<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة فصلت )

خمسون وأربع آيات ، مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { حم } { تنزيل من الرحمن الرحيم } { كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون } { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون } { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } )

بسم الله الرحمن الرحيم ( { حم } { تنزيل من الرحمن الرحيم } { كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون } { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون } { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } )

اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات : أحدها : وهو الأقوى أن يقال " حم " اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره ، وثانيها : قال الأخفش : تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره ، وثالثها : قال الزجاج : تنزيل رفع بالابتداء وخبره " { كتاب فصلت آياته } " ووجهه أن قوله : ( { تنزيل } ) تخصص بالصفة وهو قوله : ( { من الرحمن الرحيم } ) فجاز وقوعه مبتدأ . واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بـ " حم " بأشياء :

أولها : كونه تنزيلا ، والمراد المنزل ، والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور ، يقال : هذا بناء الأمير أي مبنيه ، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه ، والمراد من كونها منزلا أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ ، وأمر جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه ، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلا وثانيها : كون التنزيل من الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى ؛ لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسبا لتلك الصفة ، فكونه تعالى رحمانا رحيما صفتان دالتان على كمال الرحمة ، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالا على أعظم وجوه النعمة ، والأمر في نفسه كذلك ؛ لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية ، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم .

وثالثها : كونه كتابا وقد بينا أن هذا الاسم مشتق من الجمع ، وإنما سمي كتابا ؛ لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين .

ورابعها : قوله ( { فصلت آياته } ) والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مختلفة ، فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السماوات والأرض والكواكب ، وتعاقب الليل والنهار ، وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان ، وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح ، وبعضها في الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، ودرجات أهل الجنة ، ودرجات أهل النار ، وبعضها في المواعظ والنصائح ، وبعضها في تهذيب الأخلاق ، ورياضة النفس ، وبعضها في قصص الأولين ، وتواريخ الماضين .

وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن .

وخامسها : قوله ( { قرآنا } ) والوجه في تسميته قرآنا قد سبق ، وقوله تعالى : ( { قرآنا } ) نصب على الاختصاص والمدح أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت ، وقيل هو نصب على الحال

وسادسها : قوله ( { عربيا } ) والمعنى أن هذا القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى : ( { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ) [ إبراهيم : 4 ] .

وسابعها : قوله تعالى : ( { لقوم يعلمون } ) والمعنى : إنا جعلناه عربيا لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب فجعلناه بلغة العرب ليفهموا منه المراد ، فإن قيل : قوله : ( { لقوم يعلمون } ) متعلق بماذا ؟ قلنا : يجوز أن يتعلق بقوله ( { تنزيل } ) أو بقوله ( { فصلت } ) أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لأجلهم ، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أي قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب ، لئلا يفرق بين الصلات والصفات .

وثامنها وتاسعها : قوله : ( { بشيرا ونذيرا } ) يعني بشيرا للمطيعين بالثواب ونذيرا للمجرمين بالعقاب ، والحق أن القرآن بشارة ونذارة ، إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملا في هذه الصفة ، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل .

الصفة العاشرة : كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه ، فهذه هي الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها ، ويتفرع عليها مسائل :

المسألة الأولى : القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه :

الأول : أنه وصف القرآن بكونه تنزيلا ومنزلا والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيير من حال ، فوجب أن يكون مخلوقا .

الثاني : أن التنزيل مصدر ، والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين .

الثالث : المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول .

الرابع : أن قوله ( فصلت ) يدل على أن متصرفا يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز ، وذلك لا يليق بالقديم .

الخامس : أنه إنما سمي قرآنا ؛ لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل

السادس : وصفه عربيا ، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم ، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل ، فلا بد وأن يكون محدثا ومخلوقا .

الجواب : أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات ، وهي عندنا محدثة مخلوقة ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ ، والله أعلم .

المسألة الثانية : ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية ، فأما حملها على معان أخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعا ، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن ، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر ، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى : ( { قرآنا عربيا } ) وإنما سماه عربيا لكونه دالا على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم ، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة ، وأن ما سواه فهو باطل .

المسألة الثالثة : ذهب قوم إلى أنه حصل في القرآن من سائر اللغات كقوله : ( { إستبرق } ) [ الكهف : 31 ] و ( { سجيل } ) [ هود : 82 ] فإنهما فارسيان ، وقوله ( مشكاة ) [ النور : 35 ] فإنها من لغة الحبشة وقوله : ( قسطاس ) [ الإسراء : 35 ] فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله : ( { قرآنا عربيا } ) ، وقوله : ( { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ) [ إبراهيم : 4 ] .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية ، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى ، وعندنا أن هذا باطل ، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد ، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلا ، الإيمان عبارة عن التصديق فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق ، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء ، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله تعالى : ( { قرآنا عربيا } ) ، وقوله ( { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ) .



المسألة الخامسة : إنما وصف الله القرآن بكونه ( عربيا ) في معرض المدح والتعظيم وهذا المطلوب لا يتم إلا إذا ثبت أن لغة العرب أفضل اللغات .

واعلم أن هذا المقصود إنما يتم إذا ضبطنا أقسام فضائل اللغات بضابط معلوم ، ثم بينا أن تلك الأقسام حاصلة فيه لا في غيره ، فنقول : لا شك أن الكلام مركب من الكلمات المفردة ، وهي مركبة من الحروف ، فالكلمة لها مادة وهي الحروف ، ولها صورة وهي تلك الهيئة المعينة الحاصلة عند التركيب . فهذه الفضيلة إنما تحصل إما بحسب مادتها أو بحسب صورتها ، أما التي بحسب مادتها فهي آحاد الحروف ، واعلم أن الحروف على قسمين :

بعضها بينة المخارج ظاهرة المقاطع ، وبعضها خفية المخارج مشتبهة المقاطع ، وحروف العرب بأسرها ظاهرة المخارج بينة المقاطع ، ولا يشتبه شيء منها بالآخر .

وأما الحروف المستعملة في سائر اللغات فليست كذلك بل قد يحصل فيها حرف يشتبه بعضها بالبعض ، وذلك يخل بكمال الفصاحة ، وأيضا الحركات المستعملة في سائر لغة العرب حركات ظاهرة جلية وهي النصب والرفع والجر ، وكل واحد من هذه الثلاثة فإنه يمتاز عن غيره امتيازا ظاهرا جليا ، وأما الإشمام والروم فيقل حصولهما في لغات العرب ، وذلك أيضا من جنس ما يوجب الفصاحة ، وأما الكلمات الحاصلة بحسب التركيب فهي أنواع :

أحدها : أن الحروف على قسمين : متقاربة المخرج ومتباعدة المخرج ، وأيضا الحروف على قسمين منها صلبة ومنها رخوة ، فيحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة : الصلبة المتقاربة ، والرخوة المتقاربة ، والصلبة المتباعدة ، والرخوة المتباعدة ، فإذا توالى في الكلمة حرفان صلبان متقاربان ، صعب اللفظ بها ؛ لأن بسبب تقارب المخرج يصير التلفظ بها جاريا مجرى ما إذا كان الإنسان مقيدا ثم يمشي ، وبسبب صلابة تلك الحروف تتوارد الأعمال الشاقة القوية على الموضع الواحد من المخرج ، وتوالي الأعمال الشاقة يوجب الضعف والإعياء ، ومثل هذا التركيب في اللغة العربية قليل .

وثانيها : أن جنس بعض الحروف ألذ وأطيب في السمع ، وكل كلمة يحصل فيها حرف من هذا الجنس كان سماعها أطيب .

وثالثها : الوزن ، فنقول : الكلمة إما أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية ، وأعدلها هو الثلاثي ؛ لأن الصوت إنما يتولد بسبب الحركة ، والحركة لا بد لها من مبدأ ووسط ومنتهى ، فهذه ثلاث مراتب ، فالكلمة لا بد وأن يحصل فيها هذه المراتب الثلاثة حتى تكون تامة ، أما الثنائية فهي ناقصة ، وأما الرباعية فهي زائدة ، والغائب في كلام العرب الثلاثيات ، فثبت بما ذكرنا ضبط فصائل اللغات ، والاستقراء يدل على أن لغة العرب موصوفة بها ، وأما سائر اللغات فليست كذلك ، والله أعلم .

المسألة السادسة : قوله : ( لقوم يعلمون ) يعني إنما جعلناه ( عربيا ) لأجل أن يعلموا المراد منه ، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم ، تمسكوا بهذه الآية وقالوا : إنها تدل على أنه إنما جعله ( عربيا ) لهذه الحكمة ، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز .

المسألة السابعة : قال قوم : القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما لا يعلم ، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم ، والدليل عليه قوله تعالى : ( { كتاب فصلت آياته قرآنا } ) يعني إنما جعلناه عربيا ليصير معلوما والقول بأنه غير معلوم يقدح فيه .

المسألة الثامنة : قوله تعالى : ( { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ) يدل على أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه ؛ لأنا بينا أن كونه نازلا من عند الإله الرحمن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع وأجل المطالب ، وكونه ( { قرآنا عربيا } ) مفصلا يدل على أنه في غاية الكشف والبيان ، وكونه ( { بشيرا ونذيرا } ) يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات ؛ لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى العقاب من أهم المهمات ، وقد حصلت هذه الموجبات الثلاثة في تأكيد الرغبة في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به ، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم ، وذلك يدل على أنه لا مهدي إلا من هداه الله ، ولا ضال إلا من أضله الله .

واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولا يسمعونه ، بين أنهم صرحوا بهذه النفرة والمباعدة ، وذكروا ثلاثة أشياء أحدها : أنهم قالوا ( { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } ) وأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء ، والكنان هو الذي يجعل فيه السهام .

وثانيها : قولهم ( { وفي آذاننا وقر } ) أي صمم وثقل من استماع قولك .

وثالثها : قولهم ( { ومن بيننا وبينك حجاب } ) والحجاب هو الذي يمنع من الرؤية ، والفائدة في كلمة " من " في قوله ( { ومن بيننا } ) أنه لو قيل : وبيننا وبينك حجاب ، لكان المعنى أن حجابا حصل وسط الجهتين ، وأما بزيادة لفظ " من " كأن المعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك ، فالمسافة الحاصلة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب ، وما بقي جزء منها فارغا عن هذا الحجاب فكانت هذه اللفظة دالة على قوة هذا الحجاب ، هكذا ذكره صاحب " الكشاف " وهو في غاية الحسن .

واعلم أنه إنما وقع الاقتصار على هذه الأعضاء الثلاثة ، وذلك لأن القلب محل المعرفة وسلطان البدن ، والسمع والبصر هما الآلتان المعينتان لتحصيل المعارف ، فلما بين أن هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك أقصى ما يمكن في هذا الباب .



واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع منه كلاما لم يفهم معناه كما ينبغي ، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سببا للوقوف على دقائق أحوال ذلك المرئي ، وذلك المدرك والشاعر هو النفس ، وشدة نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء ، فإذا كان الأمر كذلك كان قولهم ( { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ) استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد ، فإن قيل : إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم ، وذكر أيضا ما يقرب منه في معرض الذم ، فقال : ( { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ) [ البقرة : 88 ] .

ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات في سورة الأنعام ، فقال : ( { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } ) [ الأنعام : 25 ] فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا إنه لم يقل ههنا إنهم كذبوا في ذلك ، إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا : إنا إذا كنا كذلك لم يجز تكليفنا ، وتوجيه الأمر والنهي علينا ، وهذا الثاني باطل ، أما الأول فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه .

واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة ، قالوا ( { فاعمل إننا عاملون } ) والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا ، ويجوز أن يكون المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ، والحاصل عندنا أن القوم ما كذبوا في قولهم ( { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ) بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم ( { فاعمل إننا عاملون } ) .

ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذه الشبهة بقوله : ( { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي } ) وبيان هذا الجواب كأنه يقول : إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عز وجل أوحى إلي ، وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم ، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه ، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه ، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي ، ثم بين أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين : العلم والعمل ، أما العلم فالرأس والرئيس فيه معرفة التوحيد ؛ ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو المراد من قوله ( { أنما إلهكم إله واحد } ) وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك ، وجب علينا أن نعترف به ، وهو المراد من قوله : ( { فاستقيموا إليه } ) ونظيره قوله : ( { اهدنا الصراط المستقيم } ) [ الفاتحة : 6 ] وقوله : ( { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ) [ فصلت : 30 ] وقوله تعالى : ( { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } ) [ الأنعام : 153 ] وفي قوله تعالى : ( { فاستقيموا إليه } ) وجهان :

الأول : فاستقيموا متوجهين إليه .

الثاني : أن يكون قوله : ( فاستقيموا إليه ) معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض .

واعلم أن التكليف له ركنان : أحدهما : الاعتقاد ، والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد ، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار ؛ فلهذا السبب قال : ( واستغفروه ) فإن قيل : المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي ، وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما ينبغي ؟ قلنا : ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم : ( " وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " ) ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال : ( { وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } ) وفي هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : وجه النظم في هذه الآية من وجوه :

الأول : أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ؛ وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله ، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحدا وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ؛ لأنه ضد الشفقة على خلق الله ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة :

أولها : أن يكون مشركا وهو ضد التوحيد ، وإليه الإشارة بقوله : ( { وويل للمشركين } ) وثانيها : كونه ممتنعا من الزكاة ، وهو ضد الشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله : ( { الذين لا يؤتون الزكاة } ) وثالثها : كونه منكرا للقيامة مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها ، وإليه الإشارة بقوله ( { وهم بالآخرة هم كافرون } ) وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : الأمس واليوم والغد ، أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم .

وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا حكم الله عليه بالويل ، فقال : ( { وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } ) وهذا ترتيب في غاية الحسن ، والله أعلم .

الوجه الثاني : في تقرير كيفية النظم أن يقال : المراد بقوله : ( { لا يؤتون الزكاة } ) أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا الله ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : ( { ونفس وما سواها } ) [ الشمس : 7 ] الثالث : قال الفراء : إن قريشا كانت تطعم الحاج ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية ، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين : أحدهما : كونه مشركا ، والثاني : أنه لا يؤتي الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد ، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد ، وذلك هو المطلوب .

المسألة الثالثة : احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر ، فقال : إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر ، وهو قوله : ( { وويل للمشركين } ) وذكر أيضا بعدها ما يوجب الكفر ، وهو قوله : ( { وهم بالآخرة هم كافرون } ) فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفرا لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحا ؛ لأن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه ، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة ، والجواب : لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، وهما حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة ، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة ، والله أعلم .

ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين ، فقال : ( { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } ) أي غير مقطوع ، من قولك : مننت الحبل ، أي قطعته ، ومنه قولهم : قد منه السفر ، أي قطعه ، وقيل : لا يمن عليهم ، لأنه تعالى لما سماه أجرا ، فإذا الأجر لا يوجب المنة ، وقيل : نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 27-27 , الصفحة 81 - 87
counter free hit invisible