<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وهي مكية .

قال القرطبي : كلها في قول الحسن ، وعروة بن الزبير ، وعكرمة ، وعطاء ، وجابر . قال : قال ابن عباس إلا آية منها ، وهي قوله : يسأله من في السماوات والأرض الآية .

وقال ابن مسعود ومقاتل هي مدنية كلها ، والأول أصح ، ويدل عليه ما أخرجه النحاس عن ابن عباس قال : نزلت سورة الرحمن بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : أنزل بمكة سورة الرحمن .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : نزلت سورة " { الرحمن علم القرآن } " بمكة .

وأخرج أحمد ، وابن مردويه قال السيوطي : بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر قالت ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون فبأي آلاء ربكما تكذبان ) .

ويؤيد القول الثاني ما أخرجه ابن الضريس ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت سورة الرحمن بالمدينة ، ويمكن الجمع بين القولين بأنه نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة .

وأخرج الترمذي ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا ، فقال : ما لي أراكم سكوتا لقد قرأتها على الجن ليلة الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم كلما أتيت على قوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا : لا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ) قال الترمذي بعد إخراجه : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد .

وحكي عن الإمام أحمد أنه كان يستنكر روايته عن زهير .

وقال البزار : لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه .

وأخرجه البزار ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والدارقطني في الأفراد وابن مردويه ، والخطيب في تاريخه من حديث ابن عمر وصحح السيوطي إسناده .

وقال البزار : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد .

وأخرج البيهقي في الشعب عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لكل شيء عروس ، وعروس القرآن الرحمن ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { الرحمن } { علم القرآن } { خلق الإنسان } { علمه البيان } { الشمس والقمر بحسبان } { والنجم والشجر يسجدان } { والسماء رفعها ووضع الميزان } { ألا تطغوا في الميزان } { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } { والأرض وضعها للأنام } { فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام } { والحب ذو العصف والريحان } { فبأي آلاء ربكما تكذبان } { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } { وخلق الجان من مارج من نار } { فبأي آلاء ربكما تكذبان } { رب المشرقين ورب المغربين } { فبأي آلاء ربكما تكذبان } { مرج البحرين يلتقيان } { بينهما برزخ لا يبغيان } { فبأي آلاء ربكما تكذبان } { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } { فبأي آلاء ربكما تكذبان } { وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام } { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قوله { الرحمن } { علم القرآن } ارتفاع " الرحمن " على أنه مبتدأ وما بعده من الأفعال أخبار له .

ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف : أي الله الرحمن .

قال الزجاج : معنى علم القرآن يسره .

قال الكلبي : علم القرآن محمدا وعلمه محمد أمته ، وقيل جعله علامة لما تعبد الناس به ، قيل نزلت هذه الآية جوابا لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر ، وقيل جوابا لقولهم : وما الرحمن ؟ ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها قدرا وأكثرها نفعا وأتمها فائدة وأعظمها عائدة ، وهي نعمة تعليم القرآن ، فإنها مدار سعادة الدارين ، وقطب رحى الخيرين ، وعماد الأمرين .

ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور ومرجع جميع الأشياء فقال : خلق الإنسان ثم امتن ثالثا بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم ويدور عليه التخاطب وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد ؛ لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به . قال قتادة ، والحسن : المراد بالإنسان هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالبيان الحلال من الحرام ، والهدى من الضلال ، وهو بعيد .

وقال الضحاك : البيان الخير والشر .

وقال الربيع بن أنس : هو ما ينفعه مما يضره .

وقيل : البيان الكتابة بالقلم .

والأولى حمل الإنسان على الجنس ، وحمل البيان على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به .

{ الشمس والقمر بحسبان } أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها ، ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين .

قال قتادة ، وأبو مالك : يجريان بحسبان في منازلهم لا يعدوانها ولا يحيدان عنها .

وقال ابن زيد ، وابن كيسان : يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمال .

ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب ، لأن الدهر يكون كله ليلا أو نهارا .

وقال الضحاك : معنى بحسبان : بقدر .

وقال مجاهد : بحسبان كحسبان الرحى : يعني قطبهما الذي يدوران عليه .

قال الأخفش : الحسبان جماعة الحساب مثل شهب وشهبان .

وأما الحسبان بالضم فهو العذاب كما مضى في سورة الكهف .

" والنجم والشجر يسجدان " النجم ما لا ساق له من النبات ، والشجر ما له ساق .

قال الشاعر : لقد أنجم القاع الكثير عضاهه وتم به حيا تميم ووائل وقال زهير : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب لضاحي مائه حبك والمراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين .

وقال الفراء : سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ، ثم يميلان معها حين ينكسر الفيء .

وقال الزجاج : سجودهما دوران الظل معهما ، كما في قوله : يتفيأ ظلاله [ النحل : 48 ] وقال الحسن ، ومجاهد : المراد بالنجم نجم السماء وسجوده طلوعه ، ورجح هذا ابن جرير .

وقيل سجوده أفوله ، وسجود الشجر : تمكينها من الاجتناء لثمارها .

قال النحاس : أصل السجود الاستسلام والانقياد لله ، وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران للرحمن ، وترك الرابط فيهما لظهوره كأنه قيل : الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له .

{ والسماء رفعها } قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال .

وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء ، والمعنى : أنه جعل السماء مرفوعة فوق الأرض { ووضع الميزان } المراد بالميزان العدل : أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به كذا قال مجاهد ، وقتادة ، والسدي وغيرهم .

قال الزجاج : المعنى أنه أمرنا بالعدل ، ويدل عليه : قوله : { ألا تطغوا في الميزان } أي لا تجاوزوا العدل .

وقال الحسن ، والضحاك : المراد به آلة الوزن ليتوصل بها إلى الإنصاف والانتصاف .

وقيل الميزان القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج إليه ، وبه قال الحسين بن الفضل ، والأول أولى .

ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم فقال : { وأقيموا الوزن بالقسط } أي قوموا وزنكم بالعدل ، وقيل المعنى : أقيموا لسان الميزان بالعدل ، وقيل المعنى : أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال ، وأن في قوله : ألا تطغوا مصدرية : أي لئلا تطغوا ، و " لا " نافية : أي وضع الميزان لئلا تطغوا ، وقيل هي مفسرة ، لأن في الوضع معنى القول ، والطغيان مجاوزة الحد ، فمن قال : الميزان العدل ، قال طغيانه الجور ومن قال : الميزان الآلة التي يوزن بها ، قال طغيانه البخس { ولا تخسروا الميزان } أي لا تنقصوه . أمر سبحانه أولا بالتسوية ، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة ، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس .

قرأ الجمهور " تخسروا " بضم التاء وكسر السين من أخسر ، وقرأ بلال بن أبي برزة ، وأبان بن عثمان ، وزيد بن علي بفتح التاء والسين من خسر ، وهما لغتان : يقال أخسرت الميزان وخسرته .

ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض فقال : { والأرض وضعها للأنام } أي بسطها على الماء لجميع الخلق مما له روح وحياة ، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن .

قرأ الجمهور بنصب " الأرض " على الاشتغال ، وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء .

وجملة فيها فاكهة في محل نصب على أنها حال من الأرض مقدرة ، وقيل مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي قبلها ، والمراد بها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار .

ثم أفرد سبحانه النخل بالذكر لشرفه ومزيد فائدته على سائر الفواكه فقال : { والنخل ذات الأكمام } الأكمام جمع كم بالكسر ، وهو وعاء التمر .

قال الجوهري : والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء التنور ، والجمع كمام وأكمة وأكمام .

قال الحسن : ذات الأكمام : أي ذات الليف ، فإن النخلة تكمم بالليف وكمامها ليفها ، وقال ابن زيد : ذات الطلع قبل أن يتفتق .

وقال عكرمة : ذات الأحمال .

{ والحب ذو العصف والريحان } الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب . والعصف : قال السدي ، والفراء : هو بقل الزرع ، وهو أول ما ينبت به .

قال ابن كيسان : يبدو أولا ورقا ، وهو العصف ، ثم يبدو له ساق ، ثم يحدث الله فيه أكماما ، ثم يحدث في الأكمام الحب .

قال الفراء : والعرب تقول خرجنا نعصف الزرع : إذا قطعوا منه قبل أن يدرك ، وكذا قال في الصحاح .

وقال الحسن : العصف التبن ، وقال مجاهد : هو ورق الشجر والزرع .

وقيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس ، ومنه قوله : كعصف مأكول [ الفيل : 5 ] وقيل هو الزرع الكثير ، يقال قد أعصف الزرع ومكان معصف : أي كثير الزرع ، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت : إذا جمادى منعت قطرها زان جناني عطن معصف والريحان الورق في قول الأكثر .

وقال الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وابن زيد : إنه الريحان الذي يشم .

وقال سعيد بن جبير ، هو ما قام على ساق .

وقال الكلبي : إن العصف هو الورق الذي لا يؤكل ، والريحان هو الحب المأكول .

وقال الفراء أيضا : العصف : المأكول من الزرع ، والريحان ما لا يؤكل ، وقيل الريحان كل بقلة طيبة الريح .

قال ابن الأعرابي : يقال شيء ريحاني وروحاني : أي له روح : وقال في الصحاح : الريحان نبت معروف ، والريحان الرزق ، تقول : خرجت أبتغي ريحان الله .

قال النمر بن تولب : سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر وقيل العصف رزق البهائم ، والريحان رزق الناس .

قرأ الجمهور " والحب ذو العصف والريحان " برفع الثلاثة عطفا على " فاكهة " .

وقرأ ابن عامر ، وأبو حيوة ، والمغيرة بنصبهما عطفا على " الأرض " أو على إضمار فعل : أي وخلق الحب ذا العصف والريحان .

وقرأ حمزة ، والكسائي " والريحان " بالجر عطفا على العصف .

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } الخطاب للجن والإنس ، لأن لفظ الأنام يعمهما وغيرهما ، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل .

وبهذا قال الجمهور من المفسرين : ويدل عليه قوله فيما سيأتي : " { سنفرغ لكم أيها الثقلان } " ويدل على هذا ما قدمنا في فاتحة هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على الجن والإنس ، وقيل الخطاب للإنس ، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية كما قدمنا في قوله : ألقيا في جهنم [ ق : 24 ] والآلاء النعم .

قال القرطبي : وهو قول جميع المفسرين ، واحدها إلى مثل معى وعصا .

وقال ابن زيد : إنها القدرة : أي فبأي قدرة ربكما تكذبان ، وبه قال الكلبي .

وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا للتذكير بها على عادة العرب في الاتساع .

قال القتيبي : إن الله عدد في هذه السورة نعماءه ، وذكر خلقه آلاءه ، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها كما تقول لمن تتابع له إحسانك ، وهو يكفره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن خاملا فعززتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن راجلا فحملتك ؟ أفتنكر هذا ؟ والتكرير حسن في مثل هذا ، ومنه قول الشاعر : لا تقتلي رجلا إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك قال الحسين بن الفضل : التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة .

{ خلق الإنسان من صلصال كالفخار } لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير ، وهو السماء والأرض وما فيهما ذكر خلق العالم الصغير ، والمراد بالإنسان هنا آدم .

قال القرطبي : باتفاق من أهل التأويل ، ولا يبعد أن يراد الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم ، والصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة ، وقيل هو طين خلط برمل ، وقيل هو الطين المنتن يقال : صل اللحم وأصل : إذا أنتن ، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر ، والفخار الخزف الذي طبخ بالنار ، والمعنى : أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف .

{ وخلق الجان من مارج من نار } يعني خلق أبا الجن أو جنس الجن من مارج من نار ، والمارج اللهب الصافي من النار ، وقيل الخالص منها ، وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت ، وقال الليث : المارج الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد .

قال المبرد : المارج النار المرسلة التي لا تمنع ، قال أبو عبيدة : المارج خلط النار ، من مرج : إذا اختلط واضطرب .

قال الجوهري : مارج من نار ، نار لا دخان لها خلق منها الجان .

فبأي آلاء ربكما تكذبان فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى .

{ رب المشرقين ورب المغربين } قرأ الجمهور " رب " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو رب المشرقين والمغربين ، وقيل مبتدأ وخبره مرج البحرين وما بينهما اعتراض ، والأول أولى ، والمراد بالمشرقين مشرقا الشتاء والصيف ، وبالمغربين مغرباهما .

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى ولا يتيسر - لمن أنصف من نفسه - تكذيب فرد من أفراده .

{ مرج البحرين يلتقيان } المرج التخلية والإرسال ، يقال : مرجت الدابة : إذا أرسلتها ، وأصله الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى ، والمعنى : أنه أرسل كل واحد منهما .

يلتقيان : أي يتجاوران لا فصل بينهما في مرأى العين ومع ذلك فلم يختلطا ، ولهذا قال : بينهما برزخ أي حاجز يحجز بينهما لا يبغيان أي لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به .

قال الحسن ، وقتادة : هما بحر فارس والروم .

وقال ابن جريج : هما البحر المالح والأنهار العذبة ، وقيل بحر المشرق والمغرب ، وقيل بحر اللؤلؤ والمرجان ، وقيل بحر السماء وبحر الأرض . قال سعيد بن جبير : يلتقيان في كل عام ، وقيل يلتقي طرفاهما .

وقوله : يلتقيان في محل نصب على الحال من " البحرين " .

وجملة " بينهما برزخ " يجوز أن تكون مستأنفة ، وأن تكون حالا .

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها بحال .

{ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } .

قرأ الجمهور " يخرج " بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل ، وقرأ نافع ، وأبو عمرو بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول ، واللؤلؤ : الدر ، والمرجان : الخرز الأحمر المعروف .

وقال الفراء : اللؤلؤ العظام ، والمرجان ما صغر .

قال الواحدي : وهو قول جميع أهل اللغة .

وقال مقاتل ، والسدي ، ومجاهد : اللؤلؤ صغاره ، والمرجان كباره ، وقال : يخرج منهما وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما ، كذا قال الزجاج وغيره .

وقال أبو علي الفارسي : هو من باب حذف المضاف : أي من أحدهما كقوله : على رجل من القريتين عظيم [ الزخرف : ]

وقال الأخفش : زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب ، وقيل هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ، ومن الآخر المرجان ، وقيل هما بحر السماء وبحر الأرض ، فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤا فصار خارجا منهما .

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } فإن في ذلك من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه ولا يقدر على إنكاره .

" { وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام } " المراد بالجواري : السفن الجارية في البحر ، و " المنشآت " : المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض وركب حتى ارتفعت وطالت حتى صارت في البحر كالأعلام وهي الجبال ، والعلم : الجبل الطويل .

وقال قتادة : المنشآت المخلوقات للجري .

وقال الأخفش : المنشآت المجريات ، وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة الشورى .

قرأ الجمهور الجوار بكسر الراء وحذف الياء لالتقاء الساكنين ، وقرأ ابن مسعود ، والحسن ، وأبو عمرو في رواية عنه برفع الراء تناسيا للحذف ، وقرأ يعقوب بإثبات الياء ، وقرأ الجمهور " المنشآت " بفتح الشين ، وقرأ حمزة ، وأبو بكر في رواية عنه بكسر الشين .

" فبأي آلاء ربكما تكذبان " فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن تكذيبه ولا إنكاره .

وقد أخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : " { الشمس والقمر بحسبان } " قال : بحساب ومنازل يرسلان .

وأخرج الفريابي ، وابن أبي حاتم عنه " { والأرض وضعها للأنام } " قال : للناس .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : للخلق .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : كل شيء فيه روح .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا " { والنخل ذات الأكمام } " قال : أوعية الطلع .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : " { والحب ذو العصف } " قال : التبن " والريحان " قال خضرة الزرع .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : " العصف " ورق الزرع إذا يبس " والريحان " ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : " العصف " الزرع أول ما يخرج بقلا والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : كل ريحان في القرآن فهو رزق .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا " فبأي آلاء ربكما تكذبان " قال : يعني بأي نعمة الله .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال : يعني الجن والإنس .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عنه أيضا من مارج من نار قال : من لهب النار .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال : خالص النار .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { رب المشرقين ورب المغربين } قال : للشمس مطلع في الشتاء ، ومغرب في الشتاء ، ومطلع في الصيف ، ومغرب في الصيف غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال : مشرق الفجر ومشرق الشفق ، ومغرب الشمس ومغرب الشفق .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { مرج البحرين يلتقيان } قال : أرسل البحرين " بينهما برزخ " قال : حاجز لا يبغيان لا يختلطان .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : بحر السماء وبحر الأرض ، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا بينهما برزخ لا يبغيان قال : بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } قال : إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ . وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال : المرجان عظام اللؤلؤ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : اللؤلؤ : ما عظم منه ، والمرجان : اللؤلؤ الصغار .

وأخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني عن ابن مسعود قال : المرجان الخرز الأحمر .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1433 - 1436
counter free hit invisible