<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ( 73 ) { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } ( 74 ) ) .

يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان : أنهم يصدون عن ذلك ، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم : ( { خير مقاما وأحسن نديا } ) أي : أحسن منازل وأرفع دورا وأحسن نديا ، وهو مجمع الرجال للحديث ، أي : ناديهم أعمر وأكثر واردا وطارقا ، يعنون : فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل ، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق ؟ كما قال تعالى مخبرا عنهم : ( { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ) [ الأحقاف : 11 ] . وقال قوم نوح : ( { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ) [ الشعراء : 111 ] ، وقال تعالى : ( { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } ) [ الأنعام : 53 ] ; ولهذا قال تعالى رادا عليهم شبهتهم : ( { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } ) أي : وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم ، ( { هم أحسن أثاثا ورئيا } ) أي : كانوا أحسن من هؤلاء أموالا وأمتعة ومناظر وأشكالا .

وقال الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس : ( { خير مقاما وأحسن نديا } ) قال : المقام المنزل ، والندي المجلس ، والأثاث المتاع ، والرئي المنظر .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : المقام المسكن ، والندي المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها ، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن : ( { كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم } ) [ الدخان : 25 ، 26 ] ، فالمقام المسكن والنعيم ، والندي المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه ، وقال الله فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط : ( { وتأتون في ناديكم المنكر } ) [ العنكبوت : 29 ] ، والعرب تسمي المجلس : النادي .

وقال قتادة : لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة ، وفيهم قشافة ، تعرض أهل الشرك بما تسمعون : ( { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ) وكذا قال مجاهد ، والضحاك .

ومنهم من قال في الأثاث : هو المال . ومنهم من قال : المتاع . ومنهم من قال : الثياب ، والرئي : المنظر كما قال ابن عباس ، ومجاهد وغير واحد .

وقال الحسن البصري : يعني الصور ، وكذا قال مالك : ( { أثاثا ورئيا } ) : أكثر أموالا وأحسن صورا . والكل متقارب صحيح .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 5-5 , الصفحة 258
counter free hit invisible