<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وهي مكية كلها في قول الجمهور ، وكذا أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه من طرق عن ابن عباس . وأخرجه ابن مردويه عن ابن الزبير .

قال القرطبي : وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهي { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } [ الفرقان : 68 ، 69 ، 70 ] الآيات .

وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وابن حبان والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال : ( سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم ، فلببته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال : أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت : كذبت فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقلت : إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم : أرسله ، أقرئنا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم : كذلك أنزلت ، ثم قال : أقرئنا عمر ، فقرأت القراءة التي أقرأني ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم : كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ) .

بسم الله الرحمن الرحيم . { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } { الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا } { واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا } { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } { قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما } .

تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم ، ثم في النبوة لأنها الواسطة ، ثم في المعاد لأنه الخاتمة .

وأصل ( تبارك ) مأخوذ من البركة ، وهي النماء والزيادة ، حسية كانت أو عقلية . قال الزجاج : تبارك تفاعل ، من البركة . قال : ومعنى البركة : الكثرة من كل ذي خير ، وقال الفراء : إن تبارك وتقدس في العربية واحد ، ومعناهما العظمة . وقيل : المعنى : تبارك عطاؤه أي : زاد وكثر ، وقيل : المعنى : دام وثبت . قال النحاس : وهذا أولاها في اللغة ، والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت ، ومنه برك الجمل أي : دام وثبت .

واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة ، وليس من ذا في شيء . قال العلماء : هذه اللفظة لا تستعمل إلا لله سبحانه ، ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي ، والفرقان القرآن ، وسمي فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل بأحكامه ، أو بين المحق والمبطل ، والمراد بعبده نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم . ثم علل التنزيل { ليكون للعالمين نذيرا } فإن النذارة هي الغرض المقصود من الإنزال ، والمراد محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - أو الفرقان ، والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن ، لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مرسل إليهما ، ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلا إلى الثقلين ، والنذير : المنذر أي : ليكون محمد منذرا أو ليكون إنزال القرآن منذرا ، ويجوز أن يكون النذير هنا بمعنى المصدر للمبالغة أي : ليكون إنزاله إنذارا ، أو ليكون محمد إنذارا ، وجعل الضمير للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أولى ، لأن صدور الإنذار منه حقيقة ومن القرآن مجاز ، والحمل على الحقيقة أولى ولكونه أقرب مذكور .

وقيل : إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } ثم إنه سبحانه وصف نفسه بصفات أربع : الأولى : { له ملك السماوات والأرض } دون غيره فهو المتصرف فيهما ، ويحتمل أن يكون الموصول الآخر بدلا أو بيانا للموصول الأول ، والوصف أولى ، وفي تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البهاء وغيره .

والصفة الثانية { ولم يتخذ ولدا } وفيه رد على النصارى واليهود .

والصفة الثالثة { ولم يكن له شريك في الملك } وفيه رد على طوائف المشركين من الوثنية والثنوية وأهل الشرك الخفي .

والصفة الرابعة { وخلق كل شيء } من الموجودات { فقدره تقديرا } أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد وهيأه لما يصلح له .

قال الواحدي : قال المفسرون : قدر كل شيء من الأجل والرزق ، فجرت المقادير على ما خلق . وقيل : أريد بالخلق هنا مجرد الإحداث والإيجاد من غير ملاحظة معنى التقدير وإن لم يخل عنه في نفس الأمر ، فيكون المعنى : أوجد كل شيء فقدره لئلا يلزم التكرار ، ثم صرح سبحانه بتزييف مذاهب عبدة الأوثان .

فقال : { واتخذوا من دونه آلهة } والضمير في ( اتخذوا ) للمشركين وإن لم يتقدم لهم ذكر ، لدلالة نفي الشريك عليهم أي : اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين الله آلهة { لا يخلقون شيئا } والجملة في محل نصب صفة لآلهة أي : لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وغلب العقلاء على غيرهم ، لأن في معبودات الكفار الملائكة ، وعزيرا ، والمسيح { وهم يخلقون } أي يخلقهم الله سبحانه . وقيل : عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع . وقيل : معنى { وهم يخلقون } أن عبدتهم يصورونهم .

ثم لما وصف سبحانه نفسه بالقدرة الباهرة وصف آلهة المشركين بالعجز البالغ فقال { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } أي لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعا ولا يدفعوا عنها ضررا ، وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم .

ثم زاد في بيان عجزهم فنصص على هذه الأمور فقال : { ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } أي لا يقدرون على إماتة الأحياء ولا إحياء الموتى ولا بعثهم من القبور ، لأن النشور الإحياء بعد الموت ، يقال أنشر الله الموتى فنشروا ، ومنه قول الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر ولما فرغ من بيان التوحيد وتزييف مذاهب المشركين شرع في ذكر شبه منكري النبوة .

فالشبهة الأولى ما حكاه عنهم بقوله : { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك } أي : كذب افتراه أي اختلقه محمد - صلى الله عليه وآله وسلم ، والإشارة بقوله ( هذا ) إلى القرآن { وأعانه عليه } أي : على الاختلاق قوم آخرون يعنون : من اليهود .

قيل وهم : أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي ، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى ، وجبر مولى ابن عامر وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود ، وقد مر الكلام على مثل هذا في النحل .

ثم رد الله سبحانه عليهم فقال : { فقد جاءوا ظلما وزورا } أي : فقد قالوا ظلما هائلا عظيما وكذبا ظاهرا ، وانتصاب ظلما بجاءوا ، فإن ( جاء ) قد يستعمل استعمال أتى ويعدى تعديته . وقال الزجاج : إنه منصوب بنزع الخافض ، والأصل جاءوا بظلم . وقيل : هو منتصب على الحال ، وإنما كان ذلك منهم ظلما لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه ، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه ، وهذا هو الظلم ، وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر لأنهم قد كذبوا هذه المقالة .

ثم ذكر الشبهة الثانية فقال : { وقالوا أساطير الأولين } أي : أحاديث الأولين وما سطروه من الأخبار .

قال الزجاج : واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة ، وقال غيره : أساطير جمع أسطار ، مثل أقاويل وأقوال اكتتبها أي استكتبها أو كتبها لنفسه ، ومحل ( اكتتبها ) النصب على أنه حال من أساطير ، أو محله الرفع على أنه خبر ثان ، لأن أساطير مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه أساطير الأولين اكتتبها ، ويجوز أن يكون أساطير مبتدأ ، واكتتبها خبره ، ويجوز أن يكون معنى ( اكتتبها ) جمعها من الكتب ، وهو الجمع ، لا من الكتابة بالقلم . والأول أولى .

وقرأ طلحة ( اكتتبها ) مبنيا للمفعول ، والمعنى : اكتتبها له كاتب لأنه كان أميا لا يكتب ، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه ، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن كان منصوبا بارزا ، كذا قال في الكشاف ، واعترضه أبو حيان { فهي تملى عليه } أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أميا لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه ، ويجوز أن يكون المعنى ، اكتتبها : أراد اكتتابها { فهي تملى عليه } لأنه يقال أمليت عليه فهو يكتب بكرة وأصيلا غدوة ، وعشيا كأنهم قالوا : إن هؤلاء يعلمون محمدا طرفي النهار ، وقيل : معنى بكرة وأصيلا : دائما في جميع الأوقات . فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله : { قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض } أي : ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين ، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء ، فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة منه ، وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر ، والسر : الغيب أي : يعلم الغيب الكائن فيهما ، وجملة إنه كان غفورا رحيما تعليل لتأخير العقوبة أي : إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة لما تفعلونه من الكذب على رسوله والظلم له ، فإنه لا يعجل عليكم بذلك لأنه كثير المغفرة والرحمة .

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس تبارك تفاعل من البركة . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { وأعانه عليه قوم آخرون } قال : يهود { فقد جاءوا ظلما وزورا } قال : كذبا . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } هو القرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه ، وفرق الله بين الحق والباطل { ليكون للعالمين نذيرا } قال : بعث الله محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم - نذيرا من الله لينذر الناس بأس الله ووقائعه بمن خلا قبلكم { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } قال : بين لكل شيء من خلقه صلاحه وجعل ذلك بقدر معلوم { واتخذوا من دونه آلهة } قال : هي الأوثان التي تعبد من دون الله { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } وهو الله الخالق الرازق ، وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئا ولا تضر ولا تنفع ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا : يعني بعثا { وقال الذين كفروا } هذا قول مشركي العرب { إن هذا إلا إفك } هو الكذب { افتراه وأعانه عليه } أي : على حديثه هذا وأمره { قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا } { وقالوا أساطير الأولين } كذب الأولين وأحاديثهم .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1032 - 1033
counter free hit invisible