلية ، وهي إنذار عموم الكفار ،

ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية ، تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية ، فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر ( { ما لهم به من علم } ) أي : بالولد ، أو اتخاذ الله إياه ، و ( من ) مزيدة لتأكيد النفي ، والجملة في محل نصب على الحال ، أو هي مستأنفة ، والمعنى : ما لهم بذلك علم أصلا ( { ولا لآبائهم } ) علم ، بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة ، وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعا { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } انتصاب ( كلمة ) على التمييز ، وقرئ بالرفع على الفاعلية .

قال الفراء : كبرت تلك الكلمة كلمة .

وقال الزجاج : كبرت مقالتهم كلمة ، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم : ( اتخذ الله ولدا ) .

ثم وصف الكلمة بقوله : { تخرج من أفواههم } وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها ، والخارج من الفم وإن كان هو مجرد الهوى ، لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهوى أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل ، ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال : { إن يقولون إلا كذبا } أي : ما يقولون إلا كذبا لا مجال للصدق فيه بحال .

ثم سلى رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم } قال الأخفش والفراء : البخع الجهد .

وقال الكسائي : بخعت الأرض بالزراعة : إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة ، وبخع الرجل نفسه : إذا نهكها .

وقال أبو عبيدة : معناه مهلك نفسك ، ومنه قول ذي الرمة : ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه فيكون المعنى على هذه الأقوال لعلك مجهد نفسك أو مضعفها أو مهلكها على آثارهم على فراقهم ومن بعد توليهم وإعراضهم { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } أي : القرآن . وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله .

وقرئ بفتح ( أن ) أي : لأن لم يؤمنوا ( أسفا ) أي : غيظا وحزنا ، وهو مفعول له أو مصدر في موضع الحال . كذا قال الزجاج .

{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } هذه الجملة استئناف .

والمعنى : إنا جعلنا ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها من الحيوانات والنبات والجماد كقوله سبحانه : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } وانتصاب ( زينة ) على أنها مفعول ثان لجعل ، واللام في { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } متعلقة بجعلنا ، وهي إما للغرض أو للعاقبة ، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان .

وقال الزجاج : أيهم رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام ، والمعنى : لنمتحن أهذا أحسن عملا أم ذاك ؟ قال الحسن : أيهم أزهد ، وقال مقاتل : أيهم أصلح فيما أوتي من العلم .

ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال : { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } أي : لجاعلون ما عليها من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا صعيدا ترابا .

قال أبو عبيدة : الصعيد المستوي من الأرض .

وقال الزجاج : هو الطريق الذي لا نبات فيه .

قال الفراء : الجرز الأرض التي لا نبات فيها ، ومن قولهم : امرأة جراز : إذا كانت أكولا ، وسيف جراز : إذا كان مستأصلا ، وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض : إذا أكلت ما عليها .

قال ذو الرمة : طوى النحز والإجراز ما في بطونها ومعنى النظم : لا تحزن يا محمد مما وقع من هؤلاء من التكذيب فإنا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم ، وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازوهم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } الآية قال : أنزل الكتاب عدلا قيما { ولم يجعل له عوجا } ملتبسا .

وأخرج ابن المنذر ، عن الضحاك ( قيما ) قال : مستقيما .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة من لدنه أي : من عنده .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي حسنا يعني الجنة { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } قال : هم اليهود والنصارى وأخرج ابن مردويه ، ( عن ابن عباس قال : اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البحتري في نفر من قريش ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه ، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة ، فأحزنه حزنا شديدا ، فأنزل الله سبحانه : { فلعلك باخع نفسك } ) .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه { باخع نفسك } يقول : قاتل نفسك .

وأخرج عبد بن حميد ، عن مجاهد مثله .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي مثله .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أسفا قال : جزعا .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أسفا قال : حزنا .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال : الرجال .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير من قوله مثله .

وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة من طريق مجاهد ، عن ابن عباس في الآية قال : العلماء زينة الأرض .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن قال : هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه ، عن ابن عمر قال : ( تلا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هذه الآية { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } فقلت : ما معنى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ليبلوكم أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله ) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : ليختبرهم { أيهم أحسن عملا } قال : أيهم أتم عقلا .

وأخرج ، عن الحسن { أيهم أحسن عملا } قال : أشدهم للدنيا تركا ، وأخرج أيضا ، عن الثوري قال : أزهدهم في الدنيا .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } قال : يهلك كل شيء ويبيد .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : الصعيد التراب والجبال التي ليس فيها زرع .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن قال : يعني بالجرز الخراب .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 849 - 850
counter free hit invisible