<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة العنكبوت )

مكية، وقيل مدنية ، وقيل نزلت من أولها إلى رأس عشر بمكة وباقيها بالمدينة أو نزل إلى آخر العشر بالمدينة وباقيها بمكة وبالعكس ، وهي سبعون أو تسع وستون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { الم } { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { الم } { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } )

المسألة الأولى : في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه :

الأول : لما قال الله تعالى قبل هذه السورة : ( { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } ) وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهرا غالبا على الكفار ظافرا طالبا للثأر ، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال الله تعالى : ( { الم } { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ) ولا يؤمروا بالجهاد .

الوجه الثاني : هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة ( { وادع إلى ربك } ) وكان في الدعاء إليه الطعان والحراب والضراب ؛ لأن النبي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال : ( { أحسب الناس أن يتركوا } ) .

الوجه الثالث : هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة ( { كل شيء هالك إلا وجهه } ) ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال : ( { له الحكم وإليه ترجعون } ) يعني ليس كل شيء هالكا من غير رجوع بل كل هالك وله رجوع إلى الله .

إذا تبين هذا ، فاعلم أن منكري الحشر يقولون : لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل ؛ إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال ، فلا فائدة فيها .

فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه ، بل حسن التكليف ليثيب الشكور ويعذب الكفور ، فقال : ( { أحسب الناس أن يتركوا } ) غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم . المسألة الثانية : في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي ، ولنقدم عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف فنقول : الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه ، ثم يشرع في المقصود .

إذا ثبت هذا فنقول : ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاما له معنى مفهوم ، كقول القائل اسمع ، واجعل بالك إلي ، وكن لي ، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل : أزيد ويا زيد ألا يا زيد ، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه ، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه .

ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم ، كان المقدم على المقصود أكثر . ولهذا ينادى القريب بالهمزة فيقال أزيد ، والبعيد بيا فيقال : يا زيد ، والغافل ينبه أولا فيقال : ألا يا زيد . إذا ثبت هذا فنقول : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات ، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى ؛ لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاما منظوما وقولا مفهوما فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه .

أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود ، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة ، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف ؟

فنقول : عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز ، والله أعلم بجميع الأشياء ، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى : ( { الم } { ذلك الكتاب } ) (البقرة : 1 ) ( { الم } { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } { نزل عليك الكتاب } ) (آل عمران : 1) ، ( { المص } { كتاب أنزل إليك } ) (الأعراف : 1) ، ( { يس } { والقرآن } ) (يس : 1 ) ، ( { ص والقرآن } ) (ص : 1) ، ( { ق والقرآن } ) (ق : 1 ) ، ( { الم } { تنزيل الكتاب } ) (السجدة : 1) ، ( { حم } { تنزيل الكتاب } ) (الجاثية : 1) إلا ثلاث سور ( { كهيعص } ) (مريم : 1 ) ، ( { الم } { أحسب الناس } ) ( العنكبوت : 1 ) ، ( { الم } { غلبت الروم } ) (الروم : 1 ) والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم ، والإنزال له ثقل ، والكتاب له عبء كما قال تعالى : ( { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ) ( المزمل : 5 ) وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه ، لا يقال كل سورة قرآن، واستماعه استماع القرآن ، سواء كان فيها ذكر القرآن لفظا أو لم يكن ، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه ، وأيضا فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى : ( { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } ) (الكهف : 1 ) وقوله : ( { سورة أنزلناها } ) (النور : 1 ) وقوله : ( { تبارك الذي نزل الفرقان } ) (الفرقان : 1 ) وقوله : ( { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ) (القدر : 1 ) لأنا نقول جوابا عن الأول : لا ريب في أن كل سورة من القرآن ؛ لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن؛ فإن قوله تعالى : ( { طه } { ما أنزلنا عليك القرآن } ) (طه : 1) مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما ، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه : إنا كتبنا إليك كتابا فيه أوامرنا فامتثلها ، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن الثاني أن قوله : ( { الحمد لله } ) و ( { تبارك الذي } ) تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي ، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح ( { سورة أنزلناها } ) قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها ، وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل .

وأما قوله تعالى : ( { إنا أنزلناه } ) ( القدر : 1 ) فنقول : هذا ليس واردا على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها ، وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم ، وقوله : ( { إنا أنزلناه } ) الهاء راجع إلى معلوم عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان متنبها له فلم ينبه.

واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى : ( { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ) (الحج : 1 ) وقوله : ( { يا أيها النبي اتق الله } ) ( الأحزاب : 1 ) ، ( { يا أيها النبي لم تحرم } ) (التحريم : 1 ) لأنها أشياء هائلة عظيمة ، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيها ، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن ، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني ، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال : ( { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ) يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي ، فإن قيل : مثل هذا الكلام وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى : ( { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } ) (التوبة : 16 ) ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول : الجواب عنه في غاية الظهور ، وهو أن هذا ابتداء كلام ، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال ( { أحسب } ) وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم ، والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه ، وأما ( { الم } { غلبت الروم } ) (الروم : 1 - 2) فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى ، هذا تمام الكلام في الحروف .



المسألة الثالثة : في إعراب ( { الم } ) وقد ذكر تمام ذلك في سورة البقرة مع الوجوه المنقولة في تفسيره ونزيد ههنا على ما ذكرناه أن الحروف لا إعراب لها؛ لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة .

المسألة الرابعة : في سبب نزول هذه الآيات وفيه أقوال :

الأول : أنها نزلت في عمار بن ياسر ، وعياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة .

الثاني : أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون .

الثالث : أنها نزلت في مهجع بن عبد الله قتل يوم بدر .

المسألة الخامسة : في التفسير ، قوله : ( { أحسب الناس أن يتركوا } ) يعني أظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم ( { آمنا وهم لا يفتنون } ) لا يبتلون بالفرائض البدنية والمالية ، واختلف أئمة النحو في قوله : ( { أن يقولوا } ) فقال بعضهم : أن يتركوا بأن يقولوا ، وقال بعضهم : أن يتركوا يقولون آمنا ، ومقتضى ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا ، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب زيدا أي تمنع من ذلك ، وهذا بعيد فإن الله لا يمنع أحدا من أن يقول آمنت ، ولكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم .

المسألة السادسة : في الفوائد المعنوية ، وهي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة ، والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر " لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه " وكل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله ، لكن للقلب ترجمان وهو اللسان ، وللسان مصدقات هي الأعضاء، ولهذه المصدقات مزكيات، فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان، فلا بد له من شهود، فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات ، فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله ، وزكى بترك ما سواه أعماله ، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله ، فيحرر في جرائد المحبين اسمه ، ويقرر في أقسام المقربين قسمه ، وإليه الإشارة بقوله : ( { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ) يعني : أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود ، وشهودهم بلا مزكين ، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين .

فائدة ثانية : وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلما ، فإن ما دونه دركات الكفر ، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه ، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضا في شغله ماضيا في فعله ، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة ، ومنهم من يكون كسلانا متخلفا فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها ، ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه ، فكذلك عباد الله قد يكون المسلم عابدا مقبلا على العبادة مقبولا للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين ، وهي درجة المقربين، ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلا بالخلاعة ، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة ، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروما ويلحق بأهل العناد مرجوما ، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله ، فقال الله بشارة للمطيع الناهض ( { أحسب الناس أن يتركوا } ) يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا ، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى : ( { والذين أوتوا العلم درجات } ) (المجادلة : 11 ) ، ( { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } ) (النساء : 95 ) . وقال بضده للكسلان ( { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا } ) يعني إذا قال آمنت ويتخلف بالعصيان يترك ويرضى منه ، لا بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 25-25 , الصفحة 23 - 26
counter free hit invisible