<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مدنية . قال القرطبي : بالإجماع .

وقد أخرج ابن الضريس ، وابن مردويه ، والبيهقي ، عن ابن عباس قال : نزلت سورة الفتح بالمدينة .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن الزبير مثله .

وأخرج ابن إسحاق ، والحاكم ، وصححه البيهقي في الدلائل ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان قالا : نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية ؛ لأن المراد بالسورة المدنية النازلة بعد الهجرة من مكة .

وأخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما ، عن عبد الله بن مغفل قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجع فيها .

وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ( أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا ، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب : هلكت أم عمر نزرت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك ، فقال عمر : فحركت بعيري ، ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فقلت : لقد خشيت أن يكون قد نزل في قرآن ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فسلمت عليه ، فقال : لقد أنزلت علي سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ) [ أي : سورة الفتح ] ، وفي صحيح مسلم ، عن قتادة ، أن أنس بن مالك حدثهم قال : ( لما نزلت { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } الآية إلى قوله : { فوزا عظيما } [ الفتح 5 : 1 ] مرجعه من الحديبية وهم مخالطهم الحزن والكآبة ، وقد نحروا الهدي بالحديبية فقال : لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعها ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما } { وينصرك الله نصرا عزيزا } { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما } { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } { ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما } ( 7 ) قوله : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } اختلف في تعيين هذا الفتح ، فقال الأكثر : هو صلح الحديبية ، والصلح قد يسمى فتحا .

قال الفراء : والفتح قد يكون صلحا ، ومعنى الفتح في اللغة : فتح المنغلق ، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله . قال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم ، فتمكن الإسلام في قلوبهم ، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام . قال الشعبي : لقد أصاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الحديبية ما لم يصب في غزوة ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس .

وقال قوم : إنه فتح مكة .

وقال آخرون : إنه فتح خيبر .

والأول أرجح ، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة أنزلت في شأن الحديبية .

وقيل : هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح ، وقيل : هو ما فتح له من النبوة ، والدعوة إلى الإسلام ، وقيل : فتح الروم ، وقيل : المراد بالفتح في هذه الآية الحكم والقضاء ، كما في قوله : { افتح بيننا وبين قومنا بالحق } [ الأعراف : 89 ] فكأنه قال : إنا قضينا لك قضاء مبينا : أي : ظاهرا واضحا مكشوفا .

{ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } اللام متعلقة بـ ( فتحنا ) ، وهي لام العلة .

قال ابن الأنباري : سألت أبا العباس : يعني المبرد عن اللام في قوله : { ليغفر لك الله } فقال : هي لام كي معناها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح ، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي ، وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة .

وقال صاحب الكشاف : إن اللام لم تكن علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز .

كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين ، وأعراض العاجل والآجل .

وهذا كلام غير جيد ، فإن اللام داخلة على المغفرة فهي علة للفتح ، فكيف يصح أن تكون معللة .

وقال الرازي في توجيه التعليل : إن المراد بقوله : { ليغفر لك الله } التعريف بالمغفرة ، تقديره : إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم .

وقال ابن عطية : المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك ، فكأنها لام الصيرورة .

وقال أبو حاتم : هي لام القسم وهو خطأ ، فإن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها .

واختلف في معنى قوله : { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } فقيل : ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة ، وما تأخر بعدها قاله مجاهد ، وسفيان الثوري ، وابن جرير ، والواحدي ، وغيرهم . وقال عطاء : ما تقدم من ذنبك : يعني ذنب أبويك آدم وحواء ، وما تأخر من ذنوب أمتك .

وما أبعد هذا عن معنى القرآن .

وقيل : ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم ، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده ، وهذا كالذي قبله .

وقيل : ما تقدم من ذنب يوم بدر ، وما تأخر من ذنب يوم حنين ، وهذا كالقولين الأولين في البعد .

وقيل : لو كان ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك ، وقيل غير ذلك مما لا وجه له ، والأول أولى .

ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى ، وسمي ذنبا في حقه لجلالة قدره ، وإن لم يكن ذنبا في حق غيره .

{ ويتم نعمته عليك } بإظهار دينك على الدين كله ، وقيل : بالجنة ، وقيل : بالنبوة والحكمة ، وقيل : بفتح مكة ، والطائف ، وخيبر ، والأولى أن يكون المعنى : ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم ، وهو الإسلام ، ومعنى يهديك يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه .

{ وينصرك الله نصرا عزيزا } أي : غالبا منيعا لا يتبعه ذل .

{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } أي : السكون والطمأنينة بما يسره لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيمانا منضما إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل . قال الكلبي : كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم وقال الربيع بن أنس : خشية مع خشيتهم . وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم { ولله جنود السماوات والأرض } يعني الملائكة ، والإنس ، والجن ، والشياطين ، يدبر أمرهم كيف يشاء ، ويسلط بعضهم على بعض ، ويحوط بعضهم ببعض وكان الله عليما كثير العلم بليغه حكيما في أفعاله ، وأقواله .

{ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } هذه اللام متعلقة بمحذوف يدل عليه ما قبله تقديره : يبتلي بتلك الجنود من يشاء ، فيقبل الخير من أهله والشر ممن قضى له به ليدخل ويعذب ، وقيل : متعلقة بقوله : إنا فتحنا كأنه قال : إنا فتحنا لك ما فتحنا ليدخل ويعذب ، وقيل : متعلقة بـ ( ينصرك ) : أي : نصرك الله بالمؤمنين ليدخل ويعذب ، وقيل : متعلقة بـ ( يزدادوا ) أي يزدادوا ليدخل ويعذب ، والأول أولى .

{ ويكفر عنهم سيئاتهم } أي يسترها ولا يظهرها ولا يعذبهم بها ، وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى ، والمقصد الأسنى { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } أي : ظفرا بكل مطلوب ، ونجاة من كل غم ، وجلبا لكل نفع ، ودفعا لكل ضر ، وقوله : عند الله متعلق بمحذوف على أنه حال من ( فوزا ) لأنه صفة في الأصل ، فلما قدم صار حالا : أي : كائنا عند الله ، والجملة معترضة بين جزاء المؤمنين وجزاء المنافقين والمشركين .

ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم فقال : 6 - { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } وهو معطوف على ( يدخل ) : أي يعذبهم في الدنيا بما يصل إليها من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام ، وقهر المخالفين له وبما يصابون به من القهر ، والقتل ، والأسر ، وفي الآخرة بعذاب جهنم .

وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا وأحق منهم بما وعدهم الله به .

ثم وصف الفريقين ، فقال : { الظانين بالله ظن السوء } وهو ظنهم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يغلب وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام .

ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله : { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } [ الفتح : 12 ] { عليهم دائرة السوء } أي : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم ، والمعنى : أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم .

قال الخليل ، وسيبويه : السوء هنا الفساد قرأ الجمهور السوء بفتح السين . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بضمها

{ وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } لما بين سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم .

{ ولله جنود السماوات والأرض } من الملائكة ، والإنس ، والجن ، والشياطين { وكان الله عليما حكيما } كرر هذه الآية لقصد التأكيد ، وقيل : المراد بالجنود هنا جنود العذاب كما يفيده التعبير بالعزة هنا مكان العلم هنالك .

وقد أخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وأبو داود ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم ، وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال : ( شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم ، إذ الناس يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس ؟ فقالوا : أوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على راحلته عند كراع الغميم ، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ، فقال رجل : إي رسول الله ، أوفتح هو ؟ قال : إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح . فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة ، منهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهما ) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبخاري في تاريخه ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن جرير ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن مسعود قال : ( أقبلنا من الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي ، وكان إذا أتاه اشتد عليه ، فسري عنه وبه من السرور ما شاء الله ، فأخبرنا أنه أنزل عليه { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ) وأخرج البخاري ، وغيره ، عن أنس ، في قوله : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } قال : الحديبية .

وأخرج البخاري ، وغيره ، عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية .

وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة قالت : ( قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } قال : فتح مكة ) ، وأخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلي حتى تتورم قدماه ، فقيل : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا أكون عبدا شكورا ) وفي الباب أحاديث .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس في قوله : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } قال : السكينة هي الرحمة ، وفي قوله : ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم قال : إن الله بعث نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها زادهم الحج ، فلما صدقوا به زادهم الجهاد .

ثم أكمل لهم دينهم ، فقال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة : 3 ] . قال ابن عباس : فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن مسعود ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم قال : تصديقا مع تصديقهم .

وأخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما ، عن أنس قال : ( لما أنزل على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } مرجعه من الحديبية ، قال : لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي مما على الأرض ، ثم قرأها عليهم . فقالوا : هنيئا مريئا يا رسول الله ، قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا ؟ فنزلت عليه { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } حتى بلغ { فوزا عظيما } ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1381 - 1382
counter free hit invisible