<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

قال القرطبي : هي مكية بالإجماع . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة حم الزخرف بمكة قال مقاتل : إلا قوله : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } [ الزخرف : 45 ] يعني فإنها نزلت بالمدينة . بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { والكتاب المبين } { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } { وكم أرسلنا من نبي في الأولين } { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون } { فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين } { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } { الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون } { والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون } { والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } { وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين } { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين } { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم } { أومن ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين } { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون } { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } قوله : { حم } { والكتاب المبين } الكلام هاهنا في الإعراب كالكلام الذي قدمناه في { يس } { والقرآن الحكيم } فإن جعلت حم قسما كانت الواو عاطفة ، وإن لم تجعل قسما فالواو للقسم .

وجواب القسم { إنا جعلناه } وقال ابن الأنباري : من جعل جواب والكتاب حم كما تقول : نزل والله ، وجب والله وقف على الكتاب المبين ، ومعنى جعلناه أي : سميناه ووصفناه ، ولذلك تعدى إلى مفعولين . وقال السدي : المعنى : أنزلناه قرآنا وقال مجاهد : قلناه . وقال سفيان الثوري : بيناه عربيا وكذا قال الزجاج أي : أنزل بلسان العرب ؛ لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه . وقال مقاتل : لأن لسان أهل الجنة عربي { لعلكم تعقلون } أي : جعلنا ذلك الكتاب قرآنا عربيا لكي تفهموه وتتعقلوا معانيه وتحيطوا بما فيه . قال ابن زيد : لعلكم تتفكرون .

{ وإنه في أم الكتاب } أي : وإن القرآن في اللوح المحفوظ لدينا أي : عندنا { لعلي حكيم } رفيع القدر محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقص والجملة عطف على الجملة المقسم بها داخلة تحت معنى القسم ، أو مستأنفة مقررة لما قبلها .

قال الزجاج : أم الكتاب : أصل الكتاب ، وأصل كل شيء أمه ، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال : { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } [ البروج : 22 ، 21 ] وقال ابن جريج : المراد بقوله وإنه أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية .

قال قتادة أخبر عن منزلته وشرفه وفضله أي : إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف رفيع محكم من الباطل .

{ أفنضرب عنكم الذكر صفحا } يقال : ضربت عنه وأضربت عنه : إذا تركته وأمسكت عنه ، كذا قال الفراء والزجاج وغيرهما ، وانتصاب صفحا على المصدرية ، وقيل : على الحال على معنى : أفنضرب عنكم الذكر صافحين ، والصفح مصدر قولهم : صفحت عنه إذا أعرضت عنه ، وذلك أنك توليه صفحة وجهك وعنقك ، المراد بالذكر هنا القرآن ، والاستفهام للإنكار والتوبيخ .

قال الكسائي : المعنى أفنضرب عنكم الذكر طيا فلا توعظون ولا تؤمرون .

وقال مجاهد وأبو صالح والسدي : أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم . وقال قتادة : المعنى أنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم . وروي عنه أنه قال : المعنى أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به .

وقيل : الذكر التذكير ، كأنه قال : أنترك تذكيركم { أن كنتم قوما مسرفين } ، قرأ نافع ، وحمزة والكسائي " إن كنتم " بكسر إن على أنها الشرطية والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه .

وقرأ الباقون بفتحها على التعليل أي : لأن كنتم قوما منهمكين في الإسراف مصرين عليه ، واختار أبو عبيد قراءة الفتح .

ثم سلى - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال : { وكم أرسلنا من نبي في الأولين } كم هي الخبرية التي معناها التكثير ، والمعنى : ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة .

{ وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون } كاستهزاء قومك بك .

{ فأهلكنا أشد منهم بطشا } أي : أهلكنا قوما أشد قوة من هؤلاء القوم ، وانتصاب بطشا على التمييز أو الحال أي : باطشين { ومضى مثل الأولين } أي : سلف في القرآن ذكرهم غير مرة . وقال قتادة : عقوبتهم ، وقيل : صفتهم ، والمثل الوصف والخبر .

وفي هذا تهديد شديد ؛ لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل ، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم .

{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } أي : لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية أقروا بأن الله خالقهن ولم ينكروا ، وذلك أسوأ لحالهم وأشد لعقوبتهم ، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكا له ، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات وهي الأصنام فجعلوها شركاء الله .

ثم وصف - سبحانه - نفسه بما يدل على عظيم نعمته على عباده وكمال قدرته في مخلوقاته فقال : " الذي جعل لكم الأرض مهادا " وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله ، ولو كان متصلا بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا : الذي جعل لنا الأرض مهادا ، والمهاد الفراش والبساط ، وقد تقدم بيانه ، قرأ الجمهور " مهادا " وقرأ الكوفيون مهدا { وجعل لكم فيها سبلا } أي : طرقا تسلكونها إلى حيث تريدون ، وقيل : معايش تعيشون بها { لعلكم تهتدون } بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم .

{ والذي نزل من السماء ماء بقدر } أي : بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ويهلككم بالغرق ، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة ، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي : أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات .

قرأ الجمهور ميتا بالتخفيف .

وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد { كذلك تخرجون } من قبوركم أي : مثل ذلك الإحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها تبعثون من قبوركم أحياء ، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك ، وقد مضى بيان هذا في آل عمران والأعراف .

قرأ الجمهور تخرجون مبنيا للمفعول وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ، وحمزة والكسائي ، وابن ذكوان عن ابن عامر مبنيا للفاعل .

{ والذي خلق الأزواج كلها } المراد بالأزواج هنا الأصناف ، قال سعيد بن جبير : الأصناف كلها .

وقال الحسن : الشتاء والصيف والليل والنهار والسماوات والأرض والجنة والنار ، وقيل : أزواج الحيوان من ذكر وأنثى ، وقيل : أزواج النبات ، كقوله : { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } [ ق : 7 ] و { من كل زوج كريم } [ الشعراء : 7 ، لقمان : 10 ] وقيل : ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر وإيمان وكفر ، والأول أولى { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } في البحر والبر أي : ما تركبونه .

{ لتستووا على ظهوره } الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد .

وقال الفراء : أضاف الظهور إلى واحد ؛ لأن المراد به الجنس ، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر ، وجمع الظهر لأن المراد ظهور هذا الجنس ، والاستواء الاستعلاء أي : لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } أي : هذه النعمة التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر .

وقال مقاتل والكلبي : هو أن يقول : الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا } أي : ذلل لنا هذا المركب ، وقرأ علي بن أبي طالب " سبحان من سخر لنا هذا " .

قال قتادة : قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم ، ومعنى { وما كنا له مقرنين } ما كنا له مطيقين ، يقال : أقرن هذا البعير : إذا أطاقه . وقال الأخفش وأبو عبيدة : مقرنين ضابطين ، وقيل : مماثلين له في القوة ، من قولهم : هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة ، وأنشد قطرب قول عمرو بن معدي كرب : لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا

قال آخر : ركبتم صعبتي أشر وجبن ولستم للصعاب بمقرنينا

والمراد بالأنعام هنا : الإبل خاصة ، وقيل : الإبل والبقر ، والأول أولى .

{ وإنا إلى ربنا لمنقلبون } أي : راجعون إليه ، وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة .

ثم رجع - سبحانه - إلى ذكر الكفار الذين تقدم ذكرهم ، فقال : { وجعلوا له من عباده جزءا } قال قتادة أي : عدلا ، يعني ما عبد من دون الله .

وقال الزجاج والمبرد : الجزء هنا البنات ، والجزء عند أهل العربية البنات ، يقال : قد أجزأت المرأة : إذا ولدت البنات ، ومنه قول الشاعر : إن أجزأت حرة يوما فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا

وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير ، وصرح بأنه مكذوب على العرب .

ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد ، وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها ، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله : { أم اتخذ مما يخلق بنات } وقوله : { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن } وقوله : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } وقيل : المراد بالجزء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولاد الله - سبحانه - قاله مجاهد ، والحسن .

قال الأزهري : ومعنى الآية أنهم جعلوا لله من عباده نصيبا على معنى : أنهم جعلوا نصيب الله من الولدان { إن الإنسان لكفور مبين } أي : ظاهر الكفران مبالغ فيه ، قيل : المراد بالإنسان هنا الكافر ، فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحودا بينا .

ثم أنكر عليهم هذا فقال : { أم اتخذ مما يخلق بنات } وهذا استفهام تقريع وتوبيخ .

وأم هي المنقطعة ، والمعنى : أتخذ ربكم لنفسه البنات { وأصفاكم بالبنين } ؟ فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم الفاضل منهما ، يقال : أصفيته بكذا أي : آثرته به ، وأصفيته الود : أخلصته له ، ومثل هذه الآية قوله : { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } [ النجم : 21 ] وقوله : { أفأصفاكم ربكم بالبنين } [ الإسراء : 40 ] وجملة وأصفاكم معطوفة على اتخذ داخلة معها تحت الإنكار .

ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال : { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } أي : بما جعله للرحمن - سبحانه - من كونه جعل لنفسه البنات ، والمعنى : أنه إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتم لذلك وظهر عليه أثره ، وهو معنى قوله : { ظل وجهه مسودا } أي : صار وجهه مسودا بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكرا مكانها { وهو كظيم } أي : شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه .

قال قتادة : حزين . وقال عكرمة : مكروب ، وقيل : ساكت ، وجملة { وهو كظيم } في محل نصب على الحال .

ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال { أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين } معنى ينشؤ يربى ، والنشوء التربية ، والحلية الزينة ، ومن في محل نصب بتقدير مقدر معطوف على جعلوا ، والمعنى : أوجعلوا له - سبحانه - من شأنه أن يربى في الزينة وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه ، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعف رأيه .

قال المبرد : تقدير الآية : أويجعلون له من ينشأ في الحلية أي : ينبت في الزينة .

قرأ الجمهور " ينشأ " بفتح الياء وإسكان النون ، وقرأ ابن عباس ، والضحاك ، وابن وثاب وحفص ، وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين .

واختار القراءة الأولى أبو حاتم ، واختار الثانية أبو عبيد .

قال الهروي : الفعل على القراءة الأولى لازم ، وعلى الثانية متعد . والمعنى : يربى ويكبر في الحلية .

قال قتادة : قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها . وقال ابن زيد ، والضحاك : الذي ينشؤ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة .

" { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } " الجعل هنا : بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول : جعلت زيدا أفضل الناس أي : قلت بذلك وحكمت له به .

قرأ الكوفيون عباد بالجمع ، وبها قرأ ابن عباس . وقرأ الباقون : " عند الرحمن " بنون ساكنة ، واختار القراءة الأولى أبو عبيد ؛ لأن الإسناد فيها أعلى ، ولأن الله إنما كذبهم في قوله : إنهم بنات الله ، فأخبرهم أنهم عباده ، ويؤيد هذه القراءة قوله : { بل عباد مكرمون } [ الأنبياء : 26 ] واختار أبو حاتم القراءة الثانية ، قال : وتصديق هذه القراءة قوله : { إن الذين عند ربك } [ الأعراف : 206 ] .

ثم وبخهم وقرعهم فقال : { أشهدوا خلقهم } أي : أحضروا خلق الله إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور ، وفي هذا تهكم بهم وتجهيل لهم .

قرأ الجمهور أشهدوا على الاستفهام بدون واو . وقرأ نافع " أوشهدوا " .

وقرأ الجمهور " ستكتب شهادتهم " بضم التاء الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم ، وقرأ السلمي وابن السميفع وهبيرة عن حفص بالنون وبناء الفعل للفاعل ونصب شهادتهم ، وقرأ أبو رجاء " شهاداتهم " بالجمع ، والمعنى : سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم لنجازيهم على ذلك ويسألون عنها يوم القيامة .

{ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } هذا فن آخر من فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء والسخرية ، ومعناه : لو شاء الرحمن في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة ، وهذا كلام حق يراد به باطل ، وقد مضى بيانه في الأنعام ، فبين - سبحانه - جهلهم بقوله : { ما لهم بذلك من علم } أي : ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم من علم ، بل تكلموا بذلك جهلا ، وأرادوا بما صورته صورة الحق باطلا ، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي .

ثم بين انتفاء علمهم بقوله : { إن هم إلا يخرصون } أي : ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتمحلون تمحلا باطلا .

وقيل : الإشارة بقوله : ذلك إلى قوله : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } .

قاله قتادة ومقاتل والكلبي ، وقال مجاهد وابن جريج أي : ما لهم بعبادة الأوثان من علم .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : إن أول ما خلق الله من شيء القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة والكتاب عنده ، ثم قرأ { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } .

وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعا .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } قال : أحببتم أن يصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به .

وأخرج مسلم وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي والحاكم ، وابن مردويه عن ابن عمر : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثا ثم قال : { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون } ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وما كنا له مقرنين } قال : مطيقين .

وأخرج عبد بن حميد عنه { أومن ينشأ في الحلية } قال : هو النساء فرق بين زيهن وزي الرجال ، ونقصهن من الميراث وبالشهادة ، وأمرهن بالقعدة ، وسماهن الخوالف .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال : كنت أقرأ هذا الحرف : { الذين هم عباد الرحمن إناثا } ، فسألت ابن عباس فقال : عباد الرحمن ؟ قلت : فإنها في مصحفي " عند الرحمن " قال : فامحها واكتبها عباد الرحمن .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1335 - 1337
counter free hit invisible