<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { لا بارد ولا كريم } { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } { أوآباؤنا الأولون } ) .

ثم قال تعالى : ( { لا بارد ولا كريم } ) قال الزمخشري : كرم الظل نفعه الملهوف ، ودفعه أذى الحر عنه ، ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد ، والأقرب أن يقال : فائدة الظل أمران : أحدهما دفع الحر ، والآخر كون الإنسان فيه مكرما ، وذلك لأن الإنسان في البرد يقصد عين الشمس ليتدفأ بحرها إذا كان قليل الثياب ، فإذا كان من المكرمين يكون أبدا في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه في الظل ، أما الحر فظاهر ، وأما البرد فيدفعه بإدفاء الموضع بإيقاد ما يدفئه ، فيكون الظل في الحر مطلوبا للبرد فيطلب لكونه باردا ، وفي البرد يطلب لكونه ذا كرامة لا لبرد يكون في الظل فقال : ( { لا بارد } ) يطلب لبرده ، ولا ذي كرامة قد أعد للجلوس فيه ، وذلك لأن المواضع التي يقع عليها ظل كالمواضع التي تحت أشجار وأمام الجدار يتخذ منها مقاعد فتصير تلك المقاعد محفوظة عن القاذورات ، وباقي المواضع تصير مزابل ، ثم إذا وقعت الشمس في بعض الأوقات عليها تطلب لنظافتها ، وكونها معدة للجلوس ، فتكون مطلوبة في مثل هذا الوقت لأجل كرامتها لا لبردها ، فقوله تعالى : ( { لا بارد ولا كريم } ) يحتمل هذا ، ويحتمل أن يقال : إن الظل يطلب لأمر يرجع إلى الحس ، أو لأمر يرجع إلى العقل ، فالذي يرجع إلى الحس هو برده ، والذي يرجع إلى العقل أن يكون الرجوع إليه كرامة ، وهذا لا برد له ولا كرامة فيه ، وهذا هو المراد بما نقله الواحدي عن الفراء : أن العرب تتبع كل منفي بكريم إذا كان المنفي أكرم فيقال : هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة ، والتحقيق فيه ما ذكرنا أن وصف الكمال إما حسي ، وإما عقلي ، والحسي يصرح بلفظه ، وأما العقلي فلخفائه عن الحس يشار إليه بلفظ جامع ؛ لأن الكرامة ، والكرامة عند العرب من أشهر أوصاف المدح ، ونفيهما نفي وصف الكمال العقلي ، فيصير قوله تعالى : ( { لا بارد ولا كريم } ) معناه لا مدح فيه أصلا لا حسا ولا عقلا .

ثم قال تعالى : ( { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } { أوآباؤنا الأولون } ) وفي الآيات لطائف ، نذكرها في مسائل :

المسألة الأولى : ما الحكمة في بيان سبب كونهم في العذاب مع أنه تعالى لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم ، ولم يقل : إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين ؟ فنقول : قد ذكرنا مرارا أن الله تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة ، وعند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين ؛ لأن الثواب فضل والعقاب عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم في المتفضل به نقص وظلم ، وأما العدل فإن لم يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ظلما فقال : هم فيها بسبب ترفهم ، والذي يؤيد هذه اللطيفة أن الله تعالى قال في حق السابقين : ( { جزاء بما كانوا يعملون } ) [ الواقعة : 24 ] ولم يقل : في حق أصحاب اليمين ، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم ، وسنبين ذلك في قوله تعالى : ( { فسلام لك } ) [ الواقعة : 91 ] وإذا كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال : هذه النعم لكم ، ولم يقل جزاء ؛ لأن قوله : " جزاء " في مثل هذا الموضع ، وهو موضع العفو عنهم ، لا يثيب لهم سرورا بخلاف من كثرت حسناته ، فيقال له : نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء .

المسألة الثانية : جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفا فإن فيهم من يكون فقيرا ؟ نقول قوله تعالى : ( { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } ) ليس بذم ، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة ، فظاهر ذلك لا يوجب ذما ، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده وهو قوله تعالى : ( { وكانوا يصرون } ) ؛ لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال : إنهم كانوا مترفين ، ولم يشكروا نعم الله بل أصروا على الذنب وعلى هذا فنقول : النعم التي تقتضي شكر الله وعبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق والرزق وما يحتاج إليه وتتوقف مصالحه عليه حاصل للكل ، غاية ما في الباب أن حال الناس في الإتراف متقارب ، فيقال في حق البعض بالنسبة إلى بعض : إنه في ضر ، ولو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء وكيف لا والإنسان إذا نظر إلى حاله يجدها مفتقرة إلى مسكن يأوي إليه ولباس الحر والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب ، وغير هذا من الفضلات التي يحمل عليها شح النفس ، ثم إن أحدا لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء ، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات ، لا تفقد مدخلا أو مغارة ، وأما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد ، كلما تمزق منه موضع يرقعه من أي شيء كان ، بقي أمر المأكول والمشروب ، فإذا نظر الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء ، غير أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتا مزخرفا ومأكولا طيبا ، وغير ذلك من أنواع الدواب والثياب ، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق ، وطلب الغنى يورث فقره ، وارتياد الارتفاع يحط قدره ، وبالجملة شهوة بطنه وفرجه تكسر ظهره ، على أننا نقول في قوله تعالى : ( { كانوا قبل ذلك مترفين } ) لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة ، والأعين الباصرة ، وبان لهم الحقائق ، علموا ( { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } ) بالنسبة إلى تلك الحالة .



المسألة الثالثة : ما الإصرار على الحنث العظيم ؟ نقول : الشرك ، كما قال تعالى : ( { إن الشرك لظلم عظيم } ) [ لقمان : 13 ] وفيها لطيفة وهي أنه أشار في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى : ( { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } ) من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل ، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة ، والمترفون كانوا يقولون : ( { أبشرا منا واحدا نتبعه } ) [ القمر : 24 ] وقوله : ( { يصرون على الحنث العظيم } ) إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد ، وقوله تعالى : ( { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا } ) إشارة إلى إنكار الحشر والنشر ، وقوله تعالى : ( { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } ) فيه مبالغات من وجوه :

أحدها : قوله تعالى : ( { وكانوا يصرون } ) وهو آكد من قول القائل : إنهم قبل ذلك أصروا ؛ لأن اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدل على الاستمرار ؛ لأن قولنا : فلان كان يحسن إلى الناس ، يفيد كون ذلك عادة له .

ثانيها : لفظ الإصرار فإن الإصرار مداومة المعصية والغلول ، ولا يقال : في الخير أصر .

ثالثها : الحنث فإنه فوق الذنب فإن الحنث لا يكاد في اللغة يقع على الصغيرة والذنب يقع عليها ، وأما الحنث في اليمين فاستعملوه ؛ لأن نفس الكذب عند العقلاء قبيح ، فإن مصلحة العالم منوطة بالصدق وإلا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة فلا يبنى على كلامه مصالح ، ولا يجتنب عن مفاسد ، ثم إن الكذب لما وجد في كثير من الناس لأغراض فاسدة أرادوا توكيد الأمر بضم شيء إليه يدفع توهمه ، فضموا إليه الأيمان ولا شيء فوقها ، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثقة فيلزم منه فساد فوق فساد الزنا والشرب ، غير أن اليمين إذا كانت على أمر مستقبل ورأى الحالف غيره جوز الشرع الحنث ولم يجوزه في الكبيرة كالزنا والقتل لكثرة وقوع الأيمان وقلة وقوع القتل ، والذي يدل على أن الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ : بلغ الحنث ، أي بلغ مبلغا بحيث يرتكب الكبيرة ، وقبله ما كان ينفى عنه الصغيرة ؛ لأن الولي مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب وترك الصلاة .

المسألة الرابعة : قوله تعالى : ( { العظيم } ) هذا يفيد أن المراد الشرك ، فإن هذه الأمور لا تجتمع في غيره .

المسألة الخامسة : كيف اشتهر ( { متنا } ) بكسر الميم مع أن استعمال القرآن في المستقبل يموت قال تعالى عن يحيى وعيسى عليهما السلام : ( { ويوم أموت } ) [ مريم : 33 ] ولم يقرأ أمات على وزن أخاف ، وقال تعالى : ( { قل موتوا } ) [ آل عمران : 119 ] ولم يقل : ولا تماتوا كما قال : ( { ألا تخافوا } ) [ فصلت : 30 ] قلنا : فيه وجهان :

أحدهما : أن هذه الكلمة خالفت غيرها ، فقيل فيها : أموت ، والسماع مقدم على القياس .

والثاني : مات يمات لغة في مات يموت ، فاستعمل ما فيها الكسر لأن الكسر في الماضي يوجد أكثر الأمرين :

أحدهما : كثرة يفعل على يفعل .

وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، مثل خاف يخاف ، وفي مستقبلها الضم ؛ لأنه يوجد لسببين :

أحدهما : كون الفعل على فعل يفعل ، مثل طال يطول ، فإن وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر .

وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، تقول: فعلت في الماضي بالكسر وفي المستقبل بالضم .

المسألة السادسة : كيف أتى باللام المؤكدة في قوله : ( { لمبعوثون } ) مع أن المراد هو النفي وفي النفي لا يذكر في خبر إن اللام يقال : إن زيدا ليجيء وإن زيدا لا يجيء ، فلا تذكر اللام ، وما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار بمعنى إنا لا نبعث ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين :

أحدهما : عند إرادة التصريح بالنفي يوجد التصريح بالنفي وصيغته .

ثانيهما : أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار ونحن نستكثر مبالغته وتأكيده فحكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار ، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولا : ( { أئذا متنا } ) ولم يقتصروا عليه بل قالوا بعده : ( { وكنا ترابا وعظاما } ) أي فطال عهدنا بعد كوننا أمواتا حتى صارت اللحوم ترابا والعظام رفاتا ، ثم زادوا وقالوا : مع هذا يقال لنا : إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه :

أحدها : استعمال كلمة إن .

ثانيها : إثبات اللام في خبرها .

ثالثها : ترك صيغة الاستقبال ، والإتيان بالمفعول كأنه كائن ، فقالوا لنا : إنكم لمبعوثون ثم زادوا وقالوا : ( { أوآباؤنا الأولون } ) يعني هذا أبعد فإنا إذا كنا ترابا بعد موتنا والآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن البعث ؟ وقد بينا في سورة والصافات هذا كله وقلنا : إن قوله : ( { أوآباؤنا الأولون } ) معناه : أو يقولوا : آباؤنا الأولون ، إشارة إلى أنهم في الإشكال أعظم ، ثم إن الله تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال :
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 29-29 , الصفحة 148 - 150
counter free hit invisible