<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة طه )

( سورة طه )

وهي مائة وثلاثون وخمس آيات .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { طه } { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } { إلا تذكرة لمن يخشى } { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا } { الرحمن على العرش استوى } { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { طه } { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } { إلا تذكرة لمن يخشى } { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا } { الرحمن على العرش استوى } { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } ) .

اعلم أن قوله ( { طه } ) فيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء ، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر ، وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الطاء والهاء ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء ، قال الزجاج : وقرئ طه بفتح الطاء وسكون الهاء ، وكلها لغات . قال الزجاج : من فتح الطاء والهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح ، ومن كسر الطاء والهاء فأمال الكسرة ؛ لأن الحرف مقصور والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسرة .

المسألة الثانية : للمفسرين فيه قولان :

أحدهما : أنه من حروف التهجي ، والآخر أنه كلمة مفيدة ، أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول سورة البقرة ، والذي زادوه ههنا أمور :

أحدها : قال الثعلبي : طا شجرة طوبى والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة والنار .

وثانيها : يحكى عن جعفر الصادق - عليه السلام - الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم .

وثالثها : يا مطمع الشفاعة للأمة ويا هادي الخلق إلى الملة .

ورابعها : قال سعيد بن جبير : هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي .

وخامسها : الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه قيل يا طاهرا من الذنوب ، ويا هاديا إلى علام الغيوب .

وسادسها : الطاء طول القراء والهاء هيبتهم في قلوب الكفار ، قال الله تعالى : ( { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } ) [ آل عمران : 151 ] .

وسابعها : الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة تكون أربعة عشر ومعناه يا أيها البدر ، وقد عرفت فيما تقدم أن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها .

القول الثاني : قول من قال : إنها كلمة مفيدة وعلى هذا القول ذكروا وجهين :

أحدهما : معناه يا رجل وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي - رضي الله عنهم - ثم قال سعيد بن جبير بلسان النبطية ، وقال قتادة بلسان السريانية وقال عكرمة بلسان الحبشة ، وقال الكلبي بلغة عك وأنشد الكلبي لشاعرهم : إن السفاهة طه في خلائقكم لا قدس الله أرواح الملاعين

وقد تكلم الناس على هذا القول من وجهين :

الأول : أنه بمعنى يا رجل في اللغة حمل عليه لكنه لا يجوز إن ثبت على هذا المعنى إلا في لغة العرب إذ القرآن بهذه اللغة نزل ، فيحتمل أن تكون لغة العرب في هذه اللفظة موافقة لسائر اللغات التي حكيناها ، فأما على غير هذا الوجه فلا يحتمل ولا يصح .

الثاني : قال صاحب " الكشاف " : إن كان طه في لغة عك بمعنى يا رجل فلعلهم تصرفوا في يا هذا فقلبوا الياء طاء فقالوا طا ، واختصروا في هذا واقتصروا على ها فقوله طه بمعنى يا هذا ، واعترض بعضهم عليه وقالوا : لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طا ها .

وثانيهما : أنه - عليه السلام - كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا وكان الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قالوا هيا في إياك وهرقت في أرقت ، ويجوز أن يكون الأصل من وطئ على ترك الهمزة فيكون أصله طأ يا رجل ثم أثبت الهاء فيها للوقف والوجهان ذكرهما الزجاج .



أما قوله تعالى : ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : إن جعلت طه تعديدا لأسماء الحروف فهذا ابتداء كلام ، وإن جعلتها اسما للسورة احتمل أن يكون قوله : ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ والقرآن ظاهر أوقع موقع المضمر ؛ لأنها قرآن وأن يكون جوابا لها وهي قسم .

المسألة الثانية : قرئ " ما نزل عليك القرآن لتشقى " .

المسألة الثالثة : ذكروا في سبب نزول الآية وجوها :

أحدها : قال مقاتل إن أبا جهل ، والوليد بن المغيرة ، ومطعم بن عدي ، والنضر بن الحارث ، قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال - عليه السلام - : " بل بعثت رحمة للعالمين " قالوا : بل أنت تشقى ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم ، وتعريفا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بأن دين الإسلام هو السلام ، وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز ، والسبب في إدراك كل سعادة ، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها .

وثانيها : ( أنه - عليه السلام - صلى بالليل حتى تورمت قدماه فقال له جبريل - عليه السلام - : " أبق على نفسك فإن لها عليك حقا " ) أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة ، وروي أيضا أنه - عليه السلام - : " ( كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام ) " وقال بعضهم كان يقوم على رجل واحدة ، وقال بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله : ( { لتشقى } ) ذلك ، قال القاضي هذا بعيد ؛ لأنه - عليه السلام - إن فعل شيئا من ذلك فلا بد وأن يكون قد فعله بأمر الله تعالى ، وإذا فعله بأمره فهو من باب السعادة ، فلا يجوز أن يقال له : ما أمرناك بذلك .

وثالثها : قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك ولا تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن ؛ لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ، ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا البلاغ وهو كقوله تعالى : ( { لعلك باخع نفسك } ) [ الشعراء : 3 ] الآية ، ( { ولا يحزنك قولهم } ) [ يونس : 65 ] .

ورابعها : أنك لا تلام على كفر قومك كقوله تعالى : ( { لست عليهم بمسيطر } ) [ الغاشية : 22 ] ، ( { وما أنت عليهم بوكيل } ) [ الشورى : 6 ] أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ولا تؤاخذ بذنبهم .

وخامسها : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان - عليه السلام - مقهورا تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبدا بل يعلو أمرك ويظهر قدرك ، فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيا فيما بينهم ، بل تصير معظما مكرما . وأما قوله تعالى : ( { إلا تذكرة لمن يخشى } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : في كلمة ( إلا ) ههنا قولان :

أحدهما : أنه استثناء منقطع بمعنى لكن .

والثاني : التقدير ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة كما يقال ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك .

المسألة الثانية : إنما خص من يخشى بالتذكرة ؛ لأنهم المنتفعون بها وإن كان ذلك عاما في الجميع وهو كقوله : ( { هدى للمتقين } ) [ البقرة : 2 ] وقال سبحانه وتعالى : ( { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } ) [ الفرقان : 1 ] وقال : ( { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون } ) [ يس : 6 ] وقال : ( { وتنذر به قوما لدا } ) [ مريم : 97 ] وقال : ( { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ) [الذاريات : 55] .

المسألة الثالثة : وجه كون القرآن تذكرة أنه - عليه السلام - كان يعظهم به وببيانه فيدخل تحت قوله ( { لمن يخشى } ) الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه في الخشية والتذكرة بالقرآن كان فوق الكل .



وأما قوله تعالى : ( { تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : ذكروا في نصب تنزيلا وجوها :

أحدها : تقديره نزل تنزيلا ممن خلق الأرض فنصب تنزيلا بمضمر .

وثانيها : أن ينصب بأنزلنا ؛ لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة - أنزلناه تذكرة .

وثالثها : أن ينصب على المدح والاختصاص .

ورابعها : أن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله الله تعالى : ( { تذكرة لمن يخشى } ) تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين وقرئ تنزيل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف .

المسألة الثانية : فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور :

أحدها : أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة .

وثانيها : أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين .

وثالثها : يجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل - عليه السلام - والملائكة النازلين معه .

المسألة الثالثة : أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض وخلق السماوات على علوها ، وإنما قال ذلك لأن تعظيم الله تعالى يظهر بتعظيم خلقه ونعمه ، وإنما عظم القرآن ترغيبا في تدبره والتأمل في معانيه وحقائقه وذلك معتاد في الشاهد فإنه تعظم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون المرسل إليه أقرب إلى الامتثال .

المسألة الرابعة : يقال سماء عليا وسماوات علا وفائدة وصف السماوات بالعلا الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها .



أما قوله تعالى : ( { الرحمن على العرش استوى } ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرئ ( الرحمن ) مجرورا صفة لمن خلق ، والرفع أحسن ؛ لأنه إما أن يكون رفعا على المدح والتقدير هو الرحمن ، وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى من خلق فإن قيل الجملة التي هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح ؟ قلنا : إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير ، وإن رفعت جاز أن يكون كذلك ، وأن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ .

المسألة الثانية : المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه :

أحدها : أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان ، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنيا عنه ، فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش .

وثانيها : أن الجالس لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش ، فيكون في نفسه مؤلفا مركبا وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال .

وثالثها : أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الانتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك ، فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون محدثا لا محالة ، وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزمن بل أسوأ حالا منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم .

ورابعها : هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان ، فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل ، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان فيكون محتاجا وهو على الله محال .

وخامسها : أن قوله : ( { ليس كمثله شيء } ) [ الشورى : 11 ] يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون ، وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته ، فلو كان جالسا لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية .

وسادسها : قوله تعالى : ( { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ) [ الحاقة : 17 ] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم ، وذلك غير معقول ؛ لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله .

وسابعها : أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلها فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليس بإله ؛ لأن طريقنا إلى نفي إلهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون وما كان كذلك كان محدثا ، ولم يكن إلها فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية الشمس والقمر .

وثامنها : أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس ، فلو كان المعبود مختصا بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقا لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين ، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء .

وتاسعها : أجمعت الأمة على أن قوله : ( { قل هو الله أحد } ) [ الإخلاص : 1 ] من المحكمات لا من المتشابهات فلو كان مختصا بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره ؛ فيكون مركبا منقسما فلا يكون أحدا في الحقيقة فيبطل قوله : ( { قل هو الله أحد } ) [الإخلاص : 1] .

وعاشرها : أن الخليل - عليه السلام - قال : ( { لا أحب الآفلين } ) [ الأنعام : 76 ] ولو كان المعبود جسما لكان آفلا أبدا غائبا أبدا فكان يندرج تحت قوله : ( { لا أحب الآفلين } ) [ الأنعام : 76 ] فثبت بهذه الدلائل أن الاستقرار على الله تعالى محال وعند هذا للناس فيه قولان :

الأول : أنا لا نشتغل بالتأويل بل نقطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية وروى الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل أنه أول ثلاثة من الأخبار : قوله - عليه السلام - " ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض ) " ، وقوله - عليه السلام - : " ( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ) " وقوله - عليه السلام - : " ( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) " واعلم أن هذا القول ضعيف لوجهين :

الأول : أنه إن قطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة ، فقد قطع بأنه ليس مراد الله تعالى من الاستواء الجلوس وهذا هو التأويل .

وإن لم يقطع بتنزيه الله تعالى عن المكان والجهة بل بقي شاكا فيه فهو جاهل بالله تعالى ، اللهم إلا أن يقول أنا قاطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما يشعر به ظاهره ، بل مراده به شيء آخر ولكني لا أعين ذلك المراد خوفا من الخطأ فهذا يكون قريبا ، وهو أيضا ضعيف ؛ لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في لسان العرب ، وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار والاستيلاء وقد تعذر حمله على الاستقرار فوجب حمله على الاستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ وإنه غير جائز .

والثاني : وهو دلالة قاطعة على أنه لا بد من المصير إلى التأويل وهو أن الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار ودل ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار ، فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين ، وإما أن نتركهما معا ، وإما أن نرجح النقل على العقل ، وإما أن نرجح العقل ونؤول النقل . والأول باطل وإلا لزم أن يكون الشيء الواحد منزها عن المكان وحاصلا في المكان وهو محال ، والثاني أيضا محال ؛ لأنه يلزم رفع النقيضين معا وهو باطل ، والثالث باطل ؛ لأن العقل أصل النقل فإنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثته للرسل لم يثبت النقل ، فالقدح في العقل يقتضي القدح في العقل والنقل معا ، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل ، وهذا برهان قاطع في المقصود . إذا ثبت هذا فنقول قال بعض العلماء المراد من الاستواء الاستيلاء قال الشاعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه :

أحدها : أن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال .

وثانيها : أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه ، وكان المستولى عليه موجودا قبل ذلك ، وهذا في حق الله تعالى محال ؛ لأن العرش إنما حدث بتخليقه وتكوينه .

وثالثها : الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة . والجواب : أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية ، قال صاحب الكشاف لما كان الاستواء على العرش ، وهو سرير الملك ، لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا : استوى فلان على البلد يريدون ملك ، وإن لم يقعد على السرير البتة ، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك ؛ لأنه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك ، ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ، ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنه جواد وبخيل لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت ، حتى أن من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة ؛ لأنه لا فرق عندهم بينه وبين قوله جواد ، ومنه قوله تعالى : ( { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } ) [ المائدة : 64 ] أي هو بخيل ( { بل يداه مبسوطتان } ) [ المائدة : 64 ] أي هو جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط ، والتفسير بالنعمة والتمحل بالتسمية من ضيق العطن . وأقول : إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضا يقولون المراد من قوله : ( { فاخلع نعليك } ) [ طه : 12 ] الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل ، وقوله : ( { قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } ) [ الأنبياء : 69 ] المراد منه تخليص إبراهيم - عليه السلام - من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة ، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله تعالى ، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه ، وليت من لم يعرف شيئا لم يخض فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية ، ومن أراد الاستقصاء في الآيات والأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس وبالله التوفيق . أما قوله تعالى : ( { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } ) فاعلم أنه سبحانه لما شرح ملكه بقوله : ( { الرحمن على العرش استوى } ) والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم ، لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم . أما القدرة فهي هذه الآية والمراد أنه سبحانه مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السماوات من ملك ونجم وغيرهما ، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات ومالك لما بينهما من الهواء ، ومالك لما تحت الثرى ، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء فكيف يكون الله مالكا له ، قلنا : الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات ، أما العلم فقوله تعالى : ( { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } ) وفيه قولان :

أحدهما : أن قوله : ( { وأخفى } ) بناء المبالغة ، وعلى هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام : الجهر ، والسر ، والأخفى .

فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به ، وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض ، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم . ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى ما ليس بقول ، وهذا أظهر فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع وما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر ، والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة ، والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة ، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى على ما فيه ثواب أو عقاب ، والسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها ، والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة ، ويحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه وما وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه ، ويحتمل ما لم يقع في سره بعد فيكون أخفى من السر ، ويحتمل أيضا ما سيكون من قبل الله تعالى من الأمور التي لم تظهر ، وإن كان الأقرب ما قدمناه مما يدخل تحت الزجر والترغيب .

القول الثاني : أن أخفى فعل يعني أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه وهو كقوله : ( { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه } ) [ البقرة : 255 ] فإن قيل كيف يطابق الجزاء الشرط ؟ قلنا معناه إن تجهر بذكر الله تعالى من دعاء أو غيره ، فاعلم أنه غني عن جهرك ، وإما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله : ( { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول } ) [ الأعراف : 205 ] وإما تعليما للعباد أن الجهر ليس لاستماع الله تعالى ، وإنما هو لغرض آخر .

واعلم أن الله تعالى لذاته عالم ، وأنه عالم بكل المعلومات في كل الأوقات بعلم واحد ، وذلك العلم غير متغير ، وذلك العلم من لوازم ذاته من غير أن يكون موصوفا بالحدوث أو الإمكان والعبد لا يشارك الرب إلا في السدس الأول ، وهو أصل العلم ثم هذا السدس بينه وبين عباده أيضا نصفان فخمسة دوانيق ونصف جزء من العلم مسلم له ، والنصف الواحد لجملة عباده ، ثم هذا الجزء الواحد مشترك بين الخلائق كلهم من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وحملة العرش وسكان السماوات وملائكة الرحمة وملائكة العذاب وكذا جميع الأنبياء الذين أولهم آدم وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين - وكذا جميع الخلائق كلهم في علومهم الضرورية والكسبية والحرف والصناعات ، وجميع الحيوانات في إدراكاتها وشعوراتها والاهتداء إلى مصالحها في أغذيتها ومضارها ومنافعها ، والحاصل لك من ذلك الجزء أقل من الذرة المؤلفة ، ثم إنك بتلك الذرة عرفت أسرار إلهيته وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة . فإذا كنت بهذه الذرة عرفت هذه الأسرار فكيف يكون علمه بخمس دوانيق ونصف ، أفلا يعلم بذلك العلم أسرار عبوديتك ؟ فهذا تحقيق قوله : ( { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } ) بل الحق أن الدينار بتمامه له ؛ لأن الذي علمته فإنما علمته بتعليمه على ما قال : ( { أنزله بعلمه } ) [ النساء : 166 ] وقال : ( { ألا يعلم من خلق } ) [ الملك : 14 ] ولهذا مثال وهو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئا ، ولا ينتقص البتة من ضوئها شيء ، فكذا ههنا فكيف لا يكون عالما بالسر والأخفى ، فإن من تدبيراته في خلق الأشجار وأنواع النبات أنها ليس لها فم ولا سائر آلات الغذاء فلا جرم أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان ومنها إلى العروق ومنها إلى الأوراق ، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب التي بها يمكن ضرب الخيام .

وكما أنه لا بد من مد الطنب من كل جانب لتبقى الخيمة واقفة ، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة ، ثم لو نظرت إلى كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب من الورقة ؛ ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعا ، وهي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم والروح فتكون مقوية للبدن ، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب والخلاف ، ولا حاصل لهما ، وأقبحها شجرة التين والعنب ، و [ لكن ] انظر إلى منفعتهما ، فهذه الأشياء وأشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض .



أما قوله تعالى : ( { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } ) فالكلام فيه على قسمين :

الأول : في التوحيد . اعلم أن دلائل التوحيد ستأتي إن شاء الله في تفسير قوله تعالى : ( { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) [ الأنبياء : 22 ] وإنما ذكره ههنا ليبين أن الموصوف بالقدرة وبالعلم على الوجه الذي تقدم واحد لا شريك له ، وهو الذي يستحق العبادة دون غيره ، ولنذكر ههنا نكتا متعلقة بهذا الباب وهي أبحاث :

البحث الأول : اعلم أن مراتب التوحيد أربع :

أحدها : الإقرار باللسان .

والثاني : الاعتقاد بالقلب .

والثالث : تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة .

والرابع : أن يصير العبد مغمورا في بحر التوحيد بحيث لا يدور في خاطره شيء غير عرفان الأحد الصمد .

أما الإقرار باللسان فإن وجد خاليا عن الاعتقاد بالقلب فذلك هو المنافق . وأما الاعتقاد بالقلب إذا وجد خاليا عن الإقرار باللسان ففيه صور :

الصورة الأولى : أن من نظر وعرف الله تعالى ، وكما عرفه مات قبل أن يمضي عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بكلمة الشهادة فقال قوم إنه لا يتم إيمانه ، والحق أنه يتم ؛ لأنه أدى ما كلف به وعجز عن التلفظ به فلا يبقى مخاطبا ، ورأيت في [ بعض ] الكتب أن ملك الموت مكتوب على جبهته لا إله إلا الله لكي إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك التذكر عن الذكر .

الصورة الثانية : أن من عرف الله ومضى عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بالكلمة ولكنه قصر فيه ، قال الشيخ الغزالي : يحتمل أن يقال اللسان ترجمان القلب ، فإذا حصل المقصود في القلب كان امتناعه من التلفظ جاريا مجرى امتناعه من الصلاة والزكاة وكيف يكون من أهل النار ، وقد قال - عليه السلام - : " ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) " وقلب هذا الرجل مملوء من الإيمان ؟ وقال آخرون : الإيمان والكفر أمور شرعية نحن نعلم أن الممتنع من هذه الكلمة كافر .

الصورة الثالثة : من أقر باللسان واعتقد بالقلب من غير دليل فهو مقلد والاختلاف في صحة إيمانه مشهور .

أما المقام الثالث : وهو إثبات التوحيد بالدليل والبرهان فقد بينا في تفسير قوله تعالى : ( { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) [ الأنبياء : 22 ] أنه يمكن إثبات هذا المطلوب بالدلائل العقلية والسمعية واستقصينا القول فيها هناك .

أما المقام الرابع : وهو الفناء في بحر التوحيد فقال المحققون : العرفان مبتدأ من تفريق ونقض وترك ورفض ممكن في جميع صفات هي من صفات الحق للذات المريدة بالصدق منتبه إلى الواحد القهار ، ثم وقوف هذه الكلمات محيطة بأقصى نهايات درجات السائرين إلى الله تعالى .

البحث الثاني : في الأخبار الواردة في التهليل :

أولها : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ( أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء : أستغفر الله ، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) " .

وثانيها : قال - عليه السلام - : " ( إن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة قبل أن خلق السماوات والأرض وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا الله مادا بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها ، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيما لله عز وجل ) " .

وثالثها : عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال - عليه السلام - : " ( ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ويشفعني حتى قلت : يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله ، قال : يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع أحدا في النار قال لا إله إلا الله ) " .

وثانيها : قال سفيان الثوري : سألت جعفر بن محمد عن حم عسق قال : الحاء حكمه والميم ملكه والعين عظمته والسين سناؤه والقاف قدرته ، يقول الله جل ذكره : بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله .

وخامسها : أن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ( من قام في السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، كتب له الله ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له بيتا في الجنة ) " .

البحث الثالث : في النكت :

أحدها : ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله : التصديق والتعظيم والحلاوة والحرية ، فمن ليس له التصديق فهو منافق ومن ليس له التعظيم فهو مبتدع ومن ليس له الحلاوة فهو مراء ومن ليس له الحرية فهو فاجر .

وثانيها : قال بعضهم قوله : ( { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة } ) [ إبراهيم : 24 ] أنه لا إله إلا الله : ( { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ) [ فاطر : 10 ] لا إله إلا الله ( { وتواصوا بالحق } ) [ العصر : 3 ] لا إله إلا الله ( { قل إنما أعظكم بواحدة } ) [ سبأ : 46 ] لا إله إلا الله ( { وقفوهم إنهم مسئولون } ) [ الصافات : 24 ] عن قول لا إله إلا الله : ( { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } ) [ الصافات : 37 ] هو لا إله إلا الله : ( { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ) [ إبراهيم : 27 ] هو لا إله إلا الله : ( { ويضل الله الظالمين } ) [ إبراهيم : 27 ] عن قول لا إله إلا الله .

وثالثها : ( أن موسى بن عمران - عليه السلام - قال : " يا رب علمني شيئا أذكرك به قال : قل لا إله إلا الله قال : كل عبادك يقولون لا إله إلا الله ! فقال : قل لا إله إلا الله قال إنما أردت شيئا تخصني به! قال : يا موسى لو أن السماوات السبع ومن فيهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله " ) .

البحث الرابع : في إعرابه . قالوا كلمة ( لا ) ههنا دخلت على الماهية ، فانتفت الماهية ، وإذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية . وأما الله فإنه اسم علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملا للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد ، فقالوا : ( لا ) استحقت عمل ( أن ) لمشابهتها لها من وجهين :

أحدهما : ملازمة الأسماء ، والآخر تناقضهما فإن أحدهما لتأكيد الثبوت والآخر لتأكيد النفي ، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم ، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا : إن زيدا ذاهب كان يجب أن يقولوا لا رجلا ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح ، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسما واحدا ، وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقا بين الدليل الموجب للإعراب والدليل الموجب للبناء .

الثاني : خبره محذوف والأصل لا إله في الوجود ولا حول ولا قوة لنا وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية .

البحث الخامس : قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب ، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم ههنا السلب على الثبوت . وجوابه : أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه .

القسم الثاني : من الكلام في الآية البحث عن أسماء الله تعالى وفيه أبحاث :

البحث الأول : قال - عليه السلام - : " ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيها الناس أنا جعلت لكم نسبا وأنتم جعلتم لأنفسكم نسبا ، أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم ، أين المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) " واعلم أن الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقاسم : كامل لا يحتمل النقصان ، وناقص لا يحتمل الكمال ، وثالث يقبل الأمرين ، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو الله تعالى ، وذلك في حقه بالوجوب الذاتي وبعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم : ( { لا يعصون الله ما أمرهم } ) [ التحريم : 6 ] ومن صفاتهم أنهم : ( { بل عباد مكرمون } ) [ الأنبياء : 26 ] ومن صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، وأما الناقص الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات والنبات والبهائم ، وأما الذي يقبل الأمرين جميعا فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه ( { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } ) [ القمر : 55 ] وتارة في التسفل بحيث يقال : ( { ثم رددناه أسفل سافلين } ) [ التين : 5 ] وإذا كان كذلك استحال أن يكون الإنسان كاملا لذاته ، وما لا يكون كاملا لذاته استحال أن يصير موصوفا بالكمال إلى أن يصير منتسبا إلى الكامل لذاته . لكن الانتساب قسمان : قسم يعرض للزوال وقسم لا يكون يعرض للزوال . أما الذي يكون يعرض للزوال ، فلا فائدة فيه ، ومثاله الصحة والمال والجمال ، وأما الذي لا يكون يعرض للزوال فعبوديتك لله تعالى فإنه كما يمتنع زوال صفة الإلهية عنه يمتنع زوال صفة العبودية عنك فهذه النسبة لا تقبل الزوال ، والمنتسب إليه وهو الحق سبحانه لا يقبل الخروج عن صفة الكمال . ثم إذا كنت من بلد أو منتسبا إلى قبيلة فإنك لا تزال تبالغ في مدح تلك البلدة والقبيلة بسبب ذلك الانتساب العرضي فلأن تشتغل بذكر الله تعالى ونعوت كبريائه بسبب الانتساب الذاتي كان أولى فلهذا قال : ( { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ) [ الأعراف : 180 ] وقال : ( { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } ) .

البحث الثاني : في تقسيم أسماء الله تعالى . اعلم أن اسم كل شيء ، إما أن يكون واقعا عليه بحسب ذاته أو بحسب أجزاء ذاته أو بحسب الأمور الخارجة عن ذاته .

أما القسم الأول : فقد اختلفوا في أنه هل لله تعالى اسم على هذا الوجه ؟ وهذه المسألة مبنية على أن حقيقة الله تعالى هل هي معلومة للبشر أم لا ؟ فمن قال إنها غير معلومة للبشر قال : ليس لذاته المخصوصة اسم ؛ لأن المقصود من الاسم أن يشار به إلى المسمى وإذا كانت الذات المخصوصة غير معلومة امتنعت الإشارة العقلية إليها ، فامتنع وضع الاسم لها ، وقد تكلمنا في تحقيق ذلك في تفسير اسم الله ، وأما الاسم الواقع عليه بحسب أجزاء ذاته فذلك محال ؛ لأنه ليس لذاته شيء من الأجزاء ؛ لأن كل مركب ممكن ، وواجب الوجود لا يكون ممكنا فلا يكون مركبا ، وأما الاسم الواقع بحسب الصفات الخارجة عن ذاته ، فالصفات إما أن تكون ثبوتية حقيقية أو ثبوتية إضافية أو سلبية أو ثبوتية مع إضافية أو ثبوتية مع سلبية أو إضافية مع سلبية أو ثبوتية وإضافية وسلبية ، ولما كانت الإضافات الممكنة غير متناهية ، وكذا السلوب غير متناهية ، أمكن أن يكون للباري تعالى أسماء متباينة لا مترادفة غير متناهية . فهذا هو التنبيه على المأخذ .

البحث الثالث : يقال : إن لله تعالى أربعة آلاف اسم ، ألف لا يعلمها إلا الله تعالى وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء .

وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونها فثلاثمائة منها في التوراة وثلاثمائة في الإنجيل وثلاثمائة في الزبور ومائة في الفرقان تسع وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم فمن أحصاها دخل الجنة .

البحث الرابع : الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناء ومدحا ، كقوله جاعل وفالق وخالق فإذا قيل : ( { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا } ) [ الأنعام : 96 ] صار مدحا ، وأما الاسم الذي يكون مدحا فمنه ما إذا قرن بغيره صار أبلغ نحو قولنا : حي فإذا قيل الحي القيوم أو الحي الذي لا يموت كان أبلغ وأيضا قولنا بديع فإنك إذا قلت بديع السماوات والأرض ازداد المدح ، ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ، ولكن لا يجوز إفراده كقولك : دليل . وكاشف ، فإذا قيل : يا دليل المتحيرين ، ويا كاشف الضر والبلوى جاز ، ومنه ما يكون اسم مدح مفردا أو مقرونا كقولنا الرحمن الرحيم .

البحث الخامس : من الأسماء ما يكون مقارنتها أحسن كقولك الأول الآخر المبدئ المعيد الظاهر الباطن ومثاله قوله تعالى في حكاية قول المسيح : ( { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ) [ المائدة : 118 ] وبقية الأبحاث قد تقدمت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم .

البحث السادس : في النكت [ أولها ] رأى بشر الحافي كاغدا مكتوبا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه بالمسك وبلعه فرأى في النوم قائلا يقول : يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا والآخرة .

وثانيها : قوله تعالى : ( { ولله الأسماء الحسنى } ) وليس حسن الأسماء لذواتها لأنها ألفاظ وأصوات بل حسنها لحسن معانيها ثم ليس حسن أسماء الله حسنا يتعلق بالصورة والخلقة فإن ذلك محال على من ليس بجسم بل حسن يرجع إلى معنى الإحسان ، مثلا اسم الستار والغفار والرحيم إنما كانت حسناء لأنها دالة على معنى الإحسان ، وروي أن حكيما ذهب إليه قبيح وحسن والتمسا الوصية فقال للحسن : أنت حسن والحسن لا يليق به الفعل القبيح ، وقال للآخر أنت قبيح والقبيح إذا فعل الفعل القبيح عظم قبحه . فنقول : إلهنا أسماؤك حسنة وصفاتك حسنة فلا تظهر لنا من تلك الأسماء الحسنة والصفات الحسنة إلا الإحسان ، إلهنا يكفينا قبح أفعالنا وسيرتنا فلا نضم إليه قبح العقاب ووحشة العذاب .

وثالثها : قوله - عليه السلام - : " ( اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه ) " إلهنا حسن الوجه عرضي أما حسن الصفات والأسماء فذاتي فلا تردنا عن إحسانك خائبين خاسرين .

ورابعها : ذكر أن صيادا كان يصيد السمك فصاد سمكة وكان له ابنة فأخذتها ابنته فطرحتها الماء وقالت : إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها ، إلهنا تلك الصبية رحمت غفلة هاتيك السمكة وكانت تلقيها مرة أخرى في البحر ونحن قد اصطادتنا وسوسة إبليس وأخرجتنا من بحر رحمتك فارحمنا بفضلك وخلصنا منها وألقنا في بحار رحمتك مرة أخرى .

وخامسها : ذكرت من الأسماء خمسة في الفاتحة ، وهي الله والرب والرحمن والرحيم والملك فذكرت الإلهية وهي إشارة إلى القهارية والعظمة فعلم أن الأرواح لا تطيق ذلك القهر والعلو ، فذكر بعده أربعة أسماء تدل على اللطف : الرب وهو يدل على التربية والمعتاد أن من ربى أحدا فإنه لا يهمل أمره ثم ذكر الرحمن الرحيم وذلك هو النهاية في اللطف والرأفة ثم ختم الأمر بالملك ، والملك العظيم لا ينتقم من الضعيف العاجز ، ولأن عائشة قالت لعلي - عليه السلام - : " ملكت فأسجح فأنت أولى بأن تعفو عن هؤلاء الضعفاء " .

وسادسها : عن محمد بن كعب القرظي قال موسى - عليه السلام - : " إلهي أي خلقك أكرم عليك ؟ قال الذي لا يزال لسانه رطبا من ذكري ، قال : فأي خلقك أعلم ؟ قال : الذي يلتمس إلى علمه علم غيره ، قال : فأي خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس ، قال : فأي خلقك أعظم جرما ؟ قال : الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له " . إلهنا إنا لا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل ، وكل ما تفعله فهو عدل ، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا .

وسابعها : قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد : سيعلم الجمع من أولى بالكرم ، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس ، ثم يقال : أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؟ ثم ينادي مناد أين الحامدون الله على كل حال ؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي . إلهنا فنحن حمدناك وأثنينا عليك بمقدار قدرتنا ومنتهى طاقتنا فاعف عنا بفضلك ورحمتك . ومن أراد الاستقصاء في الأسماء والصفات فعليه بكتاب "لوامع البينات " في الأسماء والصفات وبالله التوفيق .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 22-22 , الصفحة 3 - 13
counter free hit invisible