<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون }

يجوز أن يكون ( سورة ) خبرا عن مبتدأ مقدر دل عليه ابتداء السورة ، فيقدر : هذه سورة . واسم الإشارة المقدر يشير إلى حاضر في السمع وهو الكلام المتتالي ، فكل ما ينزل من هذه السورة وألحق بها من الآيات فهو من المشار إليه باسم الإشارة المقدر .

وهذه الإشارة مستعملة في الكلام كثيرا . ويجوز أن تكون ( سورة ) مبتدأ ويكون قوله : { الزانية والزاني } إلى آخر السورة خبرا عن ( سورة ) ويكون الابتداء بكلمة ( سورة ) ثم أجري عليه من الصفات تشويقا إلى ما يأتي بعده مثل قول النبيء صلى الله عليه وسلم : ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) .

وأحسن وجوه التقدير ما كان منساقا إليه ذهن السامع دون كلفة ، فدع عنك التقادير الأخرى التي جوزوها هنا .

ومعنى ( سورة ) جزء من القرآن معين بمبدأ ونهاية وعدد آيات . وتقدم بيانه في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير .

وجملة ( أنزلناها ) وما عطف عليها في موضع الصفة لـ ( سورة ) . والمقصود من تلك الأوصاف التنويه بهذه السورة ليقبل المسلمون بشراشرهم على تلقي ما فيها . وفي ذلك امتنان على الأمة لتحديد أحكام سيرتها في أحوالها .

ففي قوله ( أنزلناها ) تنويه بالسورة بما يدل عليه ( أنزلنا ) من الإسناد إلى ضمير الجلالة الدال على العناية بها وتشريفها . وعبر بـ ( أنزلنا ) عن ابتداء إنزال آياتها بعد أن قدرها الله بعلمه بكلامه النفسي . فالمقصود من إسناد إنزالها إلى الله تعالى تنويه بها . وعبر عن إنزالها بصيغة المضي ، وإنما هو واقع في الحال باعتبار إرادة إنزالها ، فكأنه قيل : أردنا إنزالها وإبلاغها ، فجعل ذلك الاعتناء كالماضي حرصا عليه . وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } الآية .

والقرينة قوله : ( وفرضناها ) . ومعنى ( فرضناها ) عند المفسرين : أوجبنا العمل بما فيها . وإنما يليق هذا التفسير بالنظر إلى معظم هذه السورة لا إلى جميعها فإن منها ما لا يتعلق به عمل كقوله : { الله نور السماوات والأرض } الآيات وقوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } . فالذي أختاره أن يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقوله تعالى : { نصيبا مفروضا } وقوله : ( { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } ) . وتعدية فعل ( فرضنا ) إلى ضمير السورة من قبيل ما يعبر عنه في مسائل أصول الفقه من إضافة الأحكام إلى الأعيان بإرادة أحوالها ، مثل { حرمت عليكم الميتة } ، أي : أكلها . فالمعنى : وفرضنا آياتها . وسنذكر قريبا ما يزيد هذا بيانا عند قوله تعالى : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } وكيف قوبلت الصفات الثلاث المذكورة هنا بالصفات الثلاث المذكورة هنالك .

وقرأ الجمهور { وفرضناها } بتخفيف الراء بصيغة الفعل المجرد . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ( وفرضناها ) بتشديد الراء للمبالغة مثل نزل المشدد . ونقل في حواشي الكشاف عن الزمخشري قوله : كأنه عامل في دين سـؤدده بسورة أنزلت فيه وفرضت وهذان الحكمان وهما الإنزال والفرض ثبتا لجميع السورة .

وأما قوله : { وأنزلنا فيها آيات بينات } فهو تنويه آخر بهذه السورة تنويه بكل آية اشتملت عليها السورة : من الهدي إلى التوحيد ، وحقية الإسلام ، ومن حجج وتمثيل ، وما في دلائل صنع الله على سعة قدرته وعلمه وحكمته ، وهي ما أشار إليه قوله : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين } وقوله : { ألم تر أن الله يزجي سحابا } إلى قوله : { صراط مستقيم } .

ومن الآيات البينات التي أنزلت فيها إطلاع الله رسوله على دخائل المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله : { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون } إلى قوله : إن الله خبير بما تعملون فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ثانيا .

فالآيات جمع آية وهي قطعة من الكلام القرآني دالة على معنى مستقل . وتقدم بيانها في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير . فالمراد من الآيات المنزلة في هذه السورة جميع ما اشتملت عليه من الآيات لا آيات مخصوصة من بينها . والمقصود التنويه بآياتها بإجراء وصف ( بينات ) عليها .

وإذا كانت الآيات التي اشتملت السورة على جميعها هي عين السورة لا بعضا منها إذ ليس ثم شيء غير تلك الآيات حاو لتلك الآيات حقيقة ولا مشبه بما يحوي ، فكان حرف ( في ) الموضوع للظرفية مستعملا في غير ما وضع له لا حقيقة ولا استعارة مصرحة .

فتعين أن كلمة ( فيها ) تؤذن باستعارة مكنية بتشبيه آيات هذه السورة بأعلاق نفسية تكتنز ويحرص على حفظها من الإضاعة والتلاشي كأنها مما يجعل في خزانة ونحوها . ورمز إلى المشبه به بشيء من روادفه وهو حرف الظرفية فيكون حرف ( في ) تخييلا مجردا وليس باستعارة تخيلية ; إذ ليس ثم ما يشبه بالخزانة ونحوها ، فوزان هذا التخييل وزان أظفار المنية في قول أبي ذؤيب الهذلي : وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع وهذه الظرفية شبيهة بالإضافة البيانية مثل قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } وقوله : { أكفاركم خير } فإن الكفار هم عين ضمير الجماعة المخاطبين وهم المشركون .

فقوله : { وأنزلنا فيها } هو : بمعنى وأنزلناها آيات بينات . ووصف ( آيات ) بـ ( بينات ) أي : واضحات ، مجاز عقلي ; لأن البين هو معانيها . وأعيد فعل الإنزال مع إغناء حرف العطف عنه لإظهار مزيد العناية بها .

والوجه أن جملة { لعلكم تذكرون } مرتبطة بجملة { وأنزلنا فيها آيات بينات } ; لأن الآيات بهذا المعنى مظنة التذكر ; أي : دلائل مظنة لحصول تذكركم . فحصل بهذا الرجاء وصف آخر للسورة هو أنها مبعث تذكر وعظة . والتذكر : خطور ما كان منسيا في الذهن وهو هنا مستعار لاكتساب العلم من أدلته اليقينية بجعله كالعلم الحاصل من قبل فنسيه الذهن ، أي : العلم الذي شأنه أن يكون معلوما ، فشبه جهله بالنسيان وشبه علمه بالتذكر .

وقرأ الجمهور ( تذكرون ) بتشديد الذال وأصله تتذكرون فأدغم . وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف ( تذكرون ) بتخفيف الذال فحذفت إحدى التائين اختصارا .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 19-19 , الصفحة 142 - 145
counter free hit invisible