<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء ) بسم الله الرحمن الرحيم

رب يسر

القول في تأويل قوله عز وجل ( { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } )

قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : " { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } " ، احذروا ، أيها الناس ، ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم ، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به .

ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد ، معرفا عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة ، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة وأن بعضهم من بعض ، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه ، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض ، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم ، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى وعاطفا بذلك بعضهم على بعض ، ليتناصفوا ولا يتظالموا ، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له ، فقال : " { الذي خلقكم من نفس واحدة } " ، يعني : من آدم ، كما : -

8400 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : أما" { خلقكم من نفس واحدة } " ، فمن آدم عليه السلام .

8401 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } " ، يعني آدم صلى الله عليه .

8402 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : " { خلقكم من نفس واحدة } " ، قال : آدم .

ونظير قوله : " { من نفس واحدة } " ، والمعني به رجل ، قول الشاعر . أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ، ذاك الكمال

فقال : "ولدته أخرى" ، وهو يريد"الرجل" ، فأنث للفظ"الخليفة" . وقال تعالى ذكره : "من نفس واحدة" لتأنيث"النفس" ، والمعنى : من رجل واحد . ولو قيل : "من نفس واحد" ، وأخرج اللفظ على التذكير للمعنى ، كان صوابا .



القول في تأويل قوله جل ثناؤه ( { وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } )

قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " { وخلق منها زوجها } " ، وخلق من النفس الواحدة زوجها يعني ب"الزوج" ، الثاني لها . وهو فيما قال أهل التأويل ، امرأتها حواء .

ذكر من قال ذلك :

8403 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " { وخلق منها زوجها } " ، قال : حواء ، من قصيري آدم وهو نائم ، فاستيقظ فقال : "أثا" بالنبطية ، امرأة .

8404 - حدثنا المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

8405 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " { وخلق منها زوجها } " ، يعني حواء ، خلقت من آدم ، من ضلع من أضلاعه .

8406 - حدثني موسى بن هارون قال : أخبرنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال : أسكن آدم الجنة ، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها . فنام نومة ، فاستيقظ ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة ، خلقها الله من ضلعه ، فسألها ما أنت؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقت؟ قالت : لتسكن إلي .

8407 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : ألقي على آدم صلى الله عليه وسلم السنة - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن عبد الله بن العباس وغيره - ثم أخذ ضلعا من أضلاعه ، من شقه الأيسر ، ولأم مكانه ، وآدم نائم لم يهب من نومته ، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضلعه تلك زوجته حواء ، فسواها امرأة ليسكن إليها ، فلما كشفت عنه السنة وهب من نومته ، رآها إلى جنبه ، فقال - فيما يزعمون ، والله أعلم - : لحمي ودمي وزوجتي! فسكن إليها .

8408 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { وخلق منها زوجها } " . جعل من آدم حواء .

وأما قوله : " { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } " ، فإنه يعني : ونشر منهما ، يعني من آدم وحواء " { رجالا كثيرا ونساء } " ، قد رآهم ، كما قال جل ثناؤه : ( { كالفراش المبثوث } ) [ سورة القارعة : 4 ] .

يقال منه : "بث الله الخلق ، وأبثهم" .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

8409 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } " ، وبث ، خلق .



القول في تأويل قوله جل ثناؤه ( { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } )

قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة : "تساءلون" بالتشديد ، بمعنى : تتساءلون ، ثم أدغم إحدى"التاءين" في"السين" ، فجعلهما"سينا" مشددة .

وقرأه بعض قرأة الكوفة : "تساءلون" ، بالتخفيف ، على مثال"تفاعلون" ،

وهما قراءتان معروفتان ، ولغتان فصيحتان أعني التخفيف والتشديد في قوله : "تساءلون به" وبأي ذلك قرأ القارئ أصاب الصواب فيه . لأن معنى ذلك ، بأي وجهيه قرئ ، غير مختلف .

وأما تأويله : واتقوا الله ، أيها الناس ، الذي إذا سأل بعضكم بعضا سأل به ، فقال السائل للمسئول : "أسألك بالله ، وأنشدك بالله ، وأعزم عليك بالله" ، وما أشبه ذلك . يقول تعالى ذكره : فكما تعظمون ، أيها الناس ، ربكم بألسنتكم حتى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه ، فقد أتى عظيما . فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فيما أمركم ، واجتنابكم ما نهاكم عنه ، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه ، كما : -

8410 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به } " ، قال يقول : اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به .

8411 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " { واتقوا الله الذي تساءلون به } " ، يقول : اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون .

8412 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس مثله .

8413 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : أخبرنا حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : " تساءلون به" ، قال : تعاطفون به .

وأما قوله : "والأرحام" ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله . فقال بعضهم : معناه : واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم قال السائل للمسئول : "أسألك به وبالرحم"

ذكر من قال ذلك :

8414 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن إبراهيم : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، يقول : اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام . يقول : الرجل يسأل بالله وبالرحم .

8415 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : هو كقول الرجل : "أسألك بالله ، أسألك بالرحم" ، يعني قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " .

8416 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال يقول : "أسألك بالله وبالرحم" .

8417 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : هو كقول الرجل : "أسألك بالرحم" .

8418 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال يقول : "أسألك بالله وبالرحم" .

8419 - حدثني المثنى قال : حدثنا الحماني قال : حدثنا شريك ، عن منصور - أو مغيرة - عن إبراهيم في قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال : هو قول الرجل : "أسألك بالله والرحم" .

8420 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن الحسن قال : هو قول الرجل : "أنشدك بالله والرحم" .

قال محمد : وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله : " والأرحام" بالخفض عطفا ب"الأرحام" ، على"الهاء" التي في قوله : "به" ، كأنه أراد : واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام فعطف بظاهر على مكني مخفوض . وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب ، لأنها لا تنسق بظاهر على مكني في الخفض ، إلا في ضرورة شعر ، وذلك لضيق الشعر . وأما الكلام ، فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق ، والرديء في الإعراب منه . ومما جاء في الشعر من رد ظاهر على مكني في حال الخفض ، قول الشاعر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف

فعطف ب"الكعب" وهو ظاهر ، على"الهاء والألف" في قوله : "بينها" وهي مكنية .

وقال آخرون : تأويل ذلك : "واتقوا الله الذي تساءلون به ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها .

ذكر من قال ذلك :

8421 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، يقول : اتقوا الله ، واتقوا الأرحام لا تقطعوها . 8422 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } " ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( اتقوا الله ، وصلوا الأرحام ، فإنه أبقى لكم في الدنيا ، وخير لكم في الآخرة ) .

8423 - حدثني علي بن داود قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قول الله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، يقول : اتقوا الله الذي تساءلون به ، واتقوا الله في الأرحام فصلوها .

8424 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا هشيم ، عن منصور ، عن الحسن في قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال : اتقوا الذي تساءلون به ، واتقوه في الأرحام .

8425 - حدثنا سفيان قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن عكرمة في قول الله : " { الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال : اتقوا الأرحام أن تقطعوها .

8426 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال : هو قول الرجل : "أنشدك بالله والرحم" .

8427 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الله ، وصلوا الأرحام ) .

8428 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " { الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال : اتقوا الأرحام أن تقطعوها .

8429 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثني أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " { الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال يقول : اتقوا الله في الأرحام فصلوها .

8430 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، قال يقول : واتقوا الله في الأرحام فصلوها .

8431 - حدثنا المثنى قال : حدثنا إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي حماد ، وأخبرنا أبو جعفر الخزاز ، عن جويبر ، عن الضحاك : أن ابن عباس كان يقرأ : " والأرحام" ، يقول : اتقوا الله لا تقطعوها .

8432 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : اتقوا الأرحام .

8433 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : " { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } " ، أن تقطعوها .

8434 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " { واتقوا الله الذي تساءلون به } " ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها وقرأ : ( { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } ) [ سورة الرعد : 21 ] .

قال أبو جعفر : وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبا بمعنى : واتقوا الله الذي تساءلون به ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها عطفا ب"الأرحام" ، في إعرابها بالنصب على اسم الله تعالى ذكره .

قال : والقراءة التي لا نستجيز لقارئ أن يقرأ غيرها في ذلك ، النصب : ( { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } ) ، بمعنى : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء على مكني في حال الخفض ، إلا في ضرورة شعر ، على ما قد وصفت قبل .



القول في تأويل قوله ( { إن الله كان عليكم رقيبا } ( 1 ) )

قال أبو جعفر : يعني بذلك تعالى ذكره : إن الله لم يزل عليكم رقيبا .

ويعني بقوله : "عليكم" ، على الناس الذين قال لهم جل ثناؤه : " { يا أيها الناس اتقوا ربكم } " ، والمخاطب والغائب إذا اجتمعا في الخبر ، فإن العرب تخرج الكلام على الخطاب ، فتقول : إذا خاطبت رجلا واحدا أو جماعة فعلت هي وآخرون غيب معهم فعلا"فعلتم كذا ، وصنعتم كذا" .

ويعني بقوله : " رقيبا" ، حفيظا ، محصيا عليكم أعمالكم ، متفقدا رعايتكم حرمة أرحامكم وصلتكم إياها ، وقطعكموها وتضييعكم حرمتها ، كما : -

8435 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " { إن الله كان عليكم رقيبا } " ، حفيظا .

8435 م - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : سمعت ابن زيد في قوله : " { إن الله كان عليكم رقيبا } " ، على أعمالكم ، يعلمها ويعرفها .

ومنه قول أبي دؤاد الإيادي : كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 7-7 , الصفحة 511 - 524
counter free hit invisible