<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

القول في تأويل قوله تعالى : ( { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون } ( 26 ) { إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } ( 27 ) { وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } ( 28 ) )

يقول - تعالى ذكره - : ( { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } ) الذين كانوا يعبدون ما يعبده مشركو قومك يا محمد ( { إنني براء مما تعبدون } ) من دون الله ، فكذبوه ، فانتقمنا منهم كما انتقمنا ممن قبلهم من الأمم المكذبة رسلها . وقيل : ( { إنني براء مما تعبدون } ) فوضع البراء وهو مصدر موضع النعت ، والعرب لا تثني البراء ولا تجمع ولا تؤنث ، فتقول : نحن البراء والخلاء : لما ذكرت أنه مصدر ، وإذا قالوا : هو بريء منك ثنوا وجمعوا وأنثوا ، فقالوا : هما بريئان منك ، وهم بريئون منك . وذكر أنها في قراءة عبد الله : " إنني بريء " بالياء ، وقد يجمع برئ : براء وأبراء . ( { إلا الذي فطرني } ) يقول : إني بريء مما تعبدون من شيء إلا من الذي فطرني ، يعني الذي خلقني ( { فإنه سيهدين } ) يقول : فإنه سيقومني للدين الحق ، ويوفقني لاتباع سبيل الرشد .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } ) . . . الآية ، قال : كايدهم ، كانوا يقولون : إن الله ربنا ( { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ) فلم يبرأ من ربه .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قوله : ( { إنني براء مما تعبدون } ) يقول : إنني بريء مما تعبدون " إلا الذي خلقني " .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( { إلا الذي فطرني } ) قال : خلقني . وقوله : ( { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ) يقول - تعالى ذكره - : وجعل قوله : ( { إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني } ) وهو قول : لا إله إلا الله ، كلمة باقية في عقبه ، وهم ذريته ، فلم يزل فى ذريته من يقول ذلك من بعده .

واختلف أهل التأويل في معنى الكلمة التي جعلها خليل الرحمن باقية في عقبه ، فقال بعضهم : بنحو الذي قلنا في ذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ( { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ) قال : لا إله إلا الله .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { وجعلها كلمة باقية } ) قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ) قال : التوحيد والإخلاص ، ولا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ) قال : لا إله إلا الله .

وقال آخرون : الكلمة التي جعلها الله في عقبه اسم الإسلام .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، فى قوله : ( { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ) فقرأ ( { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ) قال : جعل هذه باقية في عقبه ، قال : الإسلام ، وقرأ ( { هو سماكم المسلمين من قبل } ) فقرأ ( { واجعلنا مسلمين لك } )

وبنحو ما قلنا في معنى العقب قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( { في عقبه } ) قال : ولده .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( { وجعلها كلمة باقية في عقبه } ) قال : يعني من خلفه .

حدثني محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( { في عقبه } ) قال : في عقب إبراهيم آل محمد - صلى الله عليه وسلم - .

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : ثنا ابن أبي فديك قال : ثنا ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب أنه كان يقول : العقب : الولد ، وولد الولد .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ( { في عقبه } ) قال : عقبه : ذريته .

وقوله : ( { لعلهم يرجعون } ) يقول : ليرجعوا إلى طاعة ربهم ، ويثوبوا إلى عبادته ، ويتوبوا من كفرهم وذنوبهم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { لعلهم يرجعون } ) : أي يتوبون ، أو يذكرون .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 21-21 , الصفحة 589 - 591
counter free hit invisible