<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله }

عطف على جملة { قل إن كان للرحمن ولد } والجملتان اللتان بينهما اعتراضان ، قصد من العطف إفادة نفي الشريك في الإلهية مطلقا بعد نفي الشريك فيها بالبنوة ، وقصد بذكر السماء والأرض الإحاطة بعوالم التدبير والخلق لأن المشركين جعلوا لله شركاء في الأرض وهم أصنامهم المنصوبة ، وجعلوا له شركاء في السماء وهم الملائكة إذ جعلوهم بنات لله تعالى ؛ فكان قوله { في السماء إله وفي الأرض إله } إبطالا للفريقين مما زعمت إلهيتهم .

وكان مقتضى الظاهر بهذه الجملة أن يكون أولها { الذي في السماء إله } على أنه وصف للرحمن من قوله { إن كان للرحمن ولد } ، فعدل عن مقتضى الظاهر بإيراد الجملة معطوفة لتكون مستقلة غير صفة ، وبإيراد مبتدأ فيها لإفادة قصر صفة الإلهية في السماء وفي الأرض على الله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره ، لأن إيراد المسند إليه معرفة والمسند معرفة طريق من طرق القصر . فالمعنى وهو لا غيره الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، وصلة " الذي " جملة اسمية حذف صدرها ، وصدرها ضمير يعود إلى معاد ضمير " وهو " وحذف صدر الصلة استعمال حسن إذا طالت الصلة كما هنا . والتقدير الذي هو في السماء إله . والمجروران يتعلقان بـ " إله " باعتبار ما يتضمنه من معنى المعبود لأنه مشتق من أله ، إذا عبد فشابه المشتق . وصح تعلق المجرور به فتعلقه بلفظ إله كتعلق الظرف بغربال وأقوى من تعلق المجرور بكانون في قول الحطيئة يهجو أمه من أبيات : أغربالا إذا استودعت سرا وكانونا على المتحدثينا



{ وهو الحكيم العليم }

بعد أن وصف الله بالتفرد بالإلهية أتبع بوصفه بـ " { الحكيم العليم } " تدقيقا للدليل الذي في قوله { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ، حيث دل على نفي إلهية غيره في السماء والأرض واختصاصه بالإلهية فيهما لما في صيغة القصر من إثبات الوصف له ونفيه عمن سواه ، فكان قوله وهو الحكيم العليم تتميما للدليل واستدلالا عليه ، ولذلك سميناه تدقيقا إذ التدقيق في الاصطلاح هو ذكر الشيء بدليل دليله ، وأما التحقيق فذكر الشيء بدليله . لأن الموصوف بتمام الحكمة وكمال العلم مستغن عما سواه فلا يحتاج إلى ولد ولا إلى بنت ولا إلى شريك .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 26-26 , الصفحة 268
counter free hit invisible